مراجعة فيلم Primetime: روبرت باتينسون يلمع بصريًا
مراجعة فيلم Primetime: سحر الأداء يتفوّق على عمق الحكاية
دخل فيلم Primetime دائرة الاهتمام سريعًا بعد عرضه العالمي الأول في مهرجان فينيسيا السينمائي 2026، ليس فقط بسبب موضوعه المستفز، بل أيضًا لأنه يجمع بين شركة A24 والمخرج الأمريكي لانس أوبنهايم في أول تجربة روائية طويلة له، مع وجود روبرت باتينسون في المقدمة ممثلًا ومنتجًا. الفيلم، المقرر طرحه في دور العرض يوم 25 سبتمبر 2026، يستعيد أجواء التلفزيون الأمريكي في منتصف الألفينات عبر قصة تدور حول مقدم برنامج صيد المتحرشين الشهير كريس هانسن، الذي يجسده باتينسون بأداء دقيق ومقلق في الوقت نفسه.
للقارئ المصري، قد يبدو العالم الذي ينطلق منه الفيلم بعيدًا ثقافيًا، لكنه مألوف من زاوية أخرى: هوس التليفزيون بالصدمة، وسباق نسب المشاهدة، وتحويل القضايا الأخلاقية إلى فرجة جماهيرية. هنا تكمن قوة Primetime الأساسية؛ فهو لا يكتفي بإعادة تمثيل حقبة إعلامية أمريكية مثيرة للجدل، بل يقدّمها بوصفها مسرحًا لانفلات الطموح الشخصي تحت ضغط الكاميرا.
روبرت باتينسون في دور مختلف.. وربما من أكثر أدواره إثارة هذا العام
روبرت باتينسون، الذي يواصل في السنوات الأخيرة الابتعاد عن الاختيارات السهلة، يبدو العنصر الأكثر تماسكًا في الفيلم. ووفق ما أكده في فينيسيا، لم يبدأ مشاركته بصفته بطل العمل، بل دخل المشروع أولًا كمنتج قبل أن ينجذب تدريجيًا إلى شخصية كريس هانسن نفسها. النتيجة على الشاشة لافتة: ليس مجرد تقليد صوتي أو حركي، بل بناء لشخصية إعلامية تعرف تمامًا كيف تُدير حضورها أمام الجمهور، ثم تبدأ في الانزلاق حين يصبح النجاح هدفًا قائمًا بذاته.
باتينسون لا يقدّم الشخصية كشرير مباشر، ولا كبطل أخلاقي مكتمل؛ بل كرجل يخلط بين الرسالة العامة والنشوة الشخصية الناتجة عن السلطة والشهرة. هذه المنطقة الرمادية هي أفضل ما في الأداء. ومن الواضح أن الفيلم يراهن على هذا التحول الداخلي أكثر من اعتماده على مفاجآت الحبكة.
وبحسب المواد الرسمية من A24، يشارك في البطولة أيضًا ميريت ويفر، وسكايـلر جيسوندو، وفيبي بريدجرز (@phoebebridgers على إنستغرام)، إلى جانب ماثيو ماهر وبوكيم وودباين. وجود هذه المجموعة يضيف توازنًا واضحًا، خصوصًا مع ميريت ويفر التي تمنح ما لديها من مشاهد وزنًا دراميًا أكبر من مساحتها الفعلية.
عن ماذا يتحدث الفيلم فعلًا؟
القصة، كما يقدّمها الفيلم، تعود إلى عام 2006، حين يسعى مقدم برنامج To Catch a Predator إلى صناعة حدث تلفزيوني أكبر من مجرد حلقة ناجحة. من هنا يبدأ Primetime في تتبع ماكينة البرنامج من الداخل: الطُعم، فريق الإعداد، الضيوف الذين يدخلون الفخ، والكواليس التي تكشف كيف يمكن أن تتحول لغة “الخدمة العامة” إلى مشروع استعراضي ضخم.
السيناريو المكتوب بواسطة أجون سينغ يستند إلى مادة صحفية معروفة هي مقال Luke Dittrich في مجلة Esquire بعنوان Tonight on Dateline, This Man Will Die، وهو مقال تناول عملية مداهمة مرتبطة بالبرنامج في تكساس عام 2006 وانتهت بانتحار المدعي المساعد Bill Conradt. هذه الخلفية تمنح الفيلم ثقلًا واقعيًا، لكنها أيضًا ترفع سقف التوقعات بشأن العمق الأخلاقي والسياسي الذي يمكن أن يقدمه.
الأسلوب البصري: أفضل أوراق الفيلم
إذا كان هناك عنصر يصعب الاختلاف حوله في Primetime، فهو الشكل البصري. الفيلم يتعمد استعادة ملمس التلفزيون الأمريكي في أوائل الألفينات: إضاءة باردة، مساحات داخلية باهتة، حبيبات صورة واضحة، وزوايا تصوير توحي بالتوتر وعدم الارتياح. هذا الاختيار لا يعمل كزينة شكلية فقط، بل يخلق بيئة مشاهدة تحاصر الشخصيات وتحوّل الاستوديو والكواليس إلى عالم خانق.
لانس أوبنهايم، القادم من خلفية وثائقية، ينجح هنا في استثمار حس المراقبة أكثر من ميله إلى الخطابة. لذلك تبدو أفضل لحظات الفيلم هي تلك التي تتعامل مع البرنامج نفسه بوصفه عرضًا حيًا، حيث تنشأ الكوميديا السوداء من التباين بين ما يقال على الهواء وما يجري خلف العدسات. في هذه المقاطع، يصبح الفيلم ذكيًا ومزعجًا ومضحكًا في وقت واحد.
أداء الممثلين المساندين يعزز التجربة
بعيدًا عن باتينسون، يبرز سكايـلر جيسوندو بشكل مفاجئ في دور ممثل شاب يطمح إلى تثبيت مكانه داخل الصناعة، ويجد نفسه داخل وظيفة تتجاوز كل ما تخيله عنها. الشخصية تمنح الفيلم زاوية إنسانية مهمة، لأنها تكشف كيف يمكن للطموح أن يدفع أشخاصًا عاديين إلى قبول مساحات رمادية يصعب تبريرها لاحقًا.
أما ميريت ويفر فتضيف، كعادتها، حسًا حادًا بالواقع، وتنجح في تجسيد توتر غرفة التحكم والإنتاج بعيدًا عن المبالغة. وفيبي بريدجرز تسجل هنا ظهورًا تمثيليًا لافتًا بوصفه أول أدوارها السينمائية، وهي نقطة استحوذت على اهتمام التغطيات الدولية المصاحبة لعرض الفيلم في فينيسيا.
المشكلة الأساسية: فيلم قوي في الانطباع.. أقل قوة في العمق
رغم كل ما سبق، يبقى الانطباع النهائي عن Primetime أقرب إلى الإعجاب المنقوص. الفيلم مشغول بعناية من حيث الأداء والإيقاع والشكل، لكنه لا يذهب بعيدًا بما يكفي داخل الأسئلة التي يثيرها. هل نحن أمام نقد فعلي لتلفزيون الاستغلال؟ أم مجرد إعادة تقديمه بأسلوب أنيق؟ هل يهتم العمل فعلًا بضحايا هذه المنظومة، أم أنه مفتون بها إلى درجة تجعله يكرر سحرها بدل تفكيكها؟
هذا التردد هو ما يجعل الفيلم جيدًا أكثر مما يجعله عظيمًا. هناك توتر حقيقي، ونهاية تتعمد الفوضى بما ينسجم مع المادة الأصلية، لكن الشعور السائد بعد المشاهدة هو أن الفيلم التقط السطح بمهارة استثنائية، ولم يحفر بما يكفي تحته. بالنسبة لفيلم يرتكز على واحدة من أكثر ظواهر الإعلام الأمريكي إثارة للجدل، كان ممكنًا أن تكون الضربة أعمق.
هل يستحق المشاهدة؟
نعم، خاصة إذا كنت من متابعي أفلام الشخصيات المضطربة، أو من جمهور روبرت باتينسون الباحث عن أدواره غير التقليدية. كما أن محبي الأفلام التي تتناول الإعلام والتلفزيون وثقافة الشهرة سيجدون في Primetime مادة جذابة ومشحونة. لكنه في المقابل ليس فيلمًا يقدّم كشفًا جديدًا بقدر ما يقدّم معالجة ذكية ومصقولة لموضوع صادم بطبيعته.
- نقطة القوة الأبرز: أداء روبرت باتينسون وبناء الجو البصري.
- أفضل ما في الفيلم: مشاهد إعادة خلق البرنامج التلفزيوني وكواليسه.
- نقطة الضعف: محدودية العمق الدرامي والفكري مقارنة بثراء الموضوع.
- لمَن يناسب: جمهور الدراما النفسية، وأفلام الكواليس الإعلامية، ومتابعي سينما A24.
في المحصلة، Primetime فيلم ملفت أكثر من كونه كاشفًا، وصادم أكثر من كونه متوغلًا في التحليل. لكنه يظل إضافة مهمة إلى موسم الخريف السينمائي، خصوصًا مع وجود روبرت باتينسون في قلبه، حيث يقدّم واحدًا من أكثر أداءاته انضباطًا وغرابة في آن واحد.