مراجعة فيلم Ancestors: بداية واعدة لا تكتمل في TIFF
مراجعة فيلم Ancestors: طموح بصري كبير وأداء رئيسي ينقذ التجربة
في قسم مراجعات الأفلام، يلفت فيلم Ancestors الانتباه منذ اللحظة الأولى بصفته واحدًا من الأعمال التي دخلت مهرجان تورونتو السينمائي الدولي هذا العام محمّلًا بتوقعات فنية عالية. الفيلم هو الظهور الروائي الطويل الأول للمخرج والكاتب ديفيد توربين، وقد عُرض للمرة العالمية الأولى ضمن برنامج Discovery في الدورة الحادية والخمسين من المهرجان، التي تُقام بين 10 و20 سبتمبر 2026. وفق البيانات الرسمية، يضم البرنامج 24 مشروعًا لمخرجين صاعدين من حول العالم، ما يضع العمل في سياق اكتشاف أصوات جديدة أكثر من كونه رهانًا جماهيريًا مباشرًا.
الفيلم إنتاج إيرلندي-بريطاني مشترك بين Samson Films وLunatica، ومدته 105 دقائق. وتؤكد المواد التعريفية الرسمية أن قصته تدور في لندن عام 1988، حيث تتشابك الذاكرة والواقع والخيال بينما يبحث الشاب بو عن صديقه المفقود تايني. هذه الرحلة تقوده إلى مساحة سردية تتقاطع فيها الحكاية العاطفية مع الغموض الأسود والتأملات الميتافيزيقية، في بناء يطمح لأن يكون أكثر من مجرد دراما تقليدية عن الفقد والهوية.
أداء إينا هاردويك هو نقطة الارتكاز الحقيقية
إذا كان هناك سبب واضح لمتابعة Ancestors حتى نهايته، فهو أداء الممثل الإيرلندي إينا هاردويك. الفيلم يمنحه مساحة واسعة ليقود الإيقاع الداخلي للمشاهد، ويستثمر حضوره في رسم شخصية تبدو ممزقة بين الحنين والخوف والرغبة في الإمساك بشيء يتبدد باستمرار. وتُظهر المعلومات الرسمية أن هاردويك يتصدر بطولة العمل إلى جانب Jack Wolfe وJessica Reynolds وRupert Everett وChristina Hendricks.
ما يميز أداء هاردويك هنا ليس فقط الهدوء الظاهري، بل قدرته على تمرير الانكسار النفسي من دون افتعال. الفيلم يعتمد بدرجة كبيرة على الانطباع والمزاج، لا على الحوار التفسيري، ولذلك كان نجاح الشخصية الرئيسية ضروريًا لبقاء المشاهد متصلًا بما يحدث على الشاشة. من هذه الزاوية، يمكن القول إن الممثل يحمل العبء الأكبر بجدارة، حتى في اللحظات التي يبدو فيها السيناريو أقل إحكامًا من طموحه البصري.
عن ماذا يحكي الفيلم فعلًا؟
الملخصات الرسمية تصف Ancestors بأنه قصة حب، وغموض بنكهة noir، وحكاية ميتافيزيقية في آن واحد. كما وصفه مهرجان تورونتو، عبر ما نقلته الجهات الشريكة للعمل، بأنه أشبه بـجلسة استحضار حلمية تدور في لندن الثمانينيات، وتبحث في إرث أزمة الإيدز. هذا الوصف مهم لأنه يشرح طبيعة الفيلم: نحن أمام عمل لا يركز على الحدث الخارجي فقط، بل يحاول تفكيك أثر تلك المرحلة على الذاكرة الجماعية والعلاقات الشخصية والهوية الكويرية.
هذه الخلفية تمنح الفيلم ثقلًا موضوعيًا واضحًا، خصوصًا أن العودة إلى أواخر الثمانينيات ليست مجرد حنين بصري، بل استدعاء لمرحلة شديدة الحساسية في تاريخ المجتمعات الكويرية في بريطانيا. لكن المشكلة أن Ancestors يبدو أحيانًا وكأنه مأخوذ أكثر بسحر أجوائه من قدرته على تطوير حبكته. البداية توحي بعمل متماسك ومختلف، ثم يبدأ الزخم في التراجع كلما اتسعت دوائر الرمز على حساب التطور الدرامي المباشر.
لغة بصرية قوية... لكن السرد لا يواكبها دائمًا
من السهل ملاحظة أن ديفيد توربين يمتلك تصورًا بصريًا خاصًا. المواد التعريفية للفيلم نفسها تضعه في منطقة بين الحلم والواقع والتاريخ، وهذا ينعكس على الطريقة التي تُبنى بها المشاهد وعلى الإحساس العام بالزمن والمكان. هناك رغبة واضحة في خلق مناخ سينمائي مشبع بالغياب والأثر والذكريات، وهو ما يجعل الفيلم جذابًا في نصفه الأول تحديدًا.
لكن كمراجعة نقدية، لا يكفي أن يكون الفيلم جميلًا من حيث النبرة والملمس. التحدي الأصعب هو تحويل هذا المزاج إلى رحلة درامية متماسكة. هنا يتعثر Ancestors نسبيًا؛ إذ يظل معلقًا بين أكثر من شكل: فيلم حب، وفيلم بحث، ودراما عن الفقد، وتأمل في ما بعد الموت، ودراسة لندوب أزمة الإيدز. هذا التنوع في حد ذاته ليس عيبًا، لكنه يحتاج إلى مركز سردي أكثر صلابة مما يقدمه الفيلم في صورته الحالية.
طاقم داعم لافت وخلفية إنتاجية قوية
رغم أن الثقل الأكبر يقع على الشخصية الرئيسية، فإن وجود أسماء مثل روبرت إيفرت وكريستينا هندريكس يمنح المشروع حضورًا إضافيًا على مستوى السوق والمهرجانات. كما أن الفيلم وصل إلى تورونتو بدعم من Fís Éireann/Screen Ireland، وبالاشتراك مع RTÉ وBCP، بينما تتولى Mister Smith Entertainment مهام المبيعات الدولية. هذه التفاصيل تعكس أن Ancestors ليس مشروعًا صغيرًا عابرًا، بل عمل جرى تطويره داخل شبكة إنتاج أوروبية جادة تراهن على مساره في الدوائر الفنية.
ومن المهم أيضًا الإشارة إلى أن اختياره ضمن Discovery يجعله جزءًا من موجة أفلام جديدة تسعى إلى تقديم أصوات مختلفة داخل المشهد العالمي. وبالنسبة للمتابع المصري والعربي، فإن هذا النوع من الأفلام يظل مهمًا ليس فقط بسبب موضوعه، بل لأنه يكشف كيف تعالج السينما الأوروبية المعاصرة الذاكرة والهوية والتاريخ عبر أشكال سردية أقل مباشرة من السينما التجارية المعتادة.
هل يستحق Ancestors المتابعة؟
الإجابة المختصرة: نعم، ولكن بتوقعات محددة. إذا كنت تبحث عن فيلم يعتمد على المزاج والصور والانفعال الداخلي أكثر من اعتماده على الحبكة المحكمة، فستجد في Ancestors ما يستحق الاهتمام. أما إذا كنت تنتظر دراما متصاعدة بإيقاع ثابت ونهاية تضاهي قوة الافتتاح، فقد تشعر أن الفيلم لا يفي بالكامل بما يعد به في البداية.
قيمة الفيلم الحقيقية تكمن في ثلاث نقاط أساسية:
- أداء إينا هاردويك الذي يمنح الشخصية الرئيسية ثقلًا إنسانيًا واضحًا.
- المعالجة البصرية التي تخلق عالمًا بين الحلم والتاريخ والذاكرة.
- الاقتراب من إرث أزمة الإيدز من زاوية وجدانية وشخصية بدلًا من الطرح التقريري المباشر.
في المقابل، يعاني العمل من تراجع تدريجي في القوة السردية، ومن صعوبة في جمع عناصره الكثيرة داخل بناء واحد متماسك. لذلك يخرج الفيلم في النهاية كتجربة مثيرة للاهتمام أكثر من كونه إنجازًا مكتملًا.
الخلاصة
Ancestors فيلم يحمل بصمة مخرجه ديفيد توربين بوضوح، ويمنح بطله إينا هاردويك مساحة للتألق، لكنه لا ينجح بالقدر نفسه في تحويل فكرته الغنية إلى دراما تبقى بالقوة ذاتها من البداية حتى النهاية. مع ذلك، يظل عنوانًا جديرًا بالمتابعة داخل خريطة مهرجان تورونتو 2026، خصوصًا لمن يهتمون بأفلام الهوية والذاكرة والسينما التي تراهن على الإحساس قبل الحسم. بالنسبة لقسم مراجعات الأفلام، هذا عمل يمكن وصفه بأنه واعد بصريًا وعاطفيًا، لكنه أقل اكتمالًا مما توحي به دقائقه الأولى.