Egypt Box Office

مراجعة فيلم A Statement: توم مكارثي يواجه أزمة المناخ

مراجعة فيلم A Statement: دراما اجتماعات مشدودة تكشف كيف يتعثر القرار الكبير

يعود المخرج الأميركي توم مكارثي بفيلم A Statement إلى المساحة التي يجيدها بوضوح: دراما تعتمد على الكلام، التفاصيل البشرية، والتوتر الناتج من تضارب المصالح أكثر من اعتمادها على الاستعراض البصري. العمل عُرض للمرة الأولى عالمياً ضمن الدورة الرابعة والستين من مهرجان نيويورك السينمائي، وهي دورة تمتد من 25 سبتمبر إلى 12 أكتوبر 2026، ويقدّم قصة تدور في أكتوبر 1980 داخل فندق في سانت بطرسبرغ بولاية فلوريدا، حيث اجتمع ناشطون وعلماء وصنّاع سياسات لمناقشة دراسة حكومية مقلقة عن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وارتفاع حرارة الأرض.

الفكرة في ظاهرها تبدو بسيطة: مجموعة من المختصين تريد الخروج بصياغة بيان يرفع توصيات إلى الكونغرس الأميركي. لكن الفيلم يبني من هذه الفرضية المحدودة مكانياً دراما متوترة عن عجز البشر عن الاتفاق، حتى عندما تكون المخاطر واضحة. وهنا بالتحديد تكمن قوة الفيلم: ليس في تقديم كارثة مناخية على الشاشة، بل في تشريح اللحظة التي كان يمكن فيها اتخاذ خطوة مبكرة، ثم تعثرت بفعل اللغة، الحسابات، والأنا الفردية.

قصة حجرة اجتماعات... لكن برهانات عالمية

بحسب بطاقة الفيلم الرسمية في Film at Lincoln Center، يستند A Statement إلى إعادة بناء تاريخية لاجتماع حقيقي، وقد استلهم مكارثي نصه من تفريغ وقائع المؤتمر نفسه، مع تصوير العمل في الفندق ذاته الذي شهد الاجتماع الأصلي. هذه الخلفية تمنح الفيلم وزناً توثيقياً، لكنها لا تحوّله إلى درس أكاديمي جاف. على العكس، يشتغل مكارثي على تحويل محاضر النقاش إلى صدامات درامية تكشف كيف يمكن لعبارة واحدة، أو تحفظ صغير على كلمة، أن يؤجل استجابة سياسية لقضية مصيرية.

هذه المقاربة تضع الفيلم ضمن نوعية الأعمال التي تراهن على المتفرج الصبور، وهو رهان قد يلقى صدى جيداً لدى جمهور المهرجانات ومحبي الأفلام الحوارية في مصر، خصوصاً من يتابعون أعمالاً مثل Spotlight ويهتمون بالسينما التي تستخرج الإثارة من الجدل الأخلاقي والمؤسسي لا من المطاردات أو المفاجآت المفتعلة.

توم مكارثي يعود إلى ملعبه المفضل

من الصعب مشاهدة A Statement من دون تذكّر خط مكارثي الإخراجي في Spotlight، الفيلم الذي رسّخ اسمه كأحد أبرز صناع الدراما الصحافية والمؤسسية في السينما الأميركية. هنا أيضاً نرى اهتمامه بالجماعة لا بالبطل الفرد، وبآليات القرار أكثر من لحظة الانفجار العاطفي. الفارق أن الفيلم الجديد أكثر انغلاقاً مكانياً، وأكثر اعتماداً على الإيقاع الداخلي للحوار.

مكارثي لا يقدّم شخصياته كرموز وعظية في فيلم عن المناخ؛ بل كأشخاص متناقضين، يترددون، يجادلون، يناورون، ويصطدمون ببعضهم البعض. هذا الاختيار يمنح العمل صدقاً أكبر، ويجنّبه فخ التحول إلى بيان سياسي مباشر، رغم أن عنوانه نفسه يوحي بذلك. والمفارقة أن الفيلم، كلما اقترب من لغة الوثيقة، ازداد انكشافه على هشاشة البشر.

فريق تمثيل قوي يخدم النص الجماعي

من أبرز عناصر الجذب في A Statement طاقمه التمثيلي الكبير، إذ تضم القائمة الرسمية أسماء مثل Paul Rudd، Amy Ryan، Paul Giamatti، John Turturro، Evan Peters، Tatiana Maslany، إلى جانب Nina Arianda وZach Woods. هذا التنوع يخدم طبيعة الفيلم القائمة على تعدد الأصوات داخل الغرفة الواحدة، ويمنح كل مشهد قدرة على تغيير موازين النقاش بحسب الشخصية التي تمسك بالكلمة.

وفي أفلام من هذا النوع، لا يكون التحدي في وجود نجم يسيطر على المشهد، بل في الحفاظ على توازن الأداء داخل مجموعة كبيرة. وهذه نقطة تبدو محسوبة جيداً هنا، لأن الفيلم لا يطارد لحظات استعراضية للممثلين بقدر ما يضعهم داخل شبكة علاقات متوترة ومتبدلة باستمرار.

لماذا يبدو الفيلم مهماً الآن؟

رغم أن الأحداث تعود إلى عام 1980، فإن راهنية الفيلم واضحة جداً. فالمسألة ليست فقط أن تغيّر المناخ صار اليوم في قلب النقاش العام عالمياً، بل أن A Statement يعيد طرح سؤال مزعج: ماذا يحدث حين تعرف المؤسسات الخطر مبكراً، لكنها تفشل في ترجمة المعرفة إلى فعل؟ بالنسبة للقارئ العربي، والمصري تحديداً، تكتسب هذه الزاوية أهمية إضافية لأن النقاش المناخي في المنطقة لم يعد شأناً بعيداً عن الحياة اليومية، سواء في ملف الطاقة أو الطقس المتطرف أو إدارة الموارد.

لكن الفيلم يظل، في النهاية، فيلماً قبل أن يكون تعليقاً على الواقع. وهذا ما يجعله مناسباً تماماً لقسم مراجعات الأفلام: قوته الحقيقية ليست في الرسالة وحدها، بل في الطريقة التي يبني بها التوتر من محضر اجتماع، ويحوّل الكلمات إلى ساحة اشتباك درامي.

إيقاعه ليس سهلاً... وهذه ميزة وعيب معاً

لن يكون A Statement من الأفلام الجماهيرية السهلة. زمنه يصل إلى 111 دقيقة، ومعظم ثقله الدرامي قائم على الجدل وتبدّل التحالفات داخل القاعة. من يبحث عن فيلم سريع الإيقاع أو صور كارثية ضخمة قد لا يجد ما يريده هنا. لكن من يفضّل السينما المعتمدة على البناء النصي والتمثيل الجماعي سيجد أمامه تجربة أكثر ثراءً.

أحياناً يغامر مكارثي بأن يترك المشاهد داخل حلقات نقاش طويلة نسبياً، وهو قرار فني مفهوم، لكنه قد يخلق مسافة مع جزء من الجمهور. مع ذلك، فإن هذا البطء النسبي ليس ترهلاً بقدر ما هو جزء من الفكرة نفسها: الأزمة ليست في نقص المعلومات، بل في بطء البشر حين يتعاملون مع المعلومات.

العرض الأول في نيويورك وما بعده

الفيلم قُدِّم كـعرض عالمي أول في مهرجان نيويورك السينمائي، مع جلسات عرض ونقاش ضمت توم مكارثي وبعض أبطال العمل، بينما تشير الصفحة الرسمية إلى أن توزيعه سيكون عبر Sony Pictures Classics. وجود الفيلم في هذا الإطار يوضح نوعية المسار المتوقع له: حضور قوي في دوائر النقد والمهرجانات، مع اهتمام خاص من جمهور السينما الجادة.

  • العنوان: A Statement
  • المخرج: Tom McCarthy
  • سنة الإنتاج: 2026
  • مدة العرض: 111 دقيقة
  • العرض الأول: مهرجان نيويورك السينمائي 64
  • شركة التوزيع: Sony Pictures Classics

الحكم النهائي

A Statement ليس فيلماً عن المناخ بالمعنى التقليدي، بل عن البشر حين يقفون أمام حقيقة كبرى ولا يعرفون كيف يتفقون على جملة واحدة لمواجهتها. هذه الفكرة تمنح الفيلم طابعاً سياسياً وفلسفياً معاً، لكن مكارثي يقدّمها من خلال دراما ممثلين محكمة أكثر من تقديمها كخطاب مباشر. النتيجة فيلم ذكي، مشغول بعناية، وقد يثير نقاشاً أطول من زمن عرضه نفسه.

لجمهور السينما في مصر الذي يتابع أفلام المهرجانات والدراما الحوارية، يمكن اعتبار A Statement واحداً من الأعمال اللافتة هذا الموسم، خصوصاً لأنه يبرهن مرة أخرى أن أكثر الأزمات اتساعاً قد تختصرها غرفة مغلقة، وطاولة اجتماعات، وبشر عاجزون عن الوصول إلى اتفاق في الوقت المناسب.