مراجعة «القصص»: هل يقدّم نيللي كريم وأبو بكر شوقي صيفًا مختلفًا؟
فيلم «القصص» في سينمات مصر: توقيت عرض ذكي لفيلم لا يشبه موسم الزحام
دخل فيلم «القصص» إلى دور العرض المصرية يوم 17 يونيو 2026، قبل أن يبدأ عرضه عربيًا في 18 يونيو 2026. الفيلم من تأليف وإخراج أبو بكر شوقي، ويقوده في البطولة نيللي كريم وأمير المصري، إلى جانب كريم قاسم وأحمد كمال وصبري فواز وشريف الدسوقي، مع حضور لاسم الممثلة النمساوية فاليري باشنر. كما سبق العرض التجاري عرض خاص أُقيم في مدينة السادس من أكتوبر يوم 9 يونيو 2026 بحضور صُنّاعه ومنتجه محمد حفظي.
هذه التفاصيل ليست هامشية، لأن «القصص» لا يدخل الموسم كفيلم تجاري صاخب، بل كعمل يراهن على فئة محددة من الجمهور المصري: المشاهد الذي يريد فيلمًا دراميًا إنسانيًا، لا يعتمد على الإفيه السريع أو الإثارة المصنوعة بآليات السوق التقليدية. ومن هنا يصبح السؤال مهمًا: هل ينجح الفيلم فعلًا في أن يكون مراجعة جدية مستحقة داخل قسم «مراجعات الأفلام»، أم أن قيمته ستظل محصورة في النوايا الحسنة واسم مخرجه؟
عن ماذا يحكي «القصص»؟
المعطيات المعلنة عن الفيلم تشير إلى حكاية تمتد بين مصر وفيينا، وتدور حول عازف بيانو مصري شاب يبدأ صداقة ومراسلات مع فتاة نمساوية، فيما تتحرك الأحداث على خلفية تحولات سياسية واجتماعية كبرى في مصر بين 1967 و1984. الصياغة هنا تكشف مبكرًا أن الفيلم ليس مجرد قصة حب، بل دراما عائلية ممتدة زمنيًا، تستخدم الخاص لفهم العام، وتقرأ التحول الاجتماعي من داخل البيت المصري لا من فوقه.
هذا الاختيار مهم جدًا في سينما أبو بكر شوقي. فالمخرج الذي عُرف دوليًا منذ «يوم الدين»، ثم قدّم «هجان»، يميل أصلًا إلى بناء عوالم إنسانية تقوم على التفاصيل الصغيرة، وعلى شخصيات لا تصرخ كي تُسمع. في «القصص» يعود شوقي إلى فضاء أكثر قربًا من الذاكرة المصرية، مع فيلم وصفه مهرجان البحر الأحمر بأنه تحية حيوية وصادقة لمصر، وبأنه قصة حب وطموح تخص جيلًا كاملًا في مرحلة مفصلية من التاريخ العربي.
لماذا يبدو الفيلم مختلفًا فعلًا داخل السوق المصري؟
الاختلاف هنا لا يتعلق بالشكل فقط، بل بطبيعة الرهان. أغلب أفلام الصيف تُسوّق نفسها من خلال التشويق المباشر أو النجومية الصدامية أو الكوميديا الواضحة. أما «القصص» فيسلك طريقًا آخر: الإيقاع الهادئ، البناء الزمني الطويل، والعائلة باعتبارها مسرحًا للتاريخ. هذه اختيارات تمنح الفيلم شخصية واضحة، لكنها في الوقت نفسه ترفع سقف التوقعات؛ لأن الجمهور الذي يذهب إلى هذا النوع لا يكتفي بالأجواء، بل ينتظر كتابة دقيقة ومشاعر حقيقية.
ومن المعلومات المتاحة، صُوّر الفيلم بين القاهرة وفيينا، وهو ما يمنحه مساحة بصرية أوسع من كثير من الأفلام المحلية المعتادة. كذلك فإن تعدد اللغات في العمل بين العربية والإنجليزية والألمانية، وامتداد زمنه إلى 120 دقيقة، يشيران إلى مشروع مصمم منذ البداية ليكون فيلمًا مهرجانيًا وجماهيريًا بقدر محسوب، لا مجرد محاولة محلية ضيقة.
نيللي كريم: عنصر الثقة الأكبر في الدراما العائلية
إذا كان أبو بكر شوقي هو الضامن الإخراجي للفيلم، فإن نيللي كريم هي غالبًا الضامن الشعوري الأهم. في الأعمال التي تعتمد على المناخ الداخلي والحميمية العائلية، تحتاج الشاشة إلى ممثل أو ممثلة يملأ الفراغ بين السطور، لا من يكتفي بأداء الجمل. ونيللي، بتاريخها في الدراما النفسية والاجتماعية، تبدو اختيارًا منطقيًا جدًا لهذا العالم.
اللافت أن حديثها الإعلامي عن الفيلم بعد استضافتها مع الأبطال في «معكم منى الشاذلي» جاء منسجمًا مع طبيعة المشروع؛ إذ تحدثت عن حبها للشخصية، وعن أسلوب أبو بكر شوقي المنظم والدقيق، مشيرة إلى أنه يعرف ما يريده من الممثل ولا يستهلك طاقته في الإعادات الزائدة. هذه الملاحظة ليست مجرد مجاملة تليفزيونية، بل مؤشر على مدرسة إخراجية تُفضّل الاقتصاد التعبيري على المبالغة، وهو ما يخدم جدًا أفلام العلاقات والعائلات.
الأهم أن نيللي نفسها وصفت التجربة، في تصريحات سابقة خلال الترويج للفيلم، بأنها من الأعمال التي يمكن أن تمنح الجمهور دفء العائلة القديمة وحنين التجمع حول الراديو أو التلفزيون والأحلام البسيطة. هذا الوصف، حتى لو بدا عاطفيًا، يلتقط جوهر الرهان: «القصص» يبيع إحساسًا بقدر ما يبيع حكاية.
أمير المصري وباقي الطاقم: هل يكتمل التوازن؟
وجود أمير المصري في المركز الدرامي مهم للغاية، لأن الحكاية تدور حول شاب يحاول أن يشق طريقه فنيًا وإنسانيًا وسط واقع مضطرب. أمير يملك حضورًا مناسبًا لهذا النوع من الشخصيات: ملامح هادئة، وصدق داخلي، وقدرة على لعب التردد والطموح في الوقت نفسه. إلى جواره، يمنح حضور أسماء مثل أحمد كمال وصبري فواز وشريف الدسوقي ثقلًا تمثيليًا مطلوبًا لأي دراما عائلية تريد أن تقنع المشاهد بأن هذا البيت حقيقي لا مصطنع.
كما أن الطاقم المعلن في مواد المهرجانات والمواد الصحفية يوضح أن الفيلم يراهن على جماعية الأداء أكثر من البطولات المنفردة. وهذا عنصر قوة، لأن أفلام العائلة غالبًا ما تفشل عندما تتحول إلى منبر لشخصية واحدة، بينما تنجح عندما يصبح كل فرد في البيت حاملًا لطبقة درامية خاصة به.
هل يستحق «القصص» المشاهدة للمصري الباحث عن سينما مختلفة؟
الإجابة الأقرب: نعم، بشرط معرفة ما الذي تبحث عنه. إذا كان المشاهد يريد فيلمًا سريع الإيقاع ومشحونًا بالمفاجآت، فربما لا يكون «القصص» خياره الأول. أما إذا كان يبحث عن فيلم مصري مختلف هذا الصيف، يتعامل مع التاريخ من زاوية إنسانية، ويمنح العلاقات العائلية مساحة للتنفس، فالفيلم يبدو واحدًا من أبرز الخيارات المتاحة حاليًا.
قيمة «القصص» المحتملة لا تأتي من كونه عملًا مثاليًا بالضرورة، بل من كونه يحاول استعادة منطقة تراجعت في السينما المصرية التجارية: الدراما العائلية المكتوبة بحس سينمائي. وبين تاريخ يمتد من 1967 إلى 1984، وصداقة عابرة للحدود، وموسيقى وحلم بالسفر، وعائلة تواجه مجتمعًا متغيرًا، يبدو الفيلم أقرب إلى سؤال عن معنى الحياة المشتركة في زمن الارتباك، لا مجرد حكاية رومانسية.
الحكم النهائي
«القصص» يبدو، من كل ما أُعلن عنه ومن موقعه داخل الموسم، فيلمًا يستحق المراجعة فعلًا لا المجاملة. فهو يجمع بين اسم مخرج صاحب مشروع، وممثلة بحجم نيللي كريم تعرف كيف تحمل الدراما الداخلية، وفكرة زمنية وعائلية أقل شيوعًا في السوق الحالية. قد لا يكون فيلم جمهور الشباك العريض بالمعنى التقليدي، لكنه مرشح بقوة ليكون فيلم جمهور الذائقة هذا الصيف في مصر.
لذلك، إذا كنت من المشاهدين الذين يشتكون دائمًا من غياب السينما المصرية المختلفة، فالأقرب أن «القصص» يستحق أن تمنحه فرصة حقيقية. ليس لأنه يرفع شعار الاختلاف، بل لأن تفاصيله المعلنة تقول إنه يحاول أن يقدّم هذا الاختلاف عبر حكاية مصرية حميمة، تعرف أن البيت أحيانًا هو أفضل مكان لقراءة التاريخ.
معلومات سريعة عن الفيلم
- الاسم: القصص
- تاريخ طرحه في مصر: 17 يونيو 2026
- تاريخ طرحه عربيًا: 18 يونيو 2026
- التأليف والإخراج: أبو بكر شوقي
- البطولة: نيللي كريم، أمير المصري، كريم قاسم، أحمد كمال، صبري فواز، شريف الدسوقي، فاليري باشنر
- أماكن التصوير المعلنة: القاهرة وفيينا
- المدة: 120 دقيقة
- التصنيف العام: دراما عائلية/إنسانية