Egypt Box Office

مايكل هانيكه يطوي صفحة الإخراج بعد مسيرة صنعت سينما القلق

مايكل هانيكه ينسحب بهدوء... لكن أثره لا يغادر الشاشة

يبدو أن المخرج النمساوي مايكل هانيكه، أحد أهم صناع السينما الأوروبية المعاصرة، قد حسم موقفه أخيراً بالابتعاد عن الإخراج، بعد سنوات من الغياب العملي منذ تقديم Happy End عام 2017. هانيكه، المولود في 23 مارس 1942، بلغ 84 عاماً في مارس 2026، فيما لا توجد حالياً أي مشاريع جديدة معلنة باسمه، وهو ما يعزز الانطباع بأن صاحب Amour وFunny Games وCaché أغلق بالفعل فصل الإخراج الطويل في مسيرته.

أحدث تأكيد علني جاء عبر المخرج والكاتب النمساوي ماركوس شلاينتسر، أحد الأسماء التي عملت قرب هانيكه قبل أن تشق طريقها المستقل. وبحسب ما نُقل عنه في تصريحات حديثة، فإن هانيكه متقاعد، ويعيش هذه المرحلة بهدوء ورضا، بعد أن أنجز ما أراده سينمائياً. الفكرة هنا ليست مجرد توقف مؤقت، بل إحساس بنهاية واعية لمسار فني مكتمل.

لماذا خبر الاعتزال مهم لمحبي السينما الجادة؟

بالنسبة لقراء قسم مراجعات الأفلام، لا يتعلق الخبر فقط باسم مخرج كبير، بل بنهاية تجربة تركت بصمة واضحة على شكل الفيلم الأوروبي خلال العقود الثلاثة الأخيرة. هانيكه لم يكن مخرجاً غزير الإنتاج، لكنه كان دقيقاً إلى أقصى حد. أرشيفه في المتحف النمساوي للسينما يصفه كواحد من أبرز المخرجين في السينما العالمية، ويشير إلى أنه نال السعفة الذهبية مرتين عن The White Ribbon عام 2009 وAmour عام 2012، بينما فاز Amour لاحقاً بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم بلغة أجنبية. هذه المحطات وحدها تكفي لشرح مكانته، لكنها لا تختصر تأثيره الحقيقي.

في عالم يفضّل السرعة والوضوح، كان هانيكه يبني أفلامه على التوتر، والفراغ، والصمت، ومسافة باردة بين الكاميرا والمتفرج. تلك البرودة لم تكن نقصاً في المشاعر، بل وسيلة لفضح العنف الكامن داخل العائلة والطبقة الوسطى والمجتمع الأوروبي نفسه. لهذا بقيت أفلامه حاضرة في النقاشات السينمائية حتى عندما توقف عن العمل.

من Amour إلى Happy End: ختام يبدو منسجماً مع مسيرته

آخر أفلام هانيكه الروائية الطويلة كان Happy End، الذي شارك في المسابقة الرسمية لمهرجان كان 2017. موقع المهرجان يثبت أن الفيلم عُرض ضمن الاختيار الرسمي في ذلك العام، كما يوضح أن العمل أعاد هانيكه إلى المسابقة بعد خمس سنوات من Amour. الفيلم ضم إيزابيل أوبير في واحد من تكرارات تعاونها المهمة معه، إلى جانب جان-لوي ترنتينيان، وواصل تفكيك العائلة البرجوازية بنبرة تجمع بين السخرية السوداء والبرود المقصود.

ومن منظور نقدي، ربما لم يكن Happy End أكثر أفلامه إجماعاً، لكنه يبدو اليوم ختاماً مناسباً لمساره. فالفيلم يلخص تقريباً كل هواجسه: العائلة، الشيخوخة، الشعور بالذنب، العنف المموه، وانفصال الطبقة الميسورة عن العالم المحيط بها. لذلك، حتى لو انقسمت الآراء حوله وقت صدوره، فإن المسافة الزمنية منحت الفيلم قيمة إضافية بوصفه نهاية واعية لا عملاً عابراً.

أفلام صنعت مكانته العالمية

  • Funny Games: واحد من أكثر أفلامه صدمة في تفكيك عنف المشاهدة نفسها.
  • The Piano Teacher: عمل قاسٍ نفسياً رسخ حضوره في مطلع الألفية.
  • Caché: فيلم مراقبة وذنب سياسي ما زال من أكثر أعماله تأثيراً.
  • The White Ribbon: دراما شديدة الانضباط حصدت السعفة الذهبية.
  • Amour: ذروة إنسانية في مسيرته، تُوّجت في كان والأوسكار.

مشروع Kelvin’s Book... المسلسل الذي لم يرَ النور

أحد الأسباب التي جعلت جمهور السينما يترقب عودة هانيكه خلال السنوات الماضية كان مشروعه التلفزيوني الناطق بالإنجليزية Kelvin’s Book. وفي عام 2023، وخلال برنامج خاص في المتحف النمساوي للسينما احتفاءً بمسيرته، تبيّن أن المشروع تعثر ولم يكتمل. كان من المفترض أن يخرج في صيغة مسلسل قصير من تسع حلقات، لكن التأجيلات المرتبطة بجائحة كورونا بددت فرص تنفيذه. وهنا يمكن فهم لماذا بدا الصمت الطويل بعد 2017 أكثر من مجرد استراحة.

من المهم التوقف عند هذه النقطة: هانيكه لم يختفِ لأنه فقد حضوره النقدي، بل لأن مشروع العودة نفسه تعثر. ومع مرور الوقت، تحول التعثر إلى انسحاب هادئ من الصناعة. في حالات كثيرة نسمع عن مخرجين يعلنون الاعتزال ثم يعودون، لكن في حالة هانيكه، غياب المشاريع المعلنة وتوقف التطوير الإنتاجي يمنحان الخبر وزناً أكبر.

إيزابيل أوبير ودوائر التعاون المتكررة

اسم إيزابيل أوبير يظهر دائماً عند الحديث عن عالم هانيكه، لأنها كانت إحدى أهم الممثلات اللاتي عبرن هذا الكون السينمائي الصارم. أوبير ظهرت في أكثر من فيلم له، من بينها The Piano Teacher وTime of the Wolf وAmour وHappy End. هذا التعاون لم يكن مجرد تكرار مهني، بل شراكة فنية بين مخرج يعرف كيف يدفع الممثل إلى أقصى مناطق الهشاشة، وممثلة تمتلك قدرة نادرة على تجسيد ذلك دون افتعال. وبحكم أن أوبير شخصية عامة معروفة دولياً، إلا أنني لم أدرج حساب إنستغرام لها لعدم التحقق من حساب رسمي موثوق يحمل صفة مؤكدة في المصادر التي راجعتها.

كيف سيُقرأ إرث هانيكه اليوم من زاوية المراجعة لا الخبر؟

في السياق المصري والعربي، قد لا يكون هانيكه اسماً جماهيرياً بالمفهوم التجاري، لكنه حاضر بقوة لدى جمهور المهرجانات ونقاد السينما وطلاب المعاهد الفنية. قيمة اعتزاله هنا لا ترتبط بالحنين فقط، بل بإعادة تقييم أفلامه في لحظة تسيطر فيها المنصات والخوارزميات والإيقاع السريع على المشاهدة. أفلامه، على العكس، تطلب صبراً وقلقاً ومشاركة ذهنية كاملة، ولهذا تبقى صالحة لإعادة الاكتشاف.

وإذا كان كثير من المخرجين يُقاسون بعدد الأعمال، فإن هانيكه يُقاس بحدة الأثر. أرشيف المتحف النمساوي للسينما يشير إلى اتساع نشاطه بين السينما والتلفزيون والمسرح، لكن سمعته العالمية تشكلت أساساً من أفلام روائية قليلة نسبياً، شديدة الصرامة، صنعت مدرسة كاملة في التعامل مع الصورة والعنف والصمت. ولهذا تبدو فكرة الاكتفاء بما أنجزه منطقية مع شخص عُرف دائماً بالتحكم الصارم في كل تفصيلة.

الخلاصة: نهاية مخرج كبير... وبداية قراءة جديدة لأفلامه

حتى من دون بيان احتفالي صاخب، تبدو الصورة واضحة: مايكل هانيكه ابتعد عن الإخراج بعد آخر أفلامه Happy End، ومع تعثر Kelvin’s Book وعدم وجود مشاريع جديدة، صار الاعتزال أقرب إلى الحقيقة المؤكدة منه إلى التخمين. وبالنسبة لمحبي السينما الرفيعة، فإن الأهم الآن ليس انتظار فيلم جديد، بل العودة إلى أعماله نفسها لفهم كيف صنع من القسوة أسلوباً، ومن الصمت دراما، ومن برودة الكاميرا مرآة حادة لاضطرابات الإنسان الحديث.

في النهاية، قد يتوقف المخرج عن صناعة الأفلام، لكن الأفلام العظيمة لا تتقاعد. وهذا بالتحديد ما يجعل خبر ابتعاد هانيكه مؤثراً: لأن مسيرته انتهت، بينما أسئلته الفنية لم تنتهِ بعد.