ليزلي مانفيل.. مسيرة ممثلة بريطانية صنعت مجدها بهدوء
نجمة بريطانية صنعت حضورها بعيداً عن الضجيج
في عالم التمثيل، هناك أسماء تفرض نفسها عبر النجومية الصاخبة، وأخرى تبني مكانتها بالتراكم والموهبة والانضباط. ليزلي مانفيل تنتمي بوضوح إلى الفئة الثانية؛ ممثلة بريطانية لم تعتمد يوماً على الإثارة الإعلامية بقدر ما اعتمدت على تاريخ طويل من الأدوار المركبة فوق خشبة المسرح وأمام الكاميرا. ومع تجدد الحديث عنها في الصحافة الفنية البريطانية بعد استعادتها ذكريات طريفة من بداياتها، عاد الاهتمام أيضاً بمسيرة فنية تمتد منذ السبعينيات وحتى اليوم.
وللقارئ في مصر، تبدو قصة مانفيل مثالاً كلاسيكياً على الممثلة التي انتقلت من التلفزيون الشعبي إلى السينما الرفيعة، ثم إلى أعمال المنصات العالمية، من دون أن تفقد احترام النقاد أو جمهور المسرح. هذا النوع من المسارات يهم متابعي الدراما والسينما في المنطقة العربية، خصوصاً مع اتساع حضور الإنتاجات البريطانية على الشاشات العربية وخدمات البث.
من Emmerdale إلى الشاشة الكبيرة
وُلدت ليزلي آن مانفيل في 12 مارس 1956 بمدينة برايتون الإنجليزية، ودرست في Italia Conti Academy of Theatre Arts، إحدى المؤسسات المعروفة في تدريب الممثلين ببريطانيا. ووفق سيرتها المهنية الموثقة، بدأت نشاطها الفني مبكراً، ثم ظهرت في الدراما التلفزيونية Emmerdale Farm بين عامي 1975 و1976، وشاركت في نحو 80 حلقة، وهي محطة وفرت لها انطلاقة مهنية حقيقية في التلفزيون البريطاني.
لكن الأهم في مسيرتها لم يكن البقاء داخل إطار المسلسلات اليومية، بل الانتقال التدريجي إلى أدوار أكثر ثراءً. على المسرح، بنت مانفيل سمعتها داخل مؤسسات بارزة مثل Royal Court Theatre وRoyal Shakespeare Company، وهو ما منحها قاعدة فنية صلبة انعكست لاحقاً على اختياراتها السينمائية.
شراكة مهمة مع مايك لي
واحدة من أكثر المحطات تأثيراً في مسيرتها كانت تعاونها الممتد مع المخرج البريطاني مايك لي، إذ شاركت في ثمانية من أفلامه، بينها High Hopes وSecrets & Lies وVera Drake وAnother Year وMr. Turner. هذه الشراكة لم تكن عابرة؛ فقد أسهمت في تثبيت صورة مانفيل كممثلة قادرة على أداء الشخصيات الإنسانية المعقدة، بعيداً عن الأداء المبالغ فيه أو التجاري.
فيلم Another Year الصادر عام 2010 كان من أبرز محطاتها النقدية، ونالت عنه تقديراً واسعاً وعدة ترشيحات وجوائز في دوائر النقد السينمائي، ما مهّد فعلياً لمرحلة أكثر حضوراً على المستوى الدولي.
اللحظة الفارقة: Phantom Thread
إذا كان لكل ممثل عمل يبدّل موقعه في الخريطة العالمية، فإن هذا العمل بالنسبة إلى ليزلي مانفيل كان Phantom Thread للمخرج بول توماس أندرسون، الذي عُرض في 2017. في الفيلم، وقفت أمام دانيال داي-لويس في عمل جمع بين الرومانسية والدراما النفسية وصناعة الأزياء الراقية في لندن الخمسينيات.
أداء مانفيل في دور Cyril لم يكن صاخباً، لكنه كان شديد الدقة والحسم، وهو ما أهلها لأول ترشيح أوسكار في مسيرتها ضمن فئة أفضل ممثلة مساعدة. كما نالت عن الدور ترشيحاً لجوائز BAFTA في الفئة نفسها. وبالنسبة لمتابعي السينما في مصر والعالم العربي، يظل هذا الفيلم من الأعمال التي تكشف كيف يمكن لشخصية مساندة أن تترك أثراً لا يقل عن البطولة المطلقة.
اللافت أن Phantom Thread نفسه حصد ستة ترشيحات لجوائز الأوسكار، بينما ظهر اسم مانفيل بين أبرز عناصر قوته التمثيلية، في لحظة أكدت انتقالها من ممثلة ذات تقدير بريطاني راسخ إلى اسم ذي ثقل عالمي.
حضور متجدد على المنصات: The Crown
في السنوات الأخيرة، عرفها قطاع كبير من الجمهور العربي بشكل أوسع من خلال مسلسل The Crown على نتفليكس، حيث قدمت شخصية الأميرة مارغريت في الموسمين الخامس والسادس. وقدمت مانفيل الشخصية في مرحلة عمرية شديدة الحساسية، تجمع بين التراجع الصحي والمرارة الشخصية والإرث الملكي الثقيل.
نتفليكس أكدت عند طرح الموسم الخامس انضمام مانفيل إلى فريق العمل في دور الأميرة مارغريت، ثم عادت في الموسم السادس لاستكمال الشخصية. هذا الأداء منحها أيضاً ترشيحاً لجائزة Primetime Emmy عن فئة أفضل ممثلة مساعدة في مسلسل درامي، ما يوضح أن حضورها التلفزيوني لم يكن مجرد استثمار لاسم قديم، بل امتداداً طبيعياً لقوة أدائها.
ومن زاوية تهم جمهور المنطقة، فإن The Crown ليس مجرد مسلسل عن العائلة الملكية البريطانية، بل نموذج على الأعمال التاريخية التي تحوّل الشخصيات العامة إلى دراما معاصرة قابلة للتصدير عالمياً، وهو ما يفسر شعبيته الكبيرة لدى المشاهد العربي أيضاً.
نجاح مسرحي لا يقل أهمية عن السينما
رغم أن كثيرين يعرفون مانفيل من السينما والتلفزيون، فإن مكانتها الحقيقية داخل بريطانيا ترتبط أيضاً بالمسرح. فقد فازت بجائزتي Laurence Olivier Award، إحداهما عن Ghosts عام 2014، ثم عادت لتحصد الجائزة نفسها عن Oedipus في 2025. وفي 2026، فازت بجائزة Tony Award لأفضل ممثلة في مسرحية بعد تقديم العمل نفسه على برودواي.
هذه السلسلة من الجوائز تكشف أن مانفيل ليست مجرد ممثلة ناجحة على الشاشة، بل فنانة كاملة الأدوات قادرة على الانتقال بين وسيط وآخر من دون أن تفقد مستواها. وفي السياق الثقافي العربي، يمكن النظر إلى تجربتها بوصفها تذكيراً بأهمية المسرح كقاعدة لصناعة ممثلين يملكون العمق لا السرعة فقط.
لماذا تستحق كل هذا التقدير؟
ما يميز ليزلي مانفيل ليس فقط تنوع أعمالها، بل قدرتها على جعل الأداء الهادئ حدثاً بحد ذاته. فهي لا تعتمد على الانفجارات العاطفية أو المبالغة، بل على تفاصيل الصوت والنظرة والإيقاع الداخلي للشخصية. وهذا ما جعلها حاضرة في أفلام جماهيرية أيضاً مثل Maleficent وMaleficent: Mistress of Evil، من دون أن تتخلى عن خطها الفني الأكثر جدية.
كما أن مسيرتها تقدم درساً مهماً في الاستمرارية: ممثلة بدأت مهنياً منذ أوائل السبعينيات، وما زالت حتى 2026 تحصد الجوائز الكبرى وتنافس على أهم الأدوار. هذا النوع من الاستدامة نادر في صناعة تتغير بسرعة وتستهلك النجوم بوتيرة قاسية.
قراءة أخيرة للقارئ المصري
بالنسبة لجمهور الفن في مصر، قد لا تكون ليزلي مانفيل من الأسماء الجماهيرية بالمعنى التجاري الواسع، لكنها بالتأكيد من الوجوه التي يعرفها عشاق الأداء الحقيقي. هي ممثلة تمثل المدرسة البريطانية في أنضج صورها: تدريب مسرحي، صبر مهني، اختيارات ذكية، وقدرة على التطور مع الزمن.
ومع صعود المنصات وتزايد اهتمام الجمهور العربي بالأعمال البريطانية، تبدو متابعة مسيرتها اليوم أكثر منطقية من أي وقت مضى. فمن Emmerdale إلى Phantom Thread وThe Crown، ظلت ليزلي مانفيل مثالاً على أن الموهبة الصلبة قد تتأخر في خطف الأضواء، لكنها حين تصل تترك أثراً يصعب تجاهله.
- الاسم الكامل: ليزلي آن مانفيل
- تاريخ الميلاد: 12 مارس 1956
- أبرز ترشيح سينمائي: الأوسكار عن Phantom Thread
- أبرز حضور تلفزيوني حديث: The Crown
- أبرز إنجاز مسرحي حديث: جائزتا Olivier ثم Tony عن Oedipus