لماذا يعود «صائد الدبابات» الآن بقيمة خاصة للسينما المصرية؟
عودة «صائد الدبابات» يوم 14 أكتوبر: أكثر من مجرد عرض تذكاري
حين أعلن المركز القومي للسينما عن برنامج احتفالاته بذكرى انتصارات أكتوبر 2026، بدا واضحًا أن عرض النسخة المرممة من فيلم «صائد الدبابات» يوم 14 أكتوبر 2026 ليس تفصيلًا عابرًا داخل برنامج احتفالي، بل اختيارًا يحمل دلالة ثقافية وسينمائية معًا. فبحسب ما نشرته بوابة الأهرام، يتضمن البرنامج عرض الفيلم للمخرج خيري بشارة إلى جانب فيلم «تحية لمقاتل مصري»، كما يمتد حضور الفيلم إلى فعاليات أخرى في بني سويف وجامعة بدر خلال الشهر نفسه. هذا الانتشار داخل البرنامج نفسه يقول إن الفيلم لا يُستعاد كأثر أرشيفي فقط، بل كعمل ما زال صالحًا للحوار مع جمهور جديد في مصر اليوم.
قيمة هذه العودة تبدأ من التوقيت نفسه. نحن لا نتحدث عن عرض كلاسيكي معزول، بل عن عودة فيلم مرتبط مباشرة بذاكرة أكتوبر داخل مناسبة وطنية سنوية، وفي لحظة تتزايد فيها أهمية ترميم التراث السينمائي المصري وإتاحته للأجيال التي لم تعش زمن إنتاجه، ولا حتى زمن تداوله التلفزيوني المحدود.
فيلم مبكر في مسيرة خيري بشارة.. وبداية كاشفة
يحتل «صائد الدبابات» مكانة خاصة داخل سيرة خيري بشارة، لأنه من أعماله التسجيلية المبكرة التي سبقت شهرته الأوسع في السينما الروائية. وتؤكد الهيئة العامة للاستعلامات أن بشارة، بعد عودته من بولندا، عمل في السينما التسجيلية وأخرج أفلامًا مهمة من بينها «صائد الدبابات» عام 1974 و«طبيب في الأرياف» و«طائر النورس». هذه النقطة وحدها تجعل مشاهدة الفيلم اليوم مهمة لفهم الجذور الحقيقية لأسلوب مخرج أصبح لاحقًا أحد أبرز أسماء الواقعية الجديدة في السينما المصرية.
المهم هنا أن الفيلم لا يُعامل فقط كوثيقة حرب، بل أيضًا كبروفة مبكرة على عين خيري بشارة السينمائية: الاقتراب من الناس، الإصغاء للتفاصيل اليومية، والانحياز إلى الصدق البصري بدل الخطابة. حتى عندما يتعامل مع موضوع بطولي ووطني بامتياز، لا يذوب تمامًا في الشعارات، بل يلتقط الإنسان داخل الحدث الكبير. ولهذا يبدو عرض الفيلم اليوم فرصة نادرة لاكتشاف كيف تشكلت لغة بشارة قبل «الطوق والأسورة» و«يوم مر.. يوم حلو» و«آيس كريم في جليم».
من هو «صائد الدبابات» الذي يوثقه الفيلم؟
الفيلم يدور حول محمد عبد العاطي عطية شرف، أحد أشهر أبطال حرب أكتوبر، والذي ارتبط اسمه بلقب «صائد الدبابات». وتجمع أكثر من مادة صحفية موثقة على أن عبد العاطي دمّر 23 دبابة إسرائيلية خلال الحرب، وهو الرقم الذي جعل اسمه حاضرًا في الذاكرة الشعبية والعسكرية معًا. كما تشير تقارير صحفية مصرية وعربية إلى أنه صار من أشهر رموز سلاح الصواريخ المضادة للدبابات في الحرب، وأن خيري بشارة وثق تجربته في هذا الفيلم المبكر.
هنا تنبع فرادة الفيلم: هو لا يستعيد بطلاً من خلال دراما تمثيلية لاحقة، بل يقترب من شخصية حقيقية ما تزال حرارة التجربة ظاهرة في كلامها وملامحها وحضورها أمام الكاميرا. لهذا تبدو مشاهدة «صائد الدبابات» اليوم مختلفة عن مشاهدة فيلم روائي عن أكتوبر؛ إنها مواجهة مباشرة مع الذاكرة حين كانت أقرب زمنيًا إلى الحدث نفسه.
لماذا يملك العرض الآن قيمة خاصة لجمهور السينما المصرية؟
1) لأنه يعيد الاعتبار للسينما التسجيلية المصرية
جزء كبير من جمهور اليوم يعرف خيري بشارة بوصفه مخرجًا روائيًا مهمًا، لكنه لا يعرف بالقدر نفسه مساره التسجيلي. عرض «صائد الدبابات» مرممًا يعيد التذكير بأن السينما التسجيلية المصرية ليست هامشًا تابعًا، بل جزء أصيل من تاريخ الصورة في مصر. ومن المهم أن تأتي هذه العودة عبر المركز القومي للسينما، المؤسسة المعنية أصلًا بحفظ هذا التراث وإحيائه.
2) لأنه يربط بين الذاكرة الوطنية والذاكرة السينمائية
في كثير من الأحيان، تُستعاد أفلام أكتوبر داخل إطار المناسبة الوطنية فقط. لكن «صائد الدبابات» يضيف بعدًا آخر: كيف سجّلت السينما المصرية لحظة الحرب، وكيف صنعت من الأبطال الحقيقيين مادة بصرية باقية. لذلك فالعرض هنا لا ينعش ذكرى النصر وحدها، بل ينعش أيضًا سؤالًا مهمًا: كيف نحفظ صورنا نحن؟
3) لأن الترميم نفسه جزء من المعنى
حين يعود فيلم من عام 1974 بنسخة مرممة، فالقيمة لا تكمن في المحتوى فقط، بل في الفعل الثقافي نفسه. ترميم الفيلم يعني إنقاذه من التلف، وإعادة تقديمه بصورة تليق بأهميته، ومنحه فرصة حياة جديدة خارج الأرشيف المغلق. وكانت أعمال تسجيلية أخرى لخيري بشارة قد عُرضت سابقًا بعد ترميمها، بينها «طبيب في الأرياف» و«طائر النورس»، وهو ما يؤكد أن هناك مسارًا واعيًا لاستعادة هذه البدايات وإتاحتها للجمهور.
4) لأنه يخاطب جيلًا جديدًا لم يعش زمن الحرب ولا زمن العرض الأول
أحد أكثر الجوانب أهمية في عرض الفيلم يوم 14 أكتوبر هو أنه يأتي في سياق واضح لتعريف الأجيال الجديدة بقيمة حرب أكتوبر من خلال السينما. وهذا المعنى حاضر صراحة في برنامج المركز القومي للسينما، الذي وسّع العروض لتشمل محافظات وجامعة بدر. بالنسبة لجمهور شاب اعتاد الصورة الرقمية السريعة، فإن مشاهدة فيلم تسجيلي مصري قديم بعد ترميمه قد تكون تجربة كاشفة: كيف كانت الكاميرا المصرية ترى البطولة؟ وكيف كان الوثائقي يصنع تأثيره دون مؤثرات ضخمة أو إيقاع استهلاكي؟
خيري بشارة بين التاريخ الشخصي والتاريخ العام
استعادة «صائد الدبابات» الآن تمنح أيضًا زاوية جديدة لقراءة اسم خيري بشارة نفسه. فالمخرج، بحسب مواد تعريفية رسمية وصحفية، بدأ مشواره من التسجيل قبل أن يصبح أحد وجوه السينما المصرية الأكثر تميزًا. معنى ذلك أن العودة إلى هذا الفيلم ليست فقط عودة إلى أكتوبر، بل عودة إلى نقطة التكوين في تجربة مخرج كبير من مخرجي مصر.
وهذا مهم لجمهور السينما المصرية لأن فهم المسارات الفنية لا يقل أهمية عن الاحتفاء بالأفلام الشهيرة وحدها. عندما نشاهد البدايات، نفهم كيف تتكون الحساسية الجمالية، وكيف تتطور العلاقة بين المخرج والواقع، وبين الكاميرا والتاريخ.
ما الذي يجعل هذه العودة ضرورية لا احتفالية فقط؟
- لأن الفيلم وثيقة مصرية عن بطل مصري حقيقي من أبطال أكتوبر.
- لأن النسخة المرممة تعيد العمل إلى المجال العام بعد عقود من محدودية المشاهدة.
- لأنها فرصة تعليمية لفهم شكل السينما التسجيلية في السبعينيات.
- ولأنها تضع التراث في الحاضر بدل أن تتركه حبيس المناسبات أو الأرشيف.
في النهاية: لماذا يجب الانتباه إلى عرض 14 أكتوبر؟
لأن «صائد الدبابات» ليس مجرد فيلم عن بطل حربي، ولا مجرد عنوان مبكر في فيلموجرافيا خيري بشارة. إنه نقطة التقاء نادرة بين الذاكرة الوطنية والذاكرة السينمائية. وفي وقت تتجدد فيه الأسئلة حول حفظ التراث المصري وإتاحته، يبدو عرض الفيلم يوم 14 أكتوبر 2026 ضمن احتفالات المركز القومي للسينما خطوة ذات معنى يتجاوز طابع المناسبة.
بالنسبة لجمهور السينما المصرية، القيمة الخاصة هنا واضحة: أن ترى فيلمًا وُلد من قلب لحظة مصرية حاسمة، ثم يعود بعد ترميمه ليُشاهد من جديد بعين الحاضر. هذا وحده كافٍ ليجعل من عرض «صائد الدبابات» حدثًا يستحق المتابعة، لا بوصفه حنينًا إلى الماضي فقط، بل بوصفه تذكيرًا بأن السينما المصرية تعرف كيف تحتفظ بذاكرتها عندما تقرر أن تعيد فتحها.