Egypt Box Office

لماذا يستحق «4 أيام مجيدة» إعادة القراءة اليوم؟

عودة فيلم إلى الواجهة في توقيت له دلالته

يتجدد اليوم الأربعاء 15 يوليو الاهتمام بالفيلم الوثائقي المصري «4 أيام مجيدة» للمخرج صلاح التهامي، بالتزامن مع عرضه المجاني في مركز الثقافة السينمائية التابع للمركز القومي للسينما، في 36 شارع شريف بوسط البلد، عند الساعة السابعة مساءً، ضمن فعاليات وزارة الثقافة المرتبطة باحتفالات ذكرى ثورة 23 يوليو. الإعلان الرسمي عن الفعالية شدد على أن الدعوة عامة وأن الحضور مجاني، وهو ما يمنح جمهورًا جديدًا فرصة مشاهدة عمل نادر لا يُستعاد كثيرًا بالقدر الذي يستحقه.

لكن أهمية المناسبة لا تتوقف عند «عرض مجاني» لفيلم تراثي، بل تمتد إلى سؤال أوسع: لماذا يجب أن نعيد قراءة هذا الفيلم الآن؟ الإجابة تبدأ من طبيعة ما يسجله الفيلم نفسه؛ فهو ليس مجرد مادة أرشيفية عن السد العالي، بل قطعة من الذاكرة البصرية المصرية توثق لحظة شديدة الندرة: تحويل مجرى نهر النيل أثناء بناء السد العالي.

فيلم يسجل لحظة لا تقبل الإعادة

ما يجعل «4 أيام مجيدة» مختلفًا عن كثير من الأفلام التسجيلية عن المشروعات القومية هو أن موضوعه ليس الشرح من بعيد، بل التقاط الحدث وهو يقع. الأخبار المنشورة عن عرض الفيلم هذا الأسبوع وصفت العمل بأنه يوثق لقطات تاريخية حية للحظة تغيير مجرى النيل خلال بناء السد العالي، كما أشارت إلى أن هذه المشاهد جرى تصويرها بعد استعدادات استمرت 12 يومًا لأن اللحظة نفسها لم تكن تحتمل إعادة التصوير.

هنا تحديدًا تظهر قيمة صلاح التهامي، أحد رواد السينما التسجيلية المصرية، الذي يُستعاد اسمه كلما جرى الحديث عن الأفلام المرتبطة بالسد العالي. في شهادات ومواد نقدية سابقة عن الفيلم، يظهر التهامي بوصفه من المخرجين الذين اقتربوا من موقع العمل نفسه، لا من رمزيته فقط، لذلك خرج الفيلم كأنه يوميات بصرية لذروة من ذرى المشروع القومي المصري في الستينيات.

ما الذي كان يحدث في تلك الأيام الأربعة؟

لفهم قوة الفيلم، يجب وضعه داخل السياق التاريخي الدقيق. وفق بيانات وزارة الموارد المائية والري، بدأ تنفيذ المرحلة الأولى من السد العالي في 9 يناير 1960، وشملت حفر قناة التحويل والأنفاق وتبطينها بالخرسانة المسلحة وصب أساسات محطة الكهرباء وبناء جسم السد حتى منسوب 130 مترًا. ثم جاء التحول الفارق في منتصف مايو 1964، حين جرى تحويل مياه النهر إلى قناة التحويل والأنفاق وإقفال مجرى النيل وبدأ تخزين المياه بالبحيرة.

وفي مادة توثيقية منشورة عبر بوابة محافظة القاهرة عن المناسبة نفسها، يرد أن 14 مايو 1964 شهد تحويل مجرى النيل لأول مرة إيذانًا بانتهاء المرحلة الأولى من بناء السد، وأن المياه مرت إلى القناة الأمامية للسد بطول 1950 مترًا عبر 6 أنفاق رئيسية، طول كل منها 282 مترًا وقطره 15 مترًا. هذه الأرقام ليست تفصيلًا هندسيًا فقط؛ إنها المفتاح الذي يفسر لماذا بدا الحدث في الفيلم أشبه بلحظة تاريخية مشدودة الأعصاب.

إذن فالعنوان «4 أيام مجيدة» لا يعمل هنا كشعار إنشائي، بل يحيل إلى أيام حاسمة انتقلت فيها مصر من مرحلة الإنشاء إلى لحظة فرض السيطرة الفعلية على مجرى النهر وبدء التخزين، أي إلى النقطة التي صار فيها السد العالي واقعًا ماديًا لا مجرد مشروع على الورق.

لماذا تبدو إعادة مشاهدة الفيلم مهمة اليوم؟

1) لأنه يحفظ الذاكرة العمالية والإنسانية للمشروع

الحديث العام عن السد العالي غالبًا ما يختصره في أرقام الإنجاز، بينما تتيح الأفلام التسجيلية مثل «4 أيام مجيدة» رؤية الجانب الإنساني: العمال، المهندسين، الأنفاق، الترقب، والخطر الملازم للعمل في موقع بهذا الحجم. في استعادة صحفية قديمة للفيلم، جرى وصفه بوصفه رصدًا لأصعب مراحل المشروع، خصوصًا العمل داخل الأنفاق. هذه الزاوية تمنح الفيلم قيمة مضاعفة؛ فهو لا يوثق منشأة فقط، بل يوثق الجهد البشري المصري الذي صنعها.

2) لأنه يعيد وصل السينما بتاريخ الدولة الحديثة

ثمة أفلام تُشاهد بوصفها أعمالًا فنية مستقلة، وأخرى تُشاهد أيضًا بوصفها وثائق عن كيفية نظر الدولة والمجتمع إلى أنفسهما في لحظة معينة. «4 أيام مجيدة» ينتمي بوضوح إلى النوع الثاني. فالفيلم يربط بين ثورة يوليو وبين أحد أبرز مشروعاتها التنموية، أي أن مشاهدته الآن تفتح الباب لقراءة كيف كانت السينما التسجيلية المصرية تساهم في صناعة الوعي العام، لا باعتبارها أداة دعاية فحسب، بل أيضًا باعتبارها وسيلة لحفظ ذاكرة الإنجاز الوطني بالصوت والصورة.

3) لأنه يكتسب معنى جديدًا في عصر الصورة السريعة

في زمن تهيمن فيه المقاطع القصيرة والسرد السريع، تبدو العودة إلى فيلم تسجيلي من إنتاج 1964 فعلًا ثقافيًا مهمًا. ليس فقط لأن الصورة أبطأ، بل لأن الفيلم يحمل معنى الشهادة: كاميرا موجودة في المكان قبل أن يصبح الحدث خبرًا مكتملًا في الكتب المدرسية. من هنا تأتي راهنيته؛ فهو يذكّر بأن أرشيفنا السمعي البصري ليس مادة متحفية جامدة، بل طريقة لفهم كيف تشكلت مصر الحديثة على الأرض.

السد العالي نفسه.. لماذا يبقى موضوعًا حيًا؟

إعادة قراءة الفيلم تكتسب قوتها أيضًا من بقاء السد العالي نفسه حاضرًا في الوعي المصري. ووفق بيانات وزارة الموارد المائية والري، يبلغ طول السد عند القمة 3830 مترًا، وارتفاعه 111 مترًا فوق منسوب قاع النيل، وعرضه عند القمة 40 مترًا. كما تؤكد الوزارة أن السد ساهم في حماية مصر من أخطار الجفاف والفيضانات، وأن محطة الكهرباء تنتج طاقة تصل إلى 10 مليارات كيلووات/ساعة سنويًا.

هذه الحقائق تجعل الفيلم أكثر من مجرد وثائقي عن الماضي؛ إنه باب لفهم الحاضر أيضًا. فحين يشاهد المتفرج لقطات تحويل مجرى النيل، فهو لا يرى فقط لحظة هندسية معقدة، بل يرى أصل منظومة مائية وكهربائية وزراعية ظلت لعقود جزءًا أساسيًا من بنية الدولة المصرية.

من العرض الاحتفالي إلى إعادة الاعتبار

من المهم أن عرض اليوم لا يأتي منفصلًا عن سياسة أوسع لاستعادة كنوز التراث السينمائي المصري. التصريحات المصاحبة للفعالية شددت على رغبة المركز القومي للسينما في تعريف الأجيال الجديدة بأحداث لم تعشها لكنها صنعت تاريخ البلد. وهذا بالضبط ما يحتاجه «4 أيام مجيدة»: ألا يُتعامل معه كفقرة مرافقة لاحتفال رسمي، بل كعمل يجب أن يدخل مجددًا إلى النقاش حول أفضل ما أنجزته السينما التسجيلية المصرية.

  • موعد العرض: الأربعاء 15 يوليو 2026
  • الساعة: 7 مساءً
  • المكان: مركز الثقافة السينمائية، 36 شارع شريف، وسط البلد
  • الدخول: مجاني للجمهور
  • الفيلم: «4 أيام مجيدة»
  • الإخراج: صلاح التهامي

الخلاصة

يستحق «4 أيام مجيدة» إعادة القراءة الآن لأنه واحد من تلك الأعمال التي يتقاطع فيها الفن مع الوثيقة، والسينما مع التاريخ، واللحظة العابرة مع الذاكرة الوطنية. عرضه المجاني اليوم ليس مجرد مناسبة ثقافية في وسط البلد، بل فرصة نادرة لمشاهدة فيلم يحتفظ بصورة مصر وهي تعيد تشكيل علاقتها بالنيل، وتكتب أحد أكثر فصولها طموحًا في القرن العشرين. لهذا السبب، لا يبدو الفيلم قديمًا على الإطلاق؛ بل يبدو، أكثر من أي وقت، مادة حية لفهم السد العالي، وفهم ما تعنيه الذاكرة حين تتحول إلى صورة.