لماذا يستحق «تروما» المتابعة في مهرجان الغردقة؟
«تروما» في توقيت مهم داخل مهرجان يراهن على الأصوات الجديدة
مع انطلاق الدورة الرابعة من مهرجان الغردقة لسينما الشباب يوم الخميس 10 سبتمبر واستمرارها حتى 15 سبتمبر، تتجه الأنظار إلى المسابقة الرسمية للأفلام الطويلة التي تضم 9 أفلام من دول عربية وأجنبية، من بينها الفيلم المصري «تروما» للمخرج حاتم قناوي. وبالنسبة لمتابعي السينما المصرية، فإن حضور فيلم مصري مستقل داخل هذه المسابقة يمنحه قيمة إضافية، خصوصًا أن المهرجان نفسه تأسس على فكرة إتاحة مساحة حقيقية للمواهب الشابة وصناع الأفلام الصاعدين في مصر وخارجها.
المهرجان يقام هذا العام في قصر ثقافة الغردقة، الذي يستضيف حفلي الافتتاح والختام وعروض الأفلام والورش والندوات، وهو ما يمنح الدورة الرابعة طابعًا مؤسسيًا أوضح على مستوى البنية الثقافية المستضيفة للفعاليات. كما أعلن الموقع الرسمي للمهرجان أن الدورة الجديدة تبدأ في 10 سبتمبر، بينما أكدت تغطيات صحفية مصرية أن حفل الافتتاح يقام مساء اليوم نفسه في الغردقة، بما يعزز حضور الحدث على خريطة المهرجانات المحلية المهتمة بجيل جديد من صناع السينما.
لماذا يلفت «تروما» الانتباه داخل المسابقة الرسمية؟
السبب الأول أن الفيلم لا يدخل المسابقة باعتباره مشاركة مصرية عادية، بل باعتباره عرضًا عالميًا أول أمام الجمهور، وهي نقطة تمنح أي فيلم زخمًا خاصًا داخل المهرجانات. عندما يبدأ فيلم رحلته الجماهيرية والنقدية من مهرجان مصري، فإن ذلك يفتح الباب أمام قراءة أولى لتجربته من داخل السياق المحلي الذي خرج منه، لا من خارجه فقط.
السبب الثاني يرتبط بطبيعة الفيلم نفسه. المصادر التي أعلنت اختياره للمشاركة تصفه بأنه فيلم روائي طويل مستقل ينتمي إلى الدراما النفسية والإنسانية. هذه النوعية ليست الأكثر سهولة على مستوى التلقي، لكنها غالبًا الأكثر قدرة على ترك أثر إذا نجحت في بناء شخصياتها وعالمها الداخلي. الحديث هنا ليس عن فيلم تجاري يراهن على الإيقاع السريع أو الأسماء اللامعة فقط، بل عن مشروع يبدو منحازًا إلى التوتر النفسي والصراع الإنساني بوصفهما مركز الحكاية.
امتداد مشروع بدأ من فيلم قصير
من أهم العناصر التي تجعل «تروما» جديرًا بالمتابعة أنه لا يأتي من فراغ. فبحسب ما نُشر عن الفيلم، فإن العمل الطويل يمثل امتدادًا لتجربة سابقة لصنّاعه عبر فيلم قصير حمل الاسم نفسه. ذلك الفيلم تناول صراعات نفسية وعائلية عميقة ناتجة عن العنف الأسري والتربية الخاطئة، وحقق تفاعلًا وقت عرضه. هذه المعلومة وحدها مهمة، لأنها تشير إلى أن النسخة الطويلة ليست مجرد عنوان جديد، بل تطوير درامي وفكري لمادة كان أصحابها اختبروها سابقًا وقرروا توسيعها سينمائيًا.
في سوق سينمائي يميل أحيانًا إلى الأفكار السريعة أو المشاريع التي تُبنى على جاذبية الفكرة المختصرة، يبدو مثيرًا للاهتمام أن نرى صناع فيلم يواصلون الاشتغال على موضوع نفسي واجتماعي ثقيل نسبيًا، ويحاولون نقله من مساحة الفيلم القصير إلى بناء روائي طويل. هذا الانتقال يطرح بدوره سؤالًا نقديًا مهمًا: هل استطاع «تروما» أن يحول الفكرة من حالة مكثفة إلى عالم درامي متكامل؟ وهذا أحد الأسباب الجوهرية لمتابعته داخل المهرجان.
أسماء فريق العمل تمنح الفيلم ملامح أوضح
الفيلم من إخراج حاتم قناوي، بينما نسبت بعض التغطيات التأليف إلى عمر محمد رياض، في حين ذكرت أخرى أن الفيلم من تأليف وإخراج حاتم قناوي؛ لذا فإن الثابت المؤكد عبر أكثر من مصدر هو قيادة قناوي للمشروع إخراجيًا، مع حضور عمر محمد رياض في صدارة العمل تمثيلًا بوصفه أحد أبطاله الأساسيين. ويشارك في البطولة أيضًا منصور أمين وفاطمة محمد علي. كما ورد اسم علي النجار في المونتاج والجرافيك.
هذه التفاصيل مهمة لأن الفيلم، كما يبدو من المعلومات المتاحة، قائم على جهد مستقل أكثر من اعتماده على ماكينة إنتاجية ضخمة. وفي حالات كهذه، يصبح تماسك الفريق عنصرًا حاسمًا: كتابة قادرة على الإمساك بخيط الحالة النفسية، وإخراج يحافظ على الإيقاع، وأداء تمثيلي يستطيع نقل ما هو مسكوت عنه بقدر ما ينقل ما يُقال صراحة.
رهان الدراما النفسية في السينما المصرية
ما يجعل «تروما» ملفتًا أيضًا أنه يتحرك داخل مساحة ليست مزدحمة كثيرًا في الأفلام المصرية المستقلة: مساحة الدراما النفسية المتصلة بجراح الطفولة والعلاقات العائلية المعطوبة. هذا النوع من الموضوعات يحتاج حساسية عالية في المعالجة، لأن أي مباشرة زائدة قد تحوله إلى خطاب توعوي، وأي غموض مفتعل قد يبعده عن المتفرج. لذلك فإن مجرد اختيار هذه المنطقة الدرامية يعد مؤشرًا على طموح فني يستحق الاختبار النقدي.
ومن زاوية مصرية محلية، فإن القضايا التي يلامسها الفيلم، مثل أثر العنف الأسري والتنشئة المضطربة، ليست بعيدة عن الواقع الاجتماعي أو عن النقاشات الثقافية الدائرة حول الصحة النفسية والندوب غير المرئية التي تتركها البيوت المختلة. وهنا بالتحديد يمكن للفيلم أن يكتسب أهمية تتجاوز المهرجان نفسه إذا نجح في ترجمة هذه الثيمات إلى شخصيات مقنعة وسرد متماسك.
موقعه داخل مسابقة تضم منافسة دولية
المسابقة الرسمية للأفلام الطويلة في الدورة الرابعة لا تضم «تروما» وحده، بل تجمعه مع أفلام من دول متعددة، منها الجزائر والهند والبرازيل، بحسب الإعلان الرسمي للمهرجان. وجود الفيلم المصري ضمن هذا التشكيل الدولي يمنح مشاركته وزنًا إضافيًا، لأن المقارنة هنا لن تكون فقط مع أفلام محلية أو عربية، بل مع تجارب مختلفة في الأسلوب والرؤية والإنتاج.
كما أن لجنة تحكيم المسابقة يرأسها الكاتب والممثل والمخرج البريطاني لويد بيترز، وتضم المخرج المصري مجدي أحمد علي والفنانة عبير صبري إلى جانب أسماء عربية ودولية أخرى. هذا التكوين يوحي بأن الأفلام المتنافسة ستُقرأ من أكثر من زاوية: فنية وسردية وتمثيلية وثقافية. وبالنسبة لـ«تروما»، فهذه بيئة مناسبة لفيلم يريد أن يُختبر باعتباره تجربة سينمائية جادة لا مجرد مشاركة عددية.
لماذا قد يهم القارئ المصري متابعة الفيلم الآن؟
- لأنه فيلم مصري داخل مسابقة دولية في مهرجان محلي يتوسع عامًا بعد عام.
- لأنه يبدأ من الغردقة بعرض عالمي أول، ما يجعل متابعة ردود الفعل حوله جزءًا من متابعة ولادة الفيلم نفسها.
- لأنه ينتمي إلى الدراما النفسية، وهي مساحة تستحق الاهتمام عندما تُقدَّم من صناع شباب.
- لأنه امتداد لفيلم قصير سابق، ما يفتح باب المقارنة بين الفكرة الأولى وكيف نضجت في النسخة الطويلة.
- لأن أسماء بطولته وفريقه تشير إلى مشروع مستقل يبحث عن أثر فني واضح أكثر من بحثه عن الضجيج.
الخلاصة
إذا كان مهرجان الغردقة لسينما الشباب يرفع منذ انطلاقه شعار دعم المواهب الجديدة وخلق مساحة لاكتشاف أصوات مختلفة، فإن «تروما» لحاتم قناوي يبدو منطقياً واحدًا من أبرز العناوين المصرية التي تستحق المتابعة في دورة تبدأ يوم 10 سبتمبر. الفيلم يجمع بين عناصر جاذبة نقديًا: عرض عالمي أول، طابع مستقل، رهان على الدراما النفسية، وموضوع اجتماعي حساس مرتبط بالعنف الأسري وآثاره العميقة.
قد لا تكون كل الإجابات متاحة قبل العرض، لكن هذا بالتحديد هو ما يجعل متابعة «تروما» مهمة: أننا أمام فيلم مصري يدخل الامتحان الحقيقي أمام الجمهور ولجنة التحكيم من بوابة مهرجان محلي يزداد حضورًا، وأمام فرصة لرؤية ما إذا كان هذا المشروع المستقل قادرًا على تحويل الألم النفسي إلى سينما تترك أثرًا حقيقيًا في ذاكرة المشاهد.