Egypt Box Office

لماذا يستحق «البرانية» متابعة مصرية بعد اختياره لفينيسيا؟

اختيار فينيسيا يضع «البرانية» مبكرًا على رادار المتابعة المصرية

جاء الإعلان عن اختيار فيلم «البرانية» للمخرجة أشجان الهمص ضمن برنامج «أيام المؤلفين» في الدورة الثالثة والعشرين من البرنامج المصاحب لمهرجان فينيسيا السينمائي الدولي 2026، المقرر إقامتها من 2 إلى 12 سبتمبر 2026. وبحسب المعلومات المنشورة عن البرنامج، فإن الفيلم سيحظى بعرضه العالمي الأول هناك، وهي خطوة ليست رمزية فقط، بل تمنح العمل المصري/العربي حضورًا مبكرًا داخل أحد أهم المسارات المخصصة للسينما المستقلة وصوت المؤلف في أوروبا.

بالنسبة للقارئ المصري، فالمسألة هنا ليست مجرد «مشاركة دولية» بالمعنى الدعائي المعتاد. ما يجعل الخبر مهمًا أن «البرانية» هو أول فيلم روائي طويل لأشجان الهمص، وأنه فيلم ناطق بالعربية وتدور أحداثه في قرية خارج القاهرة، أي أنه ينطلق من بيئة مصرية واضحة، لا من حكاية عابرة للحدود بلا ملامح محلية.

ما الذي نعرفه بالفعل عن قصة الفيلم؟

المتاح رسميًا عن الفيلم يكشف ملامح درامية مشجعة. البطلة هي أمل، امرأة حامل تعيش مع أسرتها في قرية البرانية وسط حقول الياسمين. يتبدل إيقاع حياتهم عندما يعرض مالك أراضٍ شراء أرض العائلة، فتبدأ الضغوط والانقسامات، وتتسع الشكوك حول المستقبل. وفي قلب هذا التحول، تصل رانيا من القاهرة، فتجذب أمل وشقيقاتها الأصغر بأسلوب حياة المدينة: الجينز، وفيديوهات تيك توك، وحكايات القاهرة. هنا يتضح محور الفيلم: ليس الصراع بين الخير والشر، بل بين الجذور والانتقال، وبين الألفة القروية وإغراء المدينة.

هذه التفاصيل مهمة جدًا للمشاهد المصري؛ لأنها تمس أسئلة نعرفها جيدًا: بيع الأرض، ضغط الاقتصاد، جاذبية القاهرة، ومكان المرأة داخل عائلة كبيرة تتغير تحت ضغط السوق. لذلك يبدو «البرانية» منذ الآن فيلمًا معنيًا بتحولات اجتماعية مصرية ملموسة، لا مجرد حكاية محلية تصلح للتصدير المهرجاني.

لماذا يمنح «أيام المؤلفين» الفيلم وزنًا خاصًا؟

برنامج «أيام المؤلفين» تأسس باعتباره قسمًا مستقلاً موازيًا لمهرجان فينيسيا، ويركز على السينما المبتكرة والمستقلة والأعمال التي تتميز بالأصالة والرؤية الفنية الخاصة. وجود «البرانية» داخل هذا السياق يضعه تلقائيًا في خانة الأفلام التي يُنتظر منها صوت إخراجي واضح، لا مجرد حرفة تقنية جيدة.

والمثير للاهتمام أن إدراج الفيلم جاء ضمن الأحداث الخاصة في البرنامج المعلن، لا داخل المسابقة الرئيسية للقسم. قد يبدو ذلك تفصيلاً تنظيميًا، لكنه في حالات كثيرة يمنح الفيلم مساحة مختلفة من التلقي، خصوصًا عندما يكون الرهان على خصوصية العالم الذي يقدمه وقدرته على إثارة النقاش النقدي والإعلامي خارج منطق الجوائز وحده.

أشجان الهمص: صوت جديد لكن ليس بلا تاريخ

متابعة «البرانية» الآن منطقية أيضًا لأن مخرجته لا تبدأ من فراغ. المواد التعريفية الرسمية الخاصة بالفيلم تشير إلى أن أشجان الهمص كتبت خلال دراستها في أكاديمية هولندا للسينما عدداً من الأعمال القصيرة، ثم قدّمت فيلم التخرج Aimée عام 2017. وبعد ذلك عملت على مسلسل Skam NL، وقدمت فيلمها القصير Birdland عام 2020، الذي فاز بـالجائزة الكبرى لمدينة بريست في مهرجان بريست السينمائي. كما أخرجت حلقة Lois Lane من مسلسل Onze Straat.

هذا المسار يهمنا مصريًا لسببين: الأول أن «البرانية» هو قفزة الفيلم الطويل الأول لمخرجة تمتلك أساسًا كتابيًا وإخراجيًا سابقًا، والثاني أن هناك خلفية عابرة للثقافات في تكوينها الفني، بينما يظل موضوع الفيلم نفسه متجذرًا في مصر. هذه المعادلة كثيرًا ما تنتج أفلامًا ترى التفاصيل المحلية بعين قريبة، لكن بوعي بصري وسردي قادر على التواصل عالميًا.

فيلم مصري الروح حتى داخل إنتاج دولي

من النقاط التي تستحق الانتباه أن «البرانية» إنتاجه يحمل طابعًا دوليًا، لكنه لا يفقد هويته المصرية. الفيلم معرّف رسميًا باعتباره إنتاجًا بين هولندا ومصر وبلجيكا والسعودية، ومن إنتاج BALDR Film، مع شراكات إنتاجية تضم Seera Films وCZAR Film. كما حصل على دعم من جهات بينها Netherlands Film Fund وCreative Europe MEDIA وRed Sea Fund.

في السوق المصرية، يثار أحيانًا تحفظ تلقائي تجاه الأفلام المشتركة إنتاجيًا، وكأنها بالضرورة أقل اتصالًا بالواقع المحلي. لكن «البرانية» يبدو حالة مختلفة؛ فالمادة الدرامية مصرية، واللغة عربية، والمكان خارج القاهرة، والملابس من تصميم ندى عادل، كما أن طاقم التمثيل يضم أسماء مرتبطة مباشرة بالعالم الذي يقدمه الفيلم.

ريم عامر وطاقم تمثيل يلفتان النظر

بحسب التفاصيل المنشورة، تقوم ريم عامر بدور أمل، وهي الشخصية المحورية في الحكاية. ويشاركها البطولة فاطمة إبراهيم الهمص، نادية أحمد الحداري، أسماء أحمد الحداري، فريدة السيد الهمص، فاطمة فرحات الحداري، وسارة علي الحداري. هذا التكوين في حد ذاته يوحي بأن الفيلم يراهن على جماعية العائلة بقدر ما يراهن على بطلة مركزية واحدة.

ومن المهم هنا أن القصة، كما عُرضت رسميًا، لا تتعامل مع أمل بصفتها رمزًا تجريديًا، بل امرأة حامل تعيش ضغط الاختيار في لحظة عائلية ومكانية دقيقة. هذا النوع من الكتابة يمنح الممثلة مساحة أداء ثرية، ويجعل من الفيلم مشروع متابعة نقدية قبل عرضه، لا بعده فقط.

لماذا يهم جمهور مصر تحديدًا الآن؟

1) لأنه يعيد الريف والهامش إلى الواجهة

السينما المصرية في السنوات الأخيرة انشغلت كثيرًا بالمدينة، أو قدّمت الريف كخلفية لا كمركز ثقل. «البرانية» يعيد القرية إلى المقدمة، لكن من زاوية معاصرة ترتبط بالأرض والاقتصاد والهجرة الداخلية وصورة القاهرة في خيال الشباب.

2) لأنه يطرح أسئلة نسائية من داخل البيئة نفسها

الفيلم لا يبدو، من ملخصه الرسمي، خطابًا مباشرًا عن «تمكين المرأة»، بل حكاية عن شابة ترى العالم يتسع أمامها في اللحظة نفسها التي يضيق فيها أفق القرية. هذه مقاربة أكثر حساسية وصدقًا، خصوصًا للمشاهد المصري الذي يعرف التعقيد الاجتماعي لهذه التحولات.

3) لأنه مثال على سينما مصرية يمكنها السفر دون أن تتخلى عن خصوصيتها

اللافت في «البرانية» أن عناصره المحلية ليست عائقًا أمام وصوله إلى فينيسيا، بل على الأرجح هي أحد أسباب اختياره. وهذا درس مهم لصناع وجمهور السينما في مصر: الخصوصية ليست نقيض العالمية.

ماذا نترقب قبل سبتمبر 2026؟

حتى الآن، لم تُعلن صفحة الفيلم في «أيام المؤلفين» مواعيد العرض الدقيقة، واكتفت بالإشارة إلى أنها ستكون متاحة لاحقًا. لكن المؤكد أن الأسابيع المقبلة ستشهد اهتمامًا أكبر بالتفاصيل الخاصة باستقبال الفيلم، وربما بصوره ومواده الدعائية الأولى، مع اقتراب انطلاق فينيسيا في سبتمبر.

لهذا، فإن متابعة «البرانية» مصريًا الآن تبدو مستحقة تمامًا: لأنه فيلم طويل أول لمخرجة صاحبة صوت يتشكل بوضوح، ولأنه يضع قرية مصرية خارج القاهرة في قلب حكاية معاصرة عن الأرض والمرأة والمستقبل، ولأن اختياره في «أيام المؤلفين» يضيف إليه ثقلًا نقديًا مبكرًا. باختصار، نحن أمام عمل قد لا يكون مجرد مشاركة مشرفة، بل أحد الأفلام المصرية الجديرة بالرصد منذ لحظة ميلادها الدولية الأولى.