Egypt Box Office

لماذا يراهن الغردقة للشباب على شيري عادل وبدايات كريم؟

قبل 10 سبتمبر: مهرجان يعرف ماذا يريد

حين تنطلق الدورة الرابعة من مهرجان الغردقة لسينما الشباب يوم 10 سبتمبر وتستمر حتى 15 سبتمبر، فإنها لا تقدم مجرد برنامج عروض وفعاليات، بل تطرح تصورًا واضحًا عن معنى أن يكون هناك مهرجان مصري موجه للشباب، يقام في مدينة مثل الغردقة، وتحت رعاية وزارة الثقافة، مع نشاط يجمع بين المسابقات والعروض والورش والحوارات. هذا الإطار العام تعلنه إدارة المهرجان بوضوح على موقعه الرسمي، الذي يحدد موعد الدورة الرابعة من 10 إلى 15 سبتمبر 2026، ويؤكد أن هدفه الأساسي هو نشر الثقافة السينمائية، ودعم الأفلام التي يصنعها الشباب أو تناقش قضاياهم، إلى جانب تقديم تجارب من دول مختلفة.

لكن ما يلفت النظر فعلًا قبل الافتتاح هو طبيعة الرهان البرامجي نفسه: تكريم شيري عادل، مع برنامج استيعادي يعرض البدايات الإخراجية للنجم كريم عبدالعزيز. في الظاهر قد يبدو القرار احتفائيًا فقط، لكنه في العمق يكشف فلسفة مهرجان يحاول أن يقول للشباب المصري: النجومية ليست بعيدة عنكم، والبدايات المتواضعة قد تقود إلى مسارات كبيرة، والسينما ليست فقط نجوم شباك بل أيضًا تاريخ تعلم وتراكم واختيار.

شيري عادل: نموذج مهني يناسب خطاب المهرجان

إعلان تكريم شيري عادل جاء قبل الافتتاح بأيام قليلة، مع تأكيد إدارة المهرجان أن التكريم سيتم في حفل افتتاح الدورة الرابعة يوم 10 سبتمبر. البيانات المنشورة في الصحافة المصرية، ومنها «الأهرام» و«اليوم السابع»، تشير إلى أن رصيدها يضم ما يقرب من 15 فيلمًا سينمائيًا ونحو 40 عملًا دراميًا، إلى جانب مشاركات في المسرح والإذاعة. هذه الأرقام ليست تفصيلًا عابرًا؛ فهي تضع شيري عادل في منطقة وسطى مهمة جدًا بين نجومية الحضور الجماهيري والاستمرارية المهنية الهادئة.

وهذا بالتحديد ما يجعل اختيارها منطقيًا في مهرجان يرفع لافتة الشباب. شيري عادل بدأت مبكرًا، ومرت بتجارب مع أسماء كبيرة في الدراما والسينما المصرية، ثم بنت مسارًا قائمًا على الانتقائية أكثر من الضجيج. إدارة المهرجان نفسها شددت، عبر تصريحات رئيسه السيناريست محمد الباسوسي، على أن تكريمها يأتي بوصفها واحدة من أبرز نجمات جيلها، وأن تجربتها تقدم نموذجًا ملهمًا للشباب، خصوصًا لمن يبدأون مبكرًا ويحاولون الحفاظ على التطور والاستمرار.

الأهم أن شيري عادل نفسها قدّمت تفسيرًا ينسجم مع هذا المعنى؛ إذ اعتبرت التكريم تكريمًا لأبناء جيلها، وقالت إن الجائزة بعد سنوات من العمل تصبح مسؤولية إضافية، وتزيد الحماس لتقديم أدوار جديدة. كما أوضحت أن معيارها في الاختيار ليس فقط مساحة الدور، بل القدرة على تقديم شخصية مختلفة تضيف إلى مشوارها. هذا النوع من الخطاب ينسجم تمامًا مع طبيعة مهرجان يريد أن يخاطب طلاب السينما والممثلين الشباب وصناع الأفلام في بداياتهم، لا باعتبار الفن شهرة فقط، بل باعتباره حسن اختيار ووعيًا مهنيًا طويل النفس.

لماذا لا يبدو التكريم عشوائيًا؟

لأن المهرجان لا يكرم اسمًا من خارج فكرته، بل يختار فنانة تمثل فكرة «الاستمرار بعد البداية المبكرة». في التصريحات المصاحبة للإعلان، شدد قدري الحجار، مدير المهرجان، على أن شيري عادل وقفت منذ بداياتها أمام قامات كبيرة مثل يحيى الفخراني ومحمود عبدالعزيز ونور الشريف، لكنها لم تعتمد على هذه الفرص وحدها، بل استفادت منها وبنت شخصية فنية خاصة. هذه الرسالة شديدة الأهمية في مهرجان شبابي: الاحتكاك بالكبار ليس نهاية الرحلة، بل بدايتها الحقيقية.

ومن زاوية مصرية محلية، فإن وجود شيري عادل في الافتتاح يمنح الدورة الرابعة وجهًا قريبًا من جمهور الدراما والسينما في مصر، لا سيما أن اسمها حاضر لدى قطاعات مختلفة من المشاهدين، من جمهور الأعمال التلفزيونية إلى جمهور الأفلام التجارية والبطولات الجماعية. هذا القرب مهم لمهرجان يقام في محافظة البحر الأحمر ويريد توسيع قاعدته الجماهيرية خارج النخبة السينمائية التقليدية.

برنامج كريم عبدالعزيز: إعادة الاعتبار إلى «البداية»

الشق الثاني من الرهان أكثر ذكاءً على المستوى الثقافي. فالمهرجان يواصل في دورته الرابعة برنامجه الاستيعادي لعروض مشاريع تخرج كبار المخرجين والفنانين، وهو برنامج تؤكد الإدارة أنه يميز المهرجان منذ دورته الأولى. الجديد هذه السنة هو عرض فيلمين من إخراج كريم عبدالعزيز، الذي تخرج في قسم الإخراج بالمعهد العالي للسينما عام 1997.

بحسب التفاصيل المنشورة، سيعرض المهرجان فيلم «الثقب العالي» بطولة سيد عبدالكريم وعلاء خميس، قصة محمد عبدالرحمن وسيناريو تامر حبيب، إلى جانب فيلم «لوحة من لحم»، وهو مشروع التخرج، بطولة إيهاب فهمي وميرنا وليد والممثل السعودي خالد الحربي، وسيناريو علي شوقي وإخراج كريم عبدالعزيز. كما أوضحت المادة الصحفية أن «لوحة من لحم» يتناول مشاكل الشباب في مواجهة المستقبل وتحديات الحياة.

هنا تكمن قوة الفكرة: المهرجان لا يستدعي كريم عبدالعزيز بوصفه فقط واحدًا من أكبر نجوم الشباك في مصر، بل يعيده إلى لحظة كان فيها طالبًا يحاول التعبير عن قلق جيله بالكاميرا. هذا التحول من «النجم» إلى «الطالب صاحب مشروع التخرج» يفتح أفقًا مهمًا أمام جمهور المهرجان، لأنه يزيل المسافة الرمزية بين الأيقونة والناشئ. فجأة يصبح اسم بحجم كريم عبدالعزيز دليلًا حيًا على أن البدايات الأكاديمية والهواة ليست هامشًا، بل أصل الحكاية.

الرسالة الأعمق: الجسور بين الأجيال

محمد الباسوسي وصف هذا البرنامج بأنه وسيلة لمد جسور التواصل واكتساب الخبرات بين الأجيال المختلفة من خريجي المعاهد والأكاديميات السينمائية والطلبة. أما قدري الحجار فاعتبر أن مشاهدة هذه التجارب تمنح الشباب دافعًا للتعلم، وتؤكد أن كل تجربة سينمائية كبيرة بدأت بخطوة أولى ومشروع تخرج يحمل حلمًا وطموحًا. هذه ليست عبارات إنشائية إذا قرئت في سياق مهرجان ينقل عروضه وفعالياته إلى قصر ثقافة الغردقة بعد تطويره وافتتاحه رسميًا.

اختيار قصر ثقافة الغردقة كمقر للافتتاح والختام والعروض والورش والندوات يمنح الفكرة بعدًا مؤسسيًا أيضًا. فالمكان، بحسب ما أعلنته إدارة المهرجان، سيستضيف ليس فقط حفلي الافتتاح والختام، بل كذلك الورش الخاصة بالسيناريو والتصوير والإخراج، مع اتجاه لاستمرار النشاط على مدار العام عبر نادي فيلم تابع للمهرجان. بهذا المعنى، يصبح برنامج استعادة بدايات كريم عبدالعزيز جزءًا من بيئة تعليمية أوسع، لا مجرد فقرة حنين.

ماذا يقول هذا الرهان عن هوية الدورة الرابعة؟

  • أولًا: المهرجان يربط النجومية بالمسار، لا بالصورة فقط؛ لذلك يكرم شيري عادل على الاستمرارية والاختيار الواعي.
  • ثانيًا: يعيد تعريف النجاح أمام الشباب عبر عرض بدايات كريم عبدالعزيز الإخراجية، لا الاكتفاء بإنجازاته اللاحقة كممثل.
  • ثالثًا: يصر على الطابع المصري المحلي داخل حدث ذي مشاركة دولية، من خلال أسماء مصرية معروفة وبرامج مرتبطة بتاريخ السينما المصرية.
  • رابعًا: يستفيد من بنية الغردقة الثقافية والسياحية معًا، عبر فعاليات تقام في قصر الثقافة واستضافة الدورة في المدينة نفسها بما يربط الثقافة بالمكان.

ولا يمكن فصل هذا كله عن بقية ملامح الدورة، من اختيار الفيلم القصير «أحياء أم أموات» بطولة أحمد الفيشاوي فيلمًا للافتتاح، وهو عمل لمخرج لم يتجاوز 19 عامًا، إلى اعتماد ملصق فيلم «الحريف» شعارًا للدورة الرابعة احتفاءً بمرور عشر سنوات على رحيل محمد خان، مع تحية خاصة لروح هاني شنودة وموسيقى أفلامه في حفل الافتتاح. كل ذلك يرسم صورة مهرجان يريد أن يجمع بين الذاكرة والطموح، بين الأسماء الراسخة والأجيال الجديدة، وبين الاحتفال والدرس.

الخلاصة

قبل انطلاقه يوم 10 سبتمبر، يبدو مهرجان الغردقة لسينما الشباب واعيًا تمامًا لطبيعة معركته الرمزية. فهو لا ينافس فقط على عدد الأفلام أو بريق السجادة، بل على قدرته في بناء معنى مختلف للمهرجان السينمائي في مصر خارج العاصمة. تكريم شيري عادل ليس مجرد لفتة لنجمة محبوبة، بل تأكيد لقيمة الاستمرارية المهنية، وبرنامج استعادة بدايات كريم عبدالعزيز ليس استعراضًا لأرشيف نجم كبير، بل درس عملي للشباب بأن الطريق إلى القمة يبدأ غالبًا من مشروع تخرج، ومن فرصة أولى، ومن شغف لا يستهين بالبداية.

ولهذا تحديدًا يمكن فهم رهان الغردقة: مهرجان يريد أن يصنع جمهورًا وصناعًا في الوقت نفسه، وأن يقول بلغة مصرية واضحة إن السينما التي تحترم شبابها، هي السينما الأقدر على صناعة مستقبلها.