لماذا سقط فيلم The Last Duel تجارياً رغم قوة أبطاله؟
فيلم تاريخي كبير... ونتيجة تجارية أصغر كثيراً من المتوقع
عندما طُرح The Last Duel في دور العرض يوم 15 أكتوبر 2021، بدا وكأنه مشروع مضمون الجاذبية لعشاق السينما الجادة: إخراج ريدلي سكوت، وبطولة مات ديمون وآدم درايفر وجودي كومر وبن أفليك، مع قصة مستندة إلى واقعة تاريخية فرنسية شهيرة. لكن المفاجأة أن الفيلم، رغم هذا الثقل الفني، انتهى كواحد من أبرز الإخفاقات التجارية في موسم عرضه.
الأرقام تشرح حجم التعثر بوضوح: الفيلم حقق افتتاحية محلية في أمريكا بلغت 4.76 مليون دولار فقط، ثم أنهى رحلته بإيرادات عالمية وصلت إلى نحو 30.55 مليون دولار، مقابل ميزانية إنتاج قدرها 100 مليون دولار. بالنسبة لفيلم بهذا الحجم والطموح، كانت هذه الحصيلة بعيدة جداً عن نقطة التعادل، فضلاً عن تحقيق الربح.
عن ماذا يتحدث The Last Duel؟
يحمل الفيلم عنوانه العربي المتداول «المبارزة الأخيرة»، وتدور أحداثه في فرنسا خلال القرن الرابع عشر. القصة تتبع الفارس جان دي كاروج، الذي يدخُل في صدام مع صديقه السابق جاك لو جري بعد اتهام الأخير بالاعتداء على مارغريت دي كاروج. ومن هنا يتجه السرد نحو ما يُقدَّم بوصفه آخر مبارزة قانونية معتمدة في تاريخ فرنسا.
على مستوى البناء الدرامي، لا يقدّم الفيلم الحكاية من زاوية واحدة، بل يقسمها إلى روايات متعددة، بحيث نرى الوقائع عبر وجهات نظر الشخصيات الرئيسية. هذه التقنية منحت الفيلم عمقاً إضافياً، خصوصاً مع الأداء القوي من جودي كومر في دور مارغريت، وهو الأداء الذي اعتبره كثيرون قلب الفيلم الحقيقي.
لماذا كان التوقع أكبر من النتيجة؟
1) أسماء كبيرة لا تضمن شباك التذاكر
في سوق السينما الحالي، لم تعد الأسماء اللامعة وحدها كافية لجذب الجمهور العام كما كان الحال قبل سنوات. وجود مات ديمون، إلى جانب آدم درايفر وجودي كومر وبن أفليك، منح الفيلم قيمة فنية وتسويقية، لكنه لم يضمن إقبالاً جماهيرياً واسعاً. هذه نقطة مهمة خصوصاً لجمهور المنطقة العربية، حيث يُفترض غالباً أن النجوم الكبار وحدهم يكفون لإنجاح أي مشروع، بينما يثبت هذا الفيلم العكس.
2) النوع الدرامي نفسه صعب التسويق
The Last Duel ليس فيلماً ترفيهياً خفيفاً ولا مغامرة تاريخية تقليدية. هو عمل طويل نسبياً، مدته 153 دقيقة، ومصنف للبالغين، كما يتعامل مع موضوعات ثقيلة تشمل العنف والاعتداء الجنسي. هذه العناصر قد ترفع القيمة الفنية، لكنها في الوقت نفسه تقلل من اتساع الجمهور المستهدف، خاصة عند العرض السينمائي التجاري.
3) توقيت الإصدار لم يكن مثالياً
الفيلم وصل إلى الصالات في خريف 2021، أي في مرحلة كانت فيها الصناعة لا تزال تحاول استعادة جمهورها بعد اضطرابات الجائحة. في تلك الفترة، كانت قطاعات واسعة من المشاهدين تميل إما إلى الأفلام الحدثية الضخمة جداً أو إلى الانتظار حتى الطرح المنزلي والمنصات. وبين الخيارين، وجد فيلم مثل The Last Duel نفسه في منطقة صعبة: موجه للكبار، ثقيل موضوعياً، وليس جزءاً من سلسلة جماهيرية معروفة.
لكن هل كان الفيلم سيئاً فعلاً؟
هنا تكمن المفارقة الأهم: الفشل التجاري لا يعني بالضرورة فشلاً فنياً. على العكس، The Last Duel حصد استقبالاً نقدياً جيداً، ونال إشادة خاصة بسبب الإخراج، وبنية السرد الثلاثية، وأداء جودي كومر. حتى الآن، ما يزال الفيلم يُذكر باعتباره من الأعمال التي لم تنل ما تستحقه جماهيرياً رغم جودة التنفيذ.
ومن منظور نقدي، يمكن القول إن ريدلي سكوت قدّم هنا فيلماً أقرب إلى الدراما الأخلاقية المحكمة منه إلى الاستعراض التاريخي المعتاد. المعارك موجودة، والملابس والديكورات مصممة بعناية، لكن الرهان الأساسي ليس على الفرجة البصرية فقط، بل على السلطة، والطبقة، والحقيقة، ومن يملك حق رواية الحدث. وهذه عناصر تمنح الفيلم قيمة تستحق العودة إليه اليوم.
مات ديمون في قلب المشروع
رغم أن البطولة جماعية، فإن اسم مات ديمون يظل الأكثر التصاقاً بالفيلم في الذاكرة الإعلامية، لأنه لم يكتفِ بالتمثيل، بل شارك أيضاً في كتابة السيناريو إلى جانب بن أفليك ونيكول هولوفسينر. لذلك يُنظر إلى الفيلم باعتباره أحد المشاريع الشخصية نسبياً في مسيرته، لا مجرد دور تمثيلي عابر.
وبالنسبة للمتابع المصري، قد يكون من اللافت أن ديمون هنا يبتعد عن صورته الأشهر في أفلام الحركة أو الدراما المعاصرة، ليقدّم شخصية أكثر خشونة وكآبة. هذا التحول لم يكن سهلاً تسويقياً، لكنه ساعد في منح الفيلم نبرة جادة ومتجهمة تناسب عالمه.
جودي كومر ربما كانت العنصر الأبرز
إذا كان مات ديمون هو الاسم الأبرز على الملصق، فإن جودي كومر كانت، نقدياً، صاحبة الأثر الأقوى داخل الفيلم. الشخصية التي تؤديها ليست مجرد محور درامي، بل هي المفتاح الذي يعيد ترتيب فهم المشاهد لكل ما يراه. لهذا السبب، يعتبر كثير من النقاد أن الفيلم يبلغ ذروته حين يمنحها المساحة الكاملة لتقديم روايتها.
وهنا تحديداً تظهر ميزة الفيلم: أنه يبدأ كدراما صراع بين رجلين، ثم يكشف تدريجياً أن القضية الحقيقية أعمق من المبارزة نفسها. هذه المقاربة تمنحه راهنية واضحة، رغم أن الأحداث تعود إلى العصور الوسطى.
كيف يُشاهَد الفيلم اليوم؟
بعد مرور ما يقرب من خمس سنوات على صدوره، يبدو The Last Duel أقرب إلى نموذج الفيلم الذي خسر في الشباك وكسب مع الوقت احتراماً أكبر من جمهور المشاهدة المنزلية والنقاد. وهذا نمط أصبح شائعاً في السنوات الأخيرة: أفلام تنجح لاحقاً في النقاش الثقافي أو عبر المشاهدة على المنصات، حتى لو عجزت عن فرض نفسها لحظة العرض السينمائي الأول.
لذلك، إن كنت من محبي الأفلام التاريخية الجادة أو أعمال ريدلي سكوت التي تمزج بين الصناعة الضخمة والأسئلة الأخلاقية، فالفيلم يستحق المشاهدة بلا تردد. أما إذا كنت تبحث عن إيقاع سريع أو تجربة ترفيهية خفيفة، فقد تجده ثقيلاً مقارنة بأفلام السوق السائدة.
الخلاصة: إخفاق مالي... لا يلغي القيمة
في النهاية، يبقى The Last Duel مثالاً واضحاً على الفجوة بين الجودة الفنية والنجاح التجاري. الفيلم لم ينجح في استقطاب الجمهور الواسع عند طرحه، رغم ميزانيته الكبيرة وأسماء نجومه، لكنه احتفظ بمكانة أفضل مع مرور الوقت بفضل تناوله الجاد، وبنيته السردية المميزة، وتمثيله القوي.
- تاريخ الطرح: 15 أكتوبر 2021
- المخرج: ريدلي سكوت
- البطولة: مات ديمون، آدم درايفر، جودي كومر، بن أفليك
- المدة: 153 دقيقة
- الميزانية: 100 مليون دولار
- الإيرادات العالمية: 30.55 مليون دولار تقريباً
وبعيداً عن لغة الأرقام، قد تكون هذه هي المراجعة الأعدل للفيلم: عمل تاريخي ناضج، ربما لم يذهب إليه الجمهور وقت صدوره، لكنه يستحق أن يُكتشف من جديد.