لماذا تعود أفلام الحرب للواجهة على WATCH IT في أكتوبر؟
عودة لافتة لأفلام الحرب في موسم الذاكرة الوطنية
تصدُّر فيلمي «السرب» و«الممر» قوائم المشاهدة على منصة WATCH IT بالتزامن مع إحياء ذكرى 6 أكتوبر ليس مجرد مصادفة برمجية داخل منصة رقمية، بل مؤشر واضح على أن الجمهور المصري ما زال يعود، في اللحظات الوطنية الكبرى، إلى الأعمال التي تعيد سرد البطولة بلغة سينمائية معاصرة. فصفحتا الفيلمين على WATCH IT تؤكدان حضورهما على المنصة ضمن تصنيف أفلام الحرب؛ إذ تعرض المنصة «السرب» كفيلم إنتاج 2024 من بطولة أحمد السقا وشريف منير ومصطفى فهمي ومحمد ممدوح، بينما تعرض «الممر» كفيلم 2019 من بطولة أحمد عز وإياد نصار وأحمد رزق وهند صبري وشريف منير.
هذه العودة لا تنفصل عن طبيعة شهر أكتوبر نفسه في الوجدان المصري. ففي كل عام، تتجدد الرغبة في مشاهدة أعمال تستعيد لحظات الصمود والانتصار، لكن الفارق الآن أن هذه الرغبة لم تعد مرتبطة فقط بالبث التلفزيوني التقليدي، بل انتقلت بقوة إلى المنصات، حيث يختار المشاهد الفيلم في توقيته الشخصي ويعيده متى شاء، وهو ما يمنح أفلام الحرب عمرًا أطول وتأثيرًا أكثر رسوخًا.
لماذا «السرب» و«الممر» تحديدًا؟
1) لأنهما يقدمان الحرب بصيغتين مختلفتين
فيلم «الممر»، الذي أخرجه شريف عرفة، يتناول قوات الصاعقة المصرية خلال حرب الاستنزاف وما تلا هزيمة 1967 حتى البدايات الأولى لطريق العبور. أما «السرب»، من إخراج أحمد نادر جلال، فينطلق من واقعة معاصرة مرتبطة بالضربة الجوية المصرية ضد تنظيم داعش في ليبيا بعد جريمة ذبح 21 مصريًا. هذا التباين مهم؛ لأن الجمهور هنا لا يشاهد نموذجًا واحدًا للحرب، بل يرى كيف تمتد فكرة الدفاع عن الوطن من التاريخ العسكري الكلاسيكي إلى المواجهة الحديثة مع الإرهاب.
2) لأنهما يجمعان بين النجومية والحدث الوطني
«السرب» يعتمد على حضور جماهيري واسع يقوده أحمد السقا، إلى جانب شريف منير ومصطفى فهمي ومحمد ممدوح ودياب وعمرو عبدالجليل، بينما يستند «الممر» إلى ثقل أحمد عز وشريف عرفة مع مجموعة كبيرة من الممثلين منهم أحمد رزق وإياد نصار ومحمد فراج وأسماء أبو اليزيد. هذه التركيبة تجعل الفيلم الوطني هنا ليس «عمل مناسبة» فقط، بل فيلمًا جماهيريًا مكتمل العناصر، يستطيع أن يجذب جمهور النجوم كما يجذب جمهور الفكرة.
3) لأن الأرقام منحت العملين شرعية جماهيرية
في السينما، حقق «الممر» حضورًا استثنائيًا؛ إذ يذكر موقع ElCinema أن إجمالي شباك التذاكر بلغ 74,495,223 جنيهًا. كما نشرت صحف مصرية خلال موسم عرضه أن الفيلم اقترب من 75 مليون جنيه، وهو رقم وضعه في قلب النقاش حول قدرة الفيلم الوطني على المنافسة التجارية. أما «السرب»، الذي طُرح في دور العرض المصرية يوم 1 مايو 2024، فتجاوزت إيراداته 40 مليون جنيه في يونيو 2024، بحسب تغطيات صحفية مصرية تابعت أداءه اليومي في شباك التذاكر.
المنصة الرقمية غيّرت طريقة استقبال الفيلم الوطني
أحد أهم أسباب عودة الجمهور إلى أفلام الحرب الآن هو أن WATCH IT نفسها تقدم مكتبة مصرية واسعة تجمع بين الجديد والكلاسيكي، من الأفلام والمسلسلات والمواد التراثية. هذه البيئة مناسبة جدًا لإعادة اكتشاف الفيلم الوطني، لأن المشاهد لا يدخل فقط لمتابعة عمل جديد، بل يجد نفسه داخل أرشيف حي للذاكرة المصرية السمعية والبصرية.
هنا تحديدًا تظهر ميزة «المشاهدة المناسبة للمناسبة». في الأسبوع الذي يحيي فيه المصريون ذكرى 6 أكتوبر، يصبح من الطبيعي أن يتجه المتصفح إلى «السرب» أو «الممر» أكثر من أي وقت آخر. المنصة لا تصنع الحدث من الصفر، لكنها تضخّمه وتحوّله إلى سلوك مشاهدة جماعي، حتى وإن تم بصورة فردية داخل كل بيت.
من «الممر» إلى «السرب»... تحوّل في صورة البطولة
اللافت أن المقارنة بين الفيلمين تكشف أيضًا تحوّلًا مهمًا في تمثيل البطولة داخل السينما المصرية. «الممر» ينتمي إلى فيلم الحرب الكلاسيكي من حيث التكوين: جبهة، جنود، تدريب، خسارة، ثم استعادة للثقة والكرامة. أما «السرب» فيتحرك داخل منطقة أقرب إلى الفيلم الأمني-العسكري الذي يشتبك مع وقائع حديثة ما زالت حاضرة في الذاكرة العامة.
هذا التنوع يوسع قاعدة الجمهور. فهناك من يفضل السرد التاريخي الملحمي كما في «الممر»، وهناك من ينجذب إلى الإيقاع المعاصر والحدث القريب كما في «السرب». والنتيجة أن أفلام الحرب لم تعد حبيسة جيل بعينه؛ بل صارت قادرة على مخاطبة أجيال مختلفة بلغات سردية متعددة.
كيف ينعكس ذلك على حضور السينما الوطنية؟
1) تأكيد أن الفيلم الوطني يمكن أن يكون جماهيريًا
لسنوات، ساد تصور أن الفيلم الوطني أو الحربي يحظى بالاحترام النقدي أكثر من الرواج الجماهيري. لكن تجربة «الممر» في شباك التذاكر، ثم الاهتمام الذي حظي به «السرب» في السينما وبعدها على المنصات، تقول إن الجمهور المصري مستعد لدعم هذا النوع حين يُقدَّم بإنتاج كبير ونجوم معروفين وسرد واضح.
2) إطالة العمر التجاري والثقافي للفيلم
في الماضي، كان الفيلم يمر غالبًا من السينما إلى التلفزيون ثم يتراجع حضوره تدريجيًا. اليوم، المنصة تمنحه دورة حياة أطول بكثير. «الممر» الذي عُرض أول مرة في 2019 ما زال قادرًا في 2026 على العودة إلى الواجهة مع كل مناسبة وطنية، بينما «السرب» انتقل من شباك 2024 إلى مساحة مشاهدة متجددة على WATCH IT. هذا يعني أن الاستثمار في الفيلم الوطني لم يعد موسميًا فقط، بل يمكن أن يتحول إلى أصل ثقافي مستمر التداول.
3) دفع المنتجين إلى توسيع الرهان
حين يرى السوق أن أفلامًا من هذا النوع قادرة على الجمع بين الرمزية الوطنية والعائد الجماهيري، تصبح احتمالات إنتاج أعمال مشابهة أكبر. ليس بالضرورة عبر تكرار الصيغة نفسها، بل عبر تطوير أفلام تستلهم ملفات من التاريخ العسكري المصري، أو بطولات معاصرة، أو قصصًا إنسانية مرتبطة بفكرة التضحية والانتماء.
لماذا يعود الجمهور الآن تحديدًا؟
- الذاكرة الجمعية: ذكرى 6 أكتوبر تظل موعدًا سنويًا لاستدعاء الأعمال المرتبطة بالبطولة الوطنية.
- سهولة الوصول: وجود «السرب» و«الممر» على WATCH IT يجعل العودة إليهما أسرع من انتظار بث تلفزيوني محدد.
- قيمة إعادة المشاهدة: هذا النوع من الأفلام يحتمل المشاهدة أكثر من مرة، لأن متعته لا ترتبط بالمفاجأة فقط، بل بالشحنة العاطفية والمعنى الوطني.
- نجومية الأبطال: وجود أسماء جماهيرية مثل أحمد السقا وأحمد عز وشريف منير يمنح هذه الأعمال قدرة أكبر على اجتذاب شرائح واسعة من المشاهدين.
خلاصة المشهد
ما يحدث مع «السرب» و«الممر» على WATCH IT أكبر من مجرد موجة موسمية عابرة. نحن أمام لحظة تكشف أن السينما الوطنية المصرية ما زالت تملك جمهورًا واسعًا، وأن هذا الجمهور لا يبحث فقط عن الترفيه، بل عن أعمال تمنحه معنى، وتعيد وصل الحاضر بالذاكرة، وتترجم فكرة الانتماء إلى صورة وحكاية وأبطال.
ومع كل ذكرى 6 أكتوبر، يبدو أن هذا النوع من الأفلام سيواصل العودة بقوة، لا بوصفه مادة احتفالية فقط، بل كأحد الأشكال الأكثر ثباتًا في التعبير عن علاقة المصريين بسينماهم الوطنية. وإذا كانت المنصات قد غيّرت عادات المشاهدة، فإنها في المقابل منحت أفلام الحرب المصرية فرصة جديدة: أن تبقى حية، متاحة، وقادرة على تصدّر الاهتمام كلما احتاج الجمهور إلى استعادة صورته عن نفسه وعن بلده.