«لا جراديفا».. فيلم فرنسي يواصل حصد الجوائز قبل عرضه الأمريكي
فيلم فرنسي صاعد يلفت الأنظار من كان إلى نيويورك
يستعد فيلم «لا جراديفا» للمخرجة الفرنسية مارين أتلان لخطوة جديدة في رحلته الدولية مع عرضه الأمريكي الأول ضمن برنامج Main Slate في مهرجان نيويورك السينمائي في دورته الرابعة والستين، التي تقام بين 25 سبتمبر و12 أكتوبر 2026. ووفق موقع Film at Lincoln Center الرسمي، حُددت للفيلم عروض في 27 و28 و29 سبتمبر، مع جلسات أسئلة وأجوبة تحضرها المخرجة بنفسها، كما تقرر أن يبدأ عرضه في Film at Lincoln Center يوم 18 ديسمبر 2026.
هذا المسار يمنح الفيلم مكانة خاصة بين الأعمال الأوروبية التي صنعت سمعتها أولًا في المهرجانات قبل الوصول إلى السوق الأمريكية. وبالنسبة للقارئ المصري المتابع لقسم مراجعات الأفلام، فالقصة هنا لا تتعلق فقط بجائزة أو بسجادة حمراء، بل بفيلم فرنسي أول لمخرجة جاءت من خلفية بصرية قوية، واستطاع أن يفرض نفسه سريعًا باعتباره أحد أبرز الاكتشافات السينمائية في الموسم.
ما هو «لا جراديفا» ولماذا يحظى بكل هذا الاهتمام؟
بحسب الوصف الرسمي المنشور من Film at Lincoln Center، يتتبع الفيلم رحلة مدرسية إلى نابولي يقوم بها طلاب ثانويون فرنسيون، لتتحول الزيارة إلى تجربة كاشفة ومشحونة عاطفيًا. النص يركز على مرحلة انتقالية دقيقة بين المراهقة وبداية النضج، بينما تستثمر أتلان المكان الإيطالي، من المتاحف والجداريات إلى المواقع البركانية قرب بومبي، لصناعة مناخ درامي يعكس قلق الشخصيات ورغباتها وتوتراتها الداخلية.
المثير هنا أن الفيلم لا يعتمد على حبكة صاخبة بقدر ما يراهن على الملاحظة الدقيقة. هذا النوع من السينما قد يبدو للوهلة الأولى نخبويًا، لكنه غالبًا ما ينجح جماهيريًا داخل دوائر المهرجانات لأنه يضع المتفرج أمام شخصيات محسوسة ومرتبكة وقريبة من خبرات عمرية يعرفها الجميع. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم سبب الالتفاف النقدي حول العمل منذ عرضه الأول. هذا استنتاج نقدي مدعوم بالوصف الرسمي المتكرر لمساحة الفيلم النفسية وأسلوبه القائم على التفاصيل لا على المفاجآت السردية.
انطلاقة قوية من «أسبوع النقاد» في كان
الدفعة الأهم في مسيرة «لا جراديفا» جاءت من أسبوع النقاد في مهرجان كان 2026، حيث فاز بـالجائزة الكبرى AMI Paris. صفحة المخرجة على الموقع الرسمي لـLa Semaine de la Critique تؤكد أن الفيلم هو أول روائي طويل لمارين أتلان، وأنه شارك في المسابقة الرسمية الخاصة بالقسم وفاز بالجائزة الكبرى. كما تشير بيانات Unifrance إلى أن العمل عُرض عالميًا في كان 2026 بوصفه أول فيلم طويل للمخرجة.
فوز كهذا ليس تفصيلًا عابرًا داخل رزنامة المهرجانات. «أسبوع النقاد» معروف تاريخيًا باحتفائه بالأصوات الجديدة، وكثيرًا ما كان منصة انطلاق لمخرجين صاروا لاحقًا أسماء أساسية في السينما الفنية العالمية. لهذا فإن تتويج أتلان هناك وضعها مباشرة تحت مجهر النقاد والموزعين وبرامج المهرجانات اللاحقة.
جوائز إضافية عززت موقع الفيلم دوليًا
بعد محطة كان، واصل الفيلم حضوره الدولي بقوة. فقد أعلن مهرجان ملبورن السينمائي الدولي أن «لا جراديفا» فاز بجائزة Bright Horizons في نسخة 2026. كما يوضح الموقع الرسمي للمهرجان أن هذه الجائزة، المقدمة بدعم من VicScreen، تُعد من الجوائز المالية الكبرى المخصصة للأصوات السينمائية الصاعدة، وسبق أن وُصفت بأنها من أغنى الجوائز في عالم السينما. وتشير وثائق المهرجان إلى أن قيمة الجائزة تبلغ 140 ألف دولار أسترالي.
ولم يتوقف الأمر عند أستراليا. فقد أثبتت الصفحة الرسمية لجائزة Prix d'Ornano-Valenti في مهرجان دوفيل أن الفيلم تُوج أيضًا بهذه الجائزة في 2026. كما نشر موقع المهرجان في إعلان جوائز دورته الثانية والخمسين صورة خاصة بالفيلم بوصفه الفائز بالجائزة، ما يعزز صورته كعمل يحظى بإجماع نسبي بين برمجة المهرجانات واللجان المختلفة، لا كمجرد نجاح عابر في مناسبة واحدة.
من هي مارين أتلان؟
مارين أتلان ليست وافدة جديدة تمامًا على الصورة السينمائية. فالموقع الرسمي لـأسبوع النقاد وملف Unifrance يقدمانها باعتبارها مديرة تصوير وكاتبة ومخرجة، وعملت سابقًا في تصوير أفلام لعدد من الأسماء الفرنسية، من بينها Jessica Forever وLe Ravissement وLes Reines du Drame وL'Engloutie. كما يذكر ملف Unifrance أنها أنجزت قبل «لا جراديفا» فيلمين متوسطي الطول حصدا جوائز في مهرجانات مثل برلين وكليرمون-فيران وبريف.
هذه الخلفية تفسر كثيرًا من لغة الفيلم البصرية التي يتحدث عنها المبرمجون والنقاد. فحين تأتي المخرجة أصلًا من قسم الصورة، يصبح طبيعيًا أن يكون البناء البصري جزءًا من المعنى لا مجرد إطار للحكاية. ووفق بيانات الفيلم الرسمية، شاركت أتلان أيضًا في كتابة السيناريو، بينما تولت التصوير مع بيير مازوييه.
التمثيل والشخصيات: رهان على الوجوه الجديدة
من أبرز نقاط القوة التي يلفت إليها التقديم الرسمي للفيلم اعتماده على مجموعة ممثلين شباب داخل حبكة جماعية. وتظهر في المقدمة شخصيات مثل مدام ميرسييه التي تؤديها أنتونيا بوريسي، إلى جانب كولاس كينيار في دور توني، وسوزان جيران، وميتيا كابيلييه-أودا. هذا التكوين الجماعي يخدم طبيعة الفيلم بوصفه عملًا عن جماعة في طور التشكل، لا عن بطل واحد يهيمن على السرد.
ومن منظور نقدي، يبدو أن أتلان تميل إلى الأداءات الطبيعية أكثر من الاستعراض التمثيلي المباشر. وهذا خيار ينسجم مع موضوع الفيلم حول سن المراهقة وما يرافقها من هشاشة وارتباك وتبدلات سريعة في العلاقات والانفعالات. وقد وصف موقع Palace Films الأداءات بأنها شديدة الطبيعية، وهو توصيف يساعد على فهم لماذا تلقى الفيلم هذا الاحتفاء في سياق أفلام البلوغ الأوروبية.
العرض الأمريكي الأول: لماذا تهم محطة نيويورك؟
بالنسبة لأي فيلم فرنسي مستقل، فإن الظهور في مهرجان نيويورك السينمائي ليس مجرد إضافة دعائية. المهرجان، الذي ينظمه Film at Lincoln Center (@filmlinc على إنستغرام)، يعد واحدًا من أهم المنصات الأمريكية للأفلام الفنية والمرشحة لبناء سمعة نقدية طويلة الأمد. إدراج «لا جراديفا» في برنامج Main Slate يمنحه مساحة عرض أمام جمهور أمريكي مؤثر من نقاد ومبرمجين وموزعين، وهي خطوة قد تفتح للفيلم نافذة أوسع في السوق الناطقة بالإنجليزية.
ومن المهم أيضًا أن موقع المهرجان لم يكتف بالإشارة إلى العرض الأول، بل أعلن مواعيد دقيقة للعروض المصحوبة بجلسات نقاش مع المخرجة، وهو ما يعكس ثقة الجهة المنظمة في قيمة العمل وفي قدرته على إثارة حوار نقدي. بالنسبة لصناع السينما، هذه التفاصيل لا تقل أهمية عن الجوائز نفسها.
كيف يمكن قراءة الفيلم من زاوية جمهور عربي ومصري؟
رغم أن «لا جراديفا» يدور داخل سياق فرنسي-إيطالي، فإن موضوعه الأساسي شديد العالمية: القلق من المستقبل، تذبذب الهوية، الإحساس بالانكشاف في نهاية المراهقة، وتأثير المكان والتاريخ على وعي الشباب بأنفسهم. هذه كلها أسئلة يمكن أن يتفاعل معها المشاهد العربي بسهولة، خصوصًا إذا كان مهتمًا بأفلام المهرجانات التي تفضل الصدق الإنساني على الإيقاع التجاري السريع.
وفي سوق مشاهدة تميل أحيانًا إلى التصنيف السهل بين «فيلم جماهيري» و«فيلم مهرجانات»، يبدو «لا جراديفا» مثالًا جيدًا على الأفلام التي قد تعبر هذا الحاجز بفضل وضوح حسها العاطفي. صحيح أنه عمل فني الطابع، لكنه لا يبدو منفصلًا عن التجربة الإنسانية المباشرة، بل يستمد قوته منها. وهذه بالضبط النوعية التي تجعل متابعة مساره مهمة لقراء قسم مراجعات الأفلام في مصر.
الخلاصة
في المحصلة، لا يمكن التعامل مع «لا جراديفا» بوصفه مجرد عنوان عابر خرج من كان ثم اختفى. الفيلم بدأ من الجائزة الكبرى في أسبوع النقاد، ثم أضاف إلى رصيده Bright Horizons في ملبورن وPrix d'Ornano-Valenti في دوفيل، قبل أن يشق طريقه إلى العرض الأمريكي الأول في مهرجان نيويورك السينمائي 2026. كل ذلك يضع مارين أتلان بين أكثر الأسماء الفرنسية الجديدة إثارة للاهتمام هذا العام، ويجعل الفيلم واحدًا من العناوين التي تستحق المتابعة الجدية من جمهور السينما الفنية في المنطقة العربية.
- العنوان: لا جراديفا
- المخرجة: مارين أتلان
- النوع: دراما/بلوغ/سينما فنية
- البلد: فرنسا
- مدة العرض: 145 دقيقة
- أبرز المحطات: كان، ملبورن، دوفيل، تورونتو، نيويورك