كيف يوظّف «جيوش الشمس» ذاكرة أكتوبر في القاهرة الفرنكوفونية؟
عرض «جيوش الشمس» ليس استعادة أرشيفية فقط
حين قرر مهرجان القاهرة للسينما الفرنكوفونية هذا العام إدراج فيلم «جيوش الشمس» للمخرج الراحل شادي عبد السلام ضمن احتفاله بذكرى نصر أكتوبر، لم يكتفِ بعرض عنوان قديم من ذاكرة السينما المصرية، بل قدّم الفيلم لأول مرة بنسخة مترجمة إلى الفرنسية والإنجليزية. هذه التفصيلة، التي أعلنها المهرجان خلال فعاليات دورته السادسة المقامة من 3 إلى 7 أكتوبر 2026 برئاسة الناقد والكاتب الصحفي ياسر محب، تكشف أن الرهان ليس على النوستالجيا وحدها، بل على إعادة تداول الذاكرة الوطنية بلغة قادرة على عبور الأجيال والحدود.
المهرجان، الذي رفع شعار «العودة إلى المستقبل» في دورته السادسة، احتفى في 6 أكتوبر 2026 بمرور 53 عامًا على النصر عبر عرض الفيلم، ثم أتبع ذلك بحفل موسيقي بعنوان «سينما على أوتار الجيتار» أحياه عازف الجيتار أحمد السيد، وضم مقطوعات من أفلام تناولت حرب أكتوبر بتوقيعات جمال سلامة وعمر خورشيد وعمر خيرت وفؤاد الظاهري. بهذا الترتيب، تحوّل الحدث من مشاهدة فيلم إلى تجربة ثقافية متعددة الطبقات تجمع الصورة بالموسيقى والذكرى العامة.
لماذا «جيوش الشمس» تحديدًا؟
الاختيار ذكي لأن «جيوش الشمس» ليس من الأفلام الأكثر تداولًا جماهيريًا إذا قورن بعناوين روائية شهيرة عن الحرب، لكنه يحمل قيمة مضاعفة داخل تاريخ السينما المصرية. الفيلم وثائقي قصير، وتورد قاعدة بيانات ElCinema أن مدته 39 دقيقة، وهو عمل يستعرض مراحل الحرب من العبور إلى اقتحام خط بارليف ورفع العلم على سيناء، مع صور للخنادق والمدافع والدبابات المدمرة، والاستعانة بعناوين الصحف العالمية وتعليقاتها على الحرب.
الأهم أن الفيلم يقدّم حرب أكتوبر من زاوية مختلفة عن السينما التعبوية المباشرة؛ إذ يقترب من الجنود والمصابين والوجوه البشرية بقدر اقترابه من الحدث العسكري نفسه. هذا ما يجعل عرضه اليوم أكثر قابلية للتواصل مع جمهور شاب لم يعش الحرب، لكنه يبحث عن مادة بصرية أصيلة، قصيرة الإيقاع، ومشحونة بمعنى وطني غير مدرسي.
كما أن اسم شادي عبد السلام نفسه يمنح العرض وزنًا خاصًا. فالمخرج المعروف أساسًا بـ«المومياء» يعود هنا عبر فيلم وثائقي مرتبط بواحدة من أكثر اللحظات رسوخًا في الوجدان المصري. إعادة تقديم هذا الوجه الأقل مشاهدة من أعماله تساعد على تصحيح اختزال مسيرته في فيلم واحد، وتفتح الباب أمام قراءة أوسع لإسهامه في السينما التسجيلية أيضًا.
الترجمة هنا جزء من المعنى، لا مجرد خدمة تقنية
القيمة الأبرز في خطوة المهرجان تكمن في أن النسخة الفرنسية/الإنجليزية الأولى لا تستهدف الضيوف الأجانب فقط، بل تعيد تعريف من يحق له دخول ذاكرة أكتوبر عبر الشاشة. فمهرجان يحمل صفة الفرنكوفونية كان يمكنه أن يظل محصورًا في سياق تبادل ثقافي خارجي، لكنه اختار أن يجعل المادة المصرية نفسها محورًا للانفتاح.
هذه المقاربة مهمة لسببين. الأول أن ترجمة فيلم مثل «جيوش الشمس» تمنحه قابلية جديدة للعرض في دوائر تعليمية ومهرجانية وأكاديمية خارج نطاق المشاهدة العربية. والثاني أن الترجمة تعيد تقديم الفيلم داخل مصر نفسها لجمهور متنوع: طلبة مدارس أجنبية، دارسو لغة فرنسية أو إنجليزية، وضيوف ثقافيين يعيشون في القاهرة. هكذا تتحول الذاكرة من خطاب مغلق إلى محتوى قابل للمشاركة.
وإذا كان المهرجان قد اختار شعار «العودة إلى المستقبل»، فإن «جيوش الشمس» يقدّم التطبيق العملي لهذا الشعار: العودة إلى أرشيف أكتوبر، لكن بأدوات تداول معاصرة، من الترجمة إلى البرمجة الحدثية المصاحبة، مرورًا بسياق مهرجاني يجذب شباب الجامعات وصناع الأفلام الجدد الذين حضروا أيضًا ورشًا مثل «ماذا بعد سطوة الذكاء الاصطناعي؟» وفعالية Francophonie VR Lounge.
فيلم قصير... لكنه غني بالأسماء والدلالات
من العناصر التي تساعد على إعادة تسويق الفيلم اليوم أن تفاصيله الإنتاجية نفسها مثيرة للاهتمام بالنسبة للمتابع المصري. فالفيلم من إخراج وتأليف شادي عبد السلام، وشارك فيه عاطف الطيب بوصفه مساعد مخرج قبل أن يصبح لاحقًا أحد أهم مخرجي الواقعية في السينما المصرية. كما شاركت فيه نادية لطفي في دور متطوعة في مستشفى المنيل الجامعي، وهي تفصيلة تتقاطع مع دورها الوطني المعروف خلال سنوات الحرب.
هذه الأسماء تمنح «جيوش الشمس» قيمة إضافية عند تقديمه للجمهور الحالي؛ فهو ليس فقط فيلمًا عن أكتوبر، بل أيضًا نقطة التقاء بين شادي عبد السلام وعاطف الطيب ونادية لطفي داخل عمل واحد قصير. بالنسبة لجمهور مهرجان أو نادٍ سينمائي أو منصة ثقافية، هذه شبكة مغرية من المعاني: تاريخ سينمائي، وتاريخ وطني، ووجوه معروفة، ومادة أرشيفية حقيقية.
كيف يخدم العرض إحياء أفلام أكتوبر لدى جمهور اليوم؟
1) كسر حاجز “الفيلم القديم”
أحد أكبر تحديات استعادة أفلام الحرب أن الأجيال الجديدة قد تنظر إليها باعتبارها مواد مدرسية أو تسجيلات بعيدة عن إيقاع المشاهدة الحالي. لكن «جيوش الشمس» يستفيد من قصر مدته ومن طبيعته الوثائقية المركزة، ما يجعله مناسبًا للبرمجة في مهرجان، أو لمناقشة جامعية، أو حتى لعرض خاص يسبقه أو يعقبه نقاش.
2) ربط أكتوبر بالثقافة لا بالمناسبة فقط
المهرجان لم يضع الفيلم داخل طقس احتفالي رسمي فحسب، بل أحاطه بموسيقى من أفلام أكتوبر، وضمن برنامج أوسع يضم ندوات وورشًا. هذا الدمج يعيد تقديم ذكرى الحرب باعتبارها جزءًا من الثقافة البصرية المصرية، لا مجرد مناسبة سنوية عابرة.
3) توسيع جمهور الذاكرة
النسخة المترجمة تعني عمليًا أن الفيلم صار أكثر قابلية للعبور إلى جمهور غير عربي، وإلى شرائح محلية لا تتابع عادة الأفلام التسجيلية القديمة. وهذه نقطة جوهرية إذا كان الهدف هو إحياء الفيلم لا مجرد عرضه.
4) إعادة الاعتبار للسينما التسجيلية المصرية
في النقاش العام، تطغى الأفلام الروائية عند الحديث عن أكتوبر، بينما يبقى الرصيد التسجيلي أقل حضورًا رغم أهميته. اختيار «جيوش الشمس» يذكّر بأن الذاكرة المصرية عن الحرب لم تُصنع بالدراما فقط، بل أيضًا بعدسة وثائقية التقطت الشهادة والصورة والحدث في تداخل نادر.
من القاهرة إلى الأجيال الجديدة
ما فعله مهرجان القاهرة للسينما الفرنكوفونية في هذه الدورة يتجاوز الاحتفاء بفيلم نادر؛ إنه يقدم نموذجًا عمليًا لكيفية تنشيط التراث السينمائي المصري داخل الحاضر. فبدل الاكتفاء بإعادة العرض بوصفه واجبًا تذكاريًا، اختار المهرجان أن يمنح «جيوش الشمس» حياة تداول جديدة عبر الترجمة، والسياق البرامجي، وربطه بمناقشة أوسع حول علاقة الذاكرة بالمستقبل.
لهذا يبدو السؤال الأهم بعد العرض: هل تتكرر التجربة مع أفلام مصرية أخرى مرتبطة بذاكرة أكتوبر أو بمحطات وطنية كبرى؟ إذا حدث ذلك، فلن يكون «جيوش الشمس» مجرد عنوان أعيد اكتشافه في أكتوبر 2026، بل بداية مسار يعيد الأفلام المصرية الكلاسيكية إلى جمهور اليوم بلغته ووسائطه واهتماماته.
- الفيلم: جيوش الشمس
- النوع: وثائقي قصير
- المدة: 39 دقيقة
- الإخراج والتأليف: شادي عبد السلام
- مساعد المخرج: عاطف الطيب
- من المشاركين: نادية لطفي
- المناسبة: احتفاء مهرجان القاهرة للسينما الفرنكوفونية بذكرى نصر أكتوبر
- الجديد في العرض: نسخة مترجمة إلى الفرنسية والإنجليزية لأول مرة