كيف يفتح «Cairo’s XR» باب السرد الغامر للسينما المصرية؟
«Cairo’s XR» في مهرجان القاهرة: لماذا تبدو الخطوة مهمة الآن؟
إعلان مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عن فتح باب التسجيل لبرنامج الواقع الممتد «Cairo’s XR» في نسخته الثانية يلفت الانتباه إلى تحوّل مهم داخل المشهد السينمائي المصري: الانتقال من الاكتفاء بمشاهدة الفيلم على الشاشة إلى اختبار أشكال جديدة من السرد الغامر الذي يدمج الصورة بالصوت والفضاء والحركة وتفاعل الجمهور. وبحسب الإعلان الرسمي، تُقام الدورة السابعة والأربعون من المهرجان في 11 إلى 20 نوفمبر 2026، فيما فُتح باب التقديم لبرنامج «Cairo’s XR» من 14 يونيو حتى 31 يوليو 2026، ليعود البرنامج للعام الثاني على التوالي ضمن فعاليات المهرجان الذي يُنظم سنويًا تحت رعاية وزارة الثقافة المصرية.
الأهمية هنا لا تتعلق ببرنامج جانبي أو تجربة تجريبية معزولة، بل بمحاولة واضحة من مهرجان مصري ذي ثقل مؤسسي وتاريخي لإدخال الوسائط الغامرة إلى قلب النقاش السينمائي المحلي. فالمهرجان، وفق تعريفه الرسمي، تأسس عام 1976، ويؤكد في مواده التعريفية أنه المهرجان الوحيد في العالم العربي وأفريقيا المعتمد ضمن الفئة «A» من الاتحاد الدولي لجمعيات منتجي الأفلام FIAPF، ما يمنح أي تحوّل في برامجه وزنًا يتجاوز الدعاية إلى التأثير الفعلي في الصناعة.
ما الذي نعرفه رسميًا عن البرنامج؟
البيان الرسمي للمهرجان يوضح أن «Cairo’s XR» يعود بعد النسخة الافتتاحية «Beyond the Screen»، التي استضافها مركز الهناجر للفنون وقدمت 7 تجارب غامرة تنوعت بين الواقع الافتراضي والواقع المعزز والتركيبات التفاعلية. كما أشارت تغطية مصرية محلية إلى أن الدورة الأولى ضمت 4 أعمال مصرية، وهو تفصيل بالغ الدلالة لأنه يعني أن الحضور المصري لم يكن رمزيًا، بل حاضرًا داخل المحتوى نفسه، لا في الإطار التنظيمي فقط.
المدير الفني للمهرجان محمد طارق وصف البرنامج، في البيان الرسمي، باعتباره مساحة تدفع لغة السينما إلى ما بعد الإطار التقليدي، حيث لا يعود الجمهور مجرد متفرج بل يصبح مشاركًا داخل العالم السردي. وهذه الفكرة هي جوهر السرد الغامر: ليس فقط حكاية تُروى، بل حكاية تُعاش. ومن هنا تأتي قيمة إدراج البرنامج داخل مهرجان القاهرة نفسه، لا في فعالية تقنية منفصلة، لأن ذلك يربط التجربة مباشرة بالنقاش السينمائي والفني، لا بالتكنولوجيا بوصفها استعراضًا.
كيف يختلف السرد الغامر عن الفيلم التقليدي؟
في السينما التقليدية، يجلس المشاهد أمام إطار محدد سلفًا: زاوية الكاميرا، حجم اللقطة، الإيقاع، وتدفق المعلومات كلها يسيطر عليها صانع الفيلم بالكامل. أما في تجارب XR، فهناك مساحة أكبر لتفاعل المتلقي مع الفضاء أو مع العناصر البصرية والسمعية، وقد يتغير ترتيب التلقي نفسه بحسب حركة المستخدم أو خياراته. هذا لا يلغي جوهر الكتابة والإخراج، لكنه يفرض على صانع الفيلم المصري مهارات إضافية، منها:
- التفكير المكاني بدل التفكير في الكادر وحده.
- تصميم تجربة المتلقي لا مجرد تصميم المشهد.
- العمل التعاوني بين السينمائيين ومطوري البرمجيات ومصممي الصوت والتفاعل.
- إعادة تعريف المونتاج حين لا يكون انتقال المشاهد بين العناصر خاضعًا دائمًا لقطع تقليدي.
لهذا يبدو «Cairo’s XR» مهمًا لصناع السينما المصرية تحديدًا: لأنه يفتح بابًا على صيغة سردية جديدة، من دون أن يطلب منهم مغادرة المجال السينمائي إلى مجال آخر بالكامل.
لماذا تمثل الخطوة فرصة حقيقية لصناع السينما في مصر؟
1) لأن المهرجان يمنح الشرعية والنافذة معًا
حين يتبنى حسين فهمي، رئيس المهرجان، إدارة دورة جديدة تراهن على استقبال أعمال من اتجاهات متنوعة، فالمسألة ليست فقط فتح استمارة تقديم، بل توسيع تعريف ما يمكن أن يُعرض ويُناقش تحت مظلة مهرجان سينمائي كبير في القاهرة. الشرعية المؤسسية هنا مهمة للغاية، لأنها تساعد صناع الأفلام الشباب على التعامل مع XR باعتباره مسارًا مهنيًا محتملًا، لا مجرد هواية رقمية.
2) لأن النسخة الأولى قدمت نموذجًا قابلًا للبناء
نجاح الدورة الأولى، بحسب بيان المهرجان، لم يكن في عدد الأعمال فقط، بل في طريقة العرض نفسها. فقد صيغت التجربة الأولى، وفق التغطية المحلية، كمسار متصل ينتقل فيه الزائر من منشأة إلى أخرى، بما يمنح الإحساس بعمل سردي مركب لا بمجموعة عروض منفصلة. هذا مهم لصناع السينما لأن الدرس هنا ليس تقنيًا فقط، بل تنظيمي وإخراجي: كيف تُبنى تجربة كاملة للجمهور من أول دخول القاعة حتى الخروج منها.
3) لأن القاهرة تملك بنية ثقافية قادرة على التجريب
استضافة النسخة الافتتاحية في مركز الهناجر للفنون، مع تمركز المهرجان في دار الأوبرا المصرية، يكشفان أن البرنامج لا يتحرك في فراغ. القاهرة لديها فضاءات ثقافية وجمهور مهرجانات ونقاش نقدي يمكنه استيعاب هذا الشكل الجديد. ومع وجود منصات موازية داخل المهرجان مثل Cairo Industry Days، تصبح الفرصة أكبر لربط التجارب الغامرة بشبكات التطوير والإنتاج والتوزيع.
ما الذي يحتاجه صانع الفيلم المصري كي يستفيد من هذه اللحظة؟
الاستفادة من «Cairo’s XR» لن تتحقق بمجرد امتلاك فكرة «مختلفة»، بل عبر فهم أن الوسيط الجديد يحتاج إلى تطوير مبكر ومخطط له. ويمكن تلخيص ذلك في عدة مسارات:
- البدء من الفكرة لا من الجهاز: التكنولوجيا وحدها لا تكفي إذا لم تكن القصة مناسبة للشكل الغامر.
- الشراكة مع تخصصات أخرى: مطور ألعاب، مصمم صوت ثلاثي الأبعاد، فنان بصري، أو مهندس تفاعل.
- اختبار التجربة على جمهور صغير: لأن رد فعل المستخدم جزء من بناء العمل نفسه.
- التفكير في قابلية العرض: أين سيُعرض العمل؟ في مهرجان، مركز فني، جامعة، أم مساحة مستقلة؟
هذا النوع من الأسئلة قد يدفع بعض صناع الأفلام المصريين إلى إعادة تصور مشاريعهم الوثائقية أو الروائية أو حتى الأرشيفية. تخيل مثلًا مشروعًا عن ذاكرة حيّ قاهري، أو عن موقع أثري، أو عن سيرة شخصية عامة، يُبنى ليُختبر مكانيًا لا ليُشاهد فقط. هنا يمكن أن يصبح XR امتدادًا طبيعيًا لاهتمامات مصرية أصيلة، لا نسخة مستوردة من اتجاه عالمي.
من التجريب إلى الصناعة: هل نحن أمام مسار جديد فعلًا؟
لا يزال من المبكر الحديث عن صناعة XR مصرية مكتملة، لكن المؤشرات الحالية تقول إن الباب صار مفتوحًا على الأقل. فوجود برنامج متخصص داخل مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، وعودته لنسخة ثانية في الدورة 47، يعني أن التجربة لم تُعامل كحدث عابر. كما أن تحديد فترة تقديم واضحة بين 14 يونيو و31 يوليو 2026، ضمن دورة تُقام في 11–20 نوفمبر 2026، يمنح صناع المحتوى إطارًا زمنيًا عمليًا للتحضير والتقديم.
الأهم من ذلك أن إدراج الوسائط الغامرة داخل مؤسسة سينمائية مصرية كبرى يبعث برسالة إلى السوق الثقافي المحلي: المستقبل ليس محصورًا في شاشة واحدة. وإذا نجح «Cairo’s XR» في استقطاب مزيد من الأعمال المصرية، أو في تشجيع شراكات بين السينمائيين والمبرمجين والمصممين، فقد يتحول من قسم متخصص إلى معبر حقيقي نحو جيل جديد من الحكايات المصرية.
الخلاصة
فتح باب التسجيل لبرنامج «Cairo’s XR» ليس مجرد خبر تنظيمي سابق على انطلاق مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، بل إشارة إلى تغير أوسع في طريقة التفكير في السينما نفسها داخل مصر. بين تاريخ مهرجان تأسس عام 1976، ومكانته الدولية، وتجربة أولى قدمت 7 أعمال غامرة بينها 4 أعمال مصرية، تبدو النسخة الثانية فرصة فعلية أمام صناع السينما المصرية لتجربة أدوات جديدة للسرد، وإعادة تعريف العلاقة بين الحكاية والجمهور والمكان. وإذا أحسن القطاع المستقل والمؤسسات الثقافية والجيل الشاب التقاط هذه اللحظة، فقد يصبح السرد الغامر أحد أكثر المسارات إثارة في مستقبل السينما المصرية.