كيف يفتح «أربعتاشر» بابًا جديدًا للسينما المصرية في تورنتو؟
لحظة مصرية مختلفة في مهرجان بحجم تورنتو
حين ينطلق عرض الفيلم القصير المتحرك «أربعتاشر» للمخرج المصري سامح علاء ضمن فعاليات الدورة الـ51 من مهرجان تورنتو السينمائي الدولي، المقامة من 10 إلى 20 سبتمبر 2026، فإن المسألة لا تتعلق فقط بظهور اسم مصري جديد في برنامج دولي كبير، بل بلحظة تحمل دلالات أوسع على مستوى شكل السينما المصرية نفسها، وحدودها الفنية، وطريقة تقديمها للعالم. الخبر المؤكد أن الفيلم سيشهد عرضه العالمي الأول في تورنتو، وأن اختياره جاء ضمن مسابقة Platform الرسمية، بحسب ما أعلنته مصادر صحفية مصرية وتغطيات دولية للبرنامج.
الأهمية هنا مضاعفة. فمسابقة Platform هي القسم التنافسي الرسمي الوحيد في مهرجان تورنتو، والمصمم للاحتفاء بالأصوات الإخراجية ذات الرؤية الواضحة. وفي نسخة 2026 ضم البرنامج 12 فيلمًا فقط، مع جائزة نقدية قيمتها 20 ألف دولار كندي، فيما يرأس لجنة التحكيم هذا العام المخرج الأرجنتيني بابلو ترابيرو، بعضوية Amma Asante وSylvia Chang وLuc Déry وAlbert Lee. هذا يضع أي فيلم داخل المسابقة في مساحة نقدية مركزة، لا في هامش برامجي واسع.
ما هو «أربعتاشر» فعلًا؟
بحسب المعلومات المنشورة عن الفيلم، يحمل «أربعتاشر» بالإنجليزية عنوان The Day I Smoked a Cigarette with My Father، وهو فيلم قصير متحرك يستند إلى قصة شخصية كتبها سامح علاء. تدور أحداثه في القاهرة عام 1964 حول الطفل «علاء» ذي الاثني عشر عامًا، الذي يعيش مع أشقائه الثلاثة الأصغر، قبل أن تنقلب حياتهم مع عودة الأب «إبراهيم» بشكل مفاجئ بعد غياب طويل. وتشير مصادر العرض إلى أن عودة الأب مرتبطة بخروجه من السجن، ما يضيف ثقلًا نفسيًا وطبقة اجتماعية وسياسية إلى الحكاية من دون أن يفقدها بعدها الإنساني الحميم.
اللافت أيضًا أن الفيلم يخرجه سامح علاء بالتعاون مع المخرج الفرنسي روبن فوتيرز، بينما يتولى فوتيرز المعالجة البصرية والرسوم المتحركة، في شراكة تجمع الحس السردي المصري بخبرة تنفيذية أوروبية في الأنيميشن. كما ذُكر أن الفيلم من إنتاج جهات بينها Black Boat وWhite Boat وFig Leaf Studios، في صيغة إنتاجية تعكس طبيعة السينما المستقلة العابرة للحدود التي أصبحت شرطًا شبه أساسيًا للوصول إلى المنصات والمهرجانات الكبرى.
لماذا تبدو هذه المشاركة جديدة فعلًا للسينما المصرية؟
الجديد الأول هو الوسيط نفسه. السينما المصرية حاضرة تاريخيًا في الروائي الطويل والقصير الحي، لكنها أقل حضورًا على مستوى الأفلام القصيرة المتحركة ذات الطابع الشخصي الموجه للمهرجانات الدولية. «أربعتاشر» لا يذهب إلى الأنيميشن بوصفه شكلًا زخرفيًا أو موجهًا للأطفال، بل كوسيلة لاستعادة ذاكرة عائلية، وإعادة بناء القاهرة الستينيات، وتشكيل علاقة ملتبسة بين ابن وأب غائب. هنا يصبح التحريك أداة درامية، لا مجرد تقنية.
الجديد الثاني هو استمرارية المسار. سامح علاء ليس اسمًا ظهر فجأة. هو المخرج الذي حصد السعفة الذهبية للفيلم القصير في مهرجان كان 2020 عن «أخشى أن أنسى وجهك»، في إنجاز استثنائي عربي ومصري، ثم واصل تطوير مشاريعه القصيرة والرسومية، وظهر مشروع «The Day I Smoked a Cigarette with My Father» سابقًا في منصات تطوير دولية مثل Berlinale Talents وAnnecy Mifa، قبل أن يصل اليوم إلى عرضه العالمي الأول في تورنتو. هذا يعني أن «أربعتاشر» ليس صدفة، بل نتيجة رحلة تطوير طويلة ومحسوبة.
الجديد الثالث هو نوعية الاعتراف الدولي. تورنتو ليس مهرجانًا نخبويًا مغلقًا فقط، بل واحدة من أهم بوابات العبور إلى السوق الدولية والجوائز والنقاش النقدي الأوسع، خصوصًا مع بقاء Platform مسابقة محدودة العدد عالية التركيز. كما أن التغييرات التي أُعلن عنها في 2026 تمنح الفيلم الفائز غير الناطق بالإنجليزية أهلية مباشرة للمنافسة على أوسكار أفضل فيلم دولي، ما يزيد من وزن المسابقة ورمزيتها داخل الدورة الحالية.
سامح علاء ومسار يتجاوز نجاح «ستاشر»
في القراءة المصرية المحلية، قد يكون أسهل اختزال لسامح علاء هو اعتباره «مخرج ستاشر» أو صاحب سعفة كان. لكن «أربعتاشر» يشير إلى شيء أكثر نضجًا: مخرج يبني عالمًا متصلًا لا يعتمد على تكرار النجاح السابق، بل على توسيع لغته. من «خمستاشر» إلى «ستاشر» ثم «أربعتاشر»، هناك إصرار على الاشتغال على العمر، والعتبة، والذكورة الهشة، والبيت باعتباره مسرحًا للتوتر العاطفي والاجتماعي. كما أن انتقاله إلى مشروع تحريك شخصي يوضح رغبته في الذهاب إلى منطقة أصعب إنتاجيًا وأكثر تحررًا بصريًا.
هذه النقلة مهمة للسينما المصرية لأن سؤالها لم يعد: هل يمكن لفيلم مصري أن يصل إلى مهرجان كبير؟ هذا تحقق مرارًا. السؤال الأحدث هو: أي نوع من الأفلام المصرية يصل؟ وهل يمكن أن يصل فيلم لا يعتمد على النجوم، ولا على الصناعة التجارية، ولا حتى على الصورة الواقعية التقليدية؟ «أربعتاشر» يقدم إجابة عملية: نعم، إذا امتلك المشروع هوية فنية واضحة وبنية إنتاجية ذكية.
ماذا تعني Platform تحديدًا لفيلم مصري؟
اختيار الفيلم داخل Platform بدل قسم غير تنافسي أو جانبي يمنحه موقعًا نقديًا مختلفًا. المسابقة، بحسب تعريفها المتداول من مهرجان تورنتو، تركز على «الرؤية الإخراجية الاستثنائية» و«أصوات المؤلفين». في السياق المصري، هذا التصنيف يضع سامح علاء في خانة المخرج-المؤلف الذي يُتابع بوصفه صاحب مشروع، لا مجرد صانع فيلم ناجح واحد. وهذه مسافة مهمة لأي سينمائي مصري يريد بناء مكانة مستدامة في الخريطة العالمية.
كما أن وجود اسم مصري في برنامج تنافسي شديد الانتقائية يلفت الأنظار إلى منظومة إنتاج مستقلة كاملة: منتجون، واستوديوهات صغيرة، وشركاء أوروبيون وعرب، ومسارات تطوير دولية. بالنسبة للقارئ المصري، هذا يهم لأنه يوضح أن الطريق إلى العالمية لم يعد محصورًا في الأفلام الطويلة الضخمة، بل صار مفتوحًا أيضًا أمام الفيلم القصير إذا امتلك فرادته.
كيف ينعكس ذلك على صورة السينما المصرية اليوم؟
السينما المصرية التي يتابعها الجمهور محليًا ما زالت تُقاس غالبًا بشباك التذاكر ومواسم الأعياد، لكن صورتها في الخارج تتشكل أيضًا عبر مهرجانات كبرى ومشاريع مستقلة تبحث عن أشكال جديدة للحكي. «أربعتاشر» يضيف إلى هذه الصورة عنصرين مهمين: الذاكرة المصرية بوصفها مادة سردية قابلة للترجمة عالميًا، والأنيميشن بوصفه مجالًا فنيًا يمكن أن يحمل حساسية مصرية خالصة.
القاهرة في 1964، وطفل يستقبل أبًا عاد بعد غياب، ومشاعر مختلطة بين الفرح والريبة: هذه ليست حكاية محلية ضيقة، لكنها أيضًا ليست قصة منزوعة الجذور. هنا تكمن قيمة الفيلم المحتملة. فهو لا يقدّم مصر كديكور exotic، بل كعالم حي بتفاصيله العائلية والنفسية. وهذه بالتحديد هي اللغة التي تفهمها المهرجانات الكبرى اليوم: الخصوصية التي تصل إلى الإنسانية، لا العمومية الفارغة.
الخلاصة: لماذا تستحق هذه المحطة المتابعة؟
لأن «أربعتاشر» قد يصنع لحظة جديدة للسينما المصرية من أكثر من باب في وقت واحد: باب الشكل، لأنه فيلم متحرك شخصي وناضج؛ وباب المسار، لأنه يأتي من مخرج مصري راكم حضورًا دوليًا منذ سعفة كان؛ وباب الموقع، لأنه يدخل إلى قلب المنافسة في Platform داخل تورنتو 2026، لا إلى الهامش. وإذا كان الفيلم سيُقاس لاحقًا بردود الفعل النقدية ومسار عروضه بعد المهرجان، فإن مجرد وصوله إلى هذه النقطة يؤكد أن السينما المصرية المعاصرة تملك اليوم طاقة على التجريب والتدويل وبناء المشاريع الفنية طويلة النفس.
- العرض العالمي الأول: مهرجان تورنتو السينمائي الدولي 2026.
- تاريخ المهرجان: من 10 إلى 20 سبتمبر 2026.
- القسم: مسابقة Platform الرسمية.
- عنوان الفيلم بالإنجليزية: The Day I Smoked a Cigarette with My Father.
- المخرجون: سامح علاء وروبن فوتيرز.
- زمن ومادة الفيلم: فيلم قصير متحرك بالعربية.
وبالنسبة للمتابع المصري، فهذه ليست فقط حكاية فيلم في مهرجان، بل علامة على أن «السينما المصرية» ما زالت قادرة على مفاجأتنا حين تبتعد قليلًا عن القوالب المألوفة، وتذهب بثقة إلى حيث تُصنع السمعة الفنية الحقيقية. كما أن مهرجان تورنتو نفسه يعرّف حضوره الرقمي عبر الحساب الرسمي TIFF (@tiff_net على إنستغرام)، وهو ما يعكس حجم المنصة التي يدخلها الفيلم في هذه الدورة.