Egypt Box Office

كيف يعيد «القومي للسينما» أفلام الحرب إلى جمهور المحافظات؟

عودة أفلام الحرب المصرية إلى المجال العام

في أكتوبر 2026، لا يكتفي المركز القومي للسينما بالاحتفاء الرمزي بذكرى نصر أكتوبر، بل يقدّم نموذجًا عمليًا لكيف يمكن لمؤسسة سينمائية حكومية أن تعيد أفلام الحرب المصرية إلى التداول الثقافي خارج القاهرة. البرنامج المعلن هذا الشهر يضم عرض مجموعة أفلام «معركة الوعي» يوم 7 أكتوبر 2026 في مركز الثقافة السينمائية، ثم عرض النسخة المرممة من فيلم «صائد الدبابات» للمخرج خيري بشارة يوم 14 أكتوبر 2026 إلى جانب فيلم «تحية لمقاتل مصري»، بينما تمتد العروض يوم 28 أكتوبر 2026 إلى مكتبات مصر المتنقلة في 26 محافظة. هذا الترتيب الزمني يكشف بوضوح أن الفكرة ليست مجرد استعادة فيلم قديم، بل بناء مسار متدرج يبدأ من العرض المركزي ثم يتسع نحو الجمهور الأبعد جغرافيًا.

لماذا «صائد الدبابات» تحديدًا؟

اختيار «صائد الدبابات» ليس تفصيلاً عابرًا داخل برنامج أكتوبر. الفيلم التسجيلي الذي أخرجه خيري بشارة يحكي قصة البطل محمد عبد العاطي، المجند المصري ابن الشرقية، الذي ارتبط اسمه في الذاكرة العامة بلقب «صائد الدبابات» بعد تدمير 23 دبابة إسرائيلية خلال حرب أكتوبر، وفق البيانات التعريفية المتداولة عن الفيلم. كما تؤكد مصادر توثيقية لسيرة خيري بشارة أن «صائد الدبابات» يعود إلى 1974 ويُعد من بداياته التسجيلية المهمة بعد عودته من بولندا، قبل أن يصبح أحد أبرز وجوه الواقعية الجديدة في السينما المصرية.

أهمية الفيلم هنا مزدوجة: فهو من ناحية يوثق بطولة فردية قابلة للتلقي الشعبي المباشر، ومن ناحية أخرى يحمل قيمة سينمائية في مسار مخرج كبير مثل خيري بشارة (@khairy_beshara على إنستغرام)، ما يجعله صالحًا لأن يُستقبل بوصفه وثيقة وطنية وعملًا فنيًا في الوقت نفسه. هذه الازدواجية هي ما يمنح النسخة المرممة معنى أكبر من مجرد تحسين تقني للصورة؛ فهي تعيد تقديم الفيلم كجزء من تراث السينما المصرية، لا كـ«مادة أرشيفية» منسية.

من الترميم إلى إعادة التقديم

عرض نسخة مرممة من فيلم حربي مصري يعود إلى السبعينيات يحمل دلالة ثقافية واضحة. فالمركز القومي للسينما، برئاسة الدكتور أحمد صالح، لا يطرح الفيلم فقط لأنه مناسب للمناسبة الوطنية، بل لأنه يريد أن يعبر به من حالة الأرشيف إلى حالة التداول المعاصر. الترميم هنا هو الخطوة الأولى، أما الخطوة الأهم فهي إعادة التقديم: اختيار توقيت العرض، وضع الفيلم داخل برنامج أكتوبر، ربطه بفيلم آخر مثل «تحية لمقاتل مصري»، ثم توسيع النقاش عبر برنامج «معركة الوعي». بهذه الآلية يصبح الفيلم القديم جزءًا من حديث حاضر عن الذاكرة والانتماء وصورة المقاتل المصري في الثقافة البصرية.

ما الذي يضيفه برنامج «معركة الوعي»؟

إذا كان «صائد الدبابات» يقدّم البطولة في صورتها الشخصية والدرامية، فإن برنامج «معركة الوعي» يوسّع الإطار باتجاه التفسير الثقافي. عنوان البرنامج نفسه يكشف أن المسألة لم تعد محصورة في استذكار الحرب كحدث عسكري، بل في قراءة ما أنتجته الحرب من معانٍ داخل المجتمع المصري: الثقة، والانتماء، وإدراك قيمة الدولة، وكيفية مخاطبة أجيال لم تعش 1973 أصلًا. لذلك يبدو وضع «معركة الوعي» في بداية البرنامج يوم 7 أكتوبر، قبل عرض «صائد الدبابات» في 14 أكتوبر، ترتيبًا مقصودًا: تمهيد ذهني أولًا، ثم استدعاء العمل السينمائي الأقدم بوصفه شاهدًا حيًا.

هذه الفكرة تلتقي أيضًا مع ما نفذته جهات ثقافية أخرى في المحافظات خلال احتفالات أكتوبر، حيث جمعت الهيئة العامة لقصور الثقافة بين محاضرات عن «معركة الوعي» وعرض فيلم وثائقي بعنوان «صائد الدبابات» ضمن فعالياتها في مناطق الإسكان الآمن مثل «أهالينا». هذا التوازي بين مؤسسات الثقافة الرسمية يؤكد أن أفلام الحرب لم تعد تُعامل فقط كتراث سينمائي، بل كوسيط تربوي وتوعوي قابل للتحرك بين القاعات والقصور والمكتبات المتنقلة.

كيف يصل البرنامج إلى جمهور المحافظات؟

النقطة الأهم في خطة أكتوبر 2026 هي أن العروض لا تبقى حبيسة وسط البلد أو النخبة السينمائية. فإعلان المركز القومي للسينما عن تخصيص يوم 28 أكتوبر 2026 لعرض أفلام عن انتصارات 6 أكتوبر عبر مكتبات مصر المتنقلة في 26 محافظة يفتح مسارًا مختلفًا للتوزيع الثقافي. هنا لا تنتظر المؤسسة من الجمهور أن يأتي إلى القاعة؛ هي التي تتحرك إلى الجمهور. في سياق تتراجع فيه شاشات السينما في كثير من المحافظات، يصبح هذا النمط المتنقل وسيلة عملية لإعادة وصل الناس بأفلام وثائقية وتسجيلية قد لا تجد طريقها أصلًا إلى العرض التجاري.

والأهم أن جمهور المحافظات ليس كتلة واحدة. هناك طلاب مدارس وجامعات، وأسر، وأطفال، ومتلقيون يرتبطون بالمناسبة الوطنية أكثر مما يرتبطون بتاريخ الفيلم نفسه. لذلك يبدو الجمع بين أفلام قصيرة عن انتصارات أكتوبر، ونادي سينما الطفل يوم 21 أكتوبر، وعرض «صائد الدبابات» في جامعة بدر خلال الشهر، جزءًا من سياسة تنويع منصات التلقي: قاعة أرشيف، جامعة، مكتبة متنقلة، وعرض تثقيفي جماهيري.

أفلام الحرب بين الذاكرة الوطنية والذائقة الجديدة

التحدي الحقيقي أمام أي مشروع لإحياء أفلام الحرب المصرية ليس فقط في إتاحة النسخ، بل في جعلها قابلة للمشاهدة عند جمهور اعتاد إيقاعًا بصريًا مختلفًا. هنا تظهر قيمة اختيار فيلم مثل «صائد الدبابات»، لأنه لا يعتمد على الخطاب التقريري وحده، بل على قصة إنسانية مباشرة حول بطل من الريف المصري تحوّل إلى رمز وطني. كما أن مكانة خيري بشارة داخل تاريخ السينما المصرية تمنح الفيلم نقطة دخول إضافية لدى جمهور مهتم بالسينما نفسها، لا بالموضوع الوطني فقط.

بهذا المعنى، يستخدم المركز القومي للسينما ترميم الفيلم وبرنامج «معركة الوعي» كأداتين متكاملتين: الأولى تحافظ على المادة، والثانية تعيد إنتاج السياق. ومن دون هذا السياق، تبقى أفلام الحرب معرضة لأن تُستدعى مرة كل عام ثم تعود إلى الصمت. أما حين تُوضع داخل برنامج ممتد، وعبر منافذ عرض موزعة على المحافظات، فإنها تستعيد وظيفتها الأساسية بوصفها جزءًا من السردية الثقافية المصرية.

لماذا تبدو تجربة أكتوبر 2026 مهمة؟

لأنها تقدم تصورًا واضحًا لدور المؤسسة العامة في إدارة الذاكرة السينمائية. المركز القومي للسينما لا يعرض «صائد الدبابات» بوصفه أثرًا من الماضي فقط، بل يربطه بخطاب معاصر عن الوعي، ويخرجه من المركز إلى الأطراف، ومن القاعة إلى المحافظات. وفي بلد بحجم مصر، حيث تتفاوت فرص الوصول إلى الفعاليات الثقافية من محافظة إلى أخرى، يصبح هذا التحرك مهمًا خصوصًا عندما يتعلق بتراث مصري خالص ينتمي إلى قسم السينما المصرية بمعناه الأكثر مباشرة: أفلام صنعت هنا، عن أبطال مصريين، وذاكرة مصرية، ولمخاطبة جمهور مصري.

إذا نجحت هذه الصيغة في استقطاب جمهور جديد خلال أكتوبر 2026، فربما تصبح نموذجًا يمكن البناء عليه لاحقًا: مزيد من النسخ المرممة، ومزيد من البرامج الموضوعية، ومزيد من التوزيع خارج العاصمة. عندها لن تكون أفلام الحرب المصرية مجرد محتوى موسمي يُستعاد في ذكرى العبور، بل جزءًا متجددًا من علاقة المحافظات بتاريخها المصوَّر.