كيف يستثمر «القاهرة السينمائي» زخم الصين لتصدير الفيلم المصري؟
من الاحتفاء الرمزي إلى بناء سوق حقيقية للفيلم المصري
جاء إطلاق «أسبوع الأفلام المصرية» ضمن الدورة الثالثة عشرة من مهرجان طريق الحرير السينمائي الدولي في مدينة شيان الصينية ليمنح الحضور المصري بعدًا عمليًا يتجاوز فكرة «ضيف الشرف». فبحسب ما أُعلن في 20 سبتمبر 2026، افتتح الدكتور أحمد صالح، رئيس المركز القومي للسينما، فعاليات الأسبوع بحضور وفد سينمائي مصري رفيع، بينما ألقى أحمد مجدي، نائب السفير المصري لدى الصين، كلمة الافتتاح. وشهدت البداية عرض فيلم «عيد ميلاد سعيد» للمخرجة سارة جوهر، إلى جانب برنامج ضم أيضًا «ولنا في الخيال حب» لسارة رزيق، و«بنات الباشا» لمحمد العدل، و«ودخل الربيع يضحك» لنهى عادل، فضلًا عن الفيلم الكلاسيكي «الناس والنيل» ليوسف شاهين. هذا التنوع بين الجديد والكلاسيكي مهم لأنه يقدم للصين صورة أوسع عن هوية السينما المصرية، لا مجرد عينة احتفالية عابرة.
لماذا تعد الصين فرصة مختلفة للسينما المصرية؟
السؤال هنا ليس ما إذا كانت المشاركة المصرية لافتة، بل كيف يمكن تحويلها إلى مسار تصدير منظم. السوق الصينية تعد من أكبر أسواق السينما في العالم، ولذلك فإن مجرد الوصول إلى منصات العرض، أو إلى شركات توزيع تتعامل مع الأفلام الأجنبية، يفتح بابًا مختلفًا تمامًا عن الاكتفاء بجولات المهرجانات. ولهذا بدا لافتًا أن تحركات مهرجان القاهرة السينمائي الدولي لم تقتصر على الوجود البروتوكولي، بل شملت لقاءات مهنية مباشرة مع مهرجانات ومؤسسات وشركات صينية معنية بالتوزيع والإنتاج والبرمجة.
في هذا السياق، كان الفنان حسين فهمي، رئيس مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، في صدارة هذا الحضور المصري. وخلال الفعاليات الأخيرة في الصين، أكد فهمي أن المهرجان حريص على استمرار عرض الأفلام الصينية ضمن برامجه، ويتطلع إلى توسيع مجالات التعاون في الإنتاج المشترك وتبادل الخبرات بين صناع السينما في مصر والصين، كما دعا السينمائيين الصينيين للمشاركة في الدورة المقبلة من مهرجان القاهرة السينمائي المقررة من 11 إلى 20 نوفمبر 2026.
توقيع التعاون الجديد: ماذا يعني عمليًا؟
الأهم في زيارة الصين الأخيرة كان ما أُعلن عنه يوم 22 سبتمبر 2026 خلال «حوار صناعة السينما»، حيث شهدت الفعاليات توقيع تعاون استراتيجي بين مهرجان طريق الحرير السينمائي الدولي ومهرجان القاهرة السينمائي. ووفق ما نُشر عن الاتفاق، فهو يستهدف توسيع آفاق الشراكة بين المهرجانين، وإتاحة فرص أكبر لتبادل الأفلام والخبرات والبرامج الفنية، إلى جانب دعم التواصل المؤسسي بين صناع السينما في مصر والصين.
هذه الصياغة قد تبدو عامة للوهلة الأولى، لكنها في عرف الصناعة تعني ثلاث نقاط أساسية: أولًا، زيادة فرص اختيار الأفلام المصرية للعرض داخل دوائر صينية مؤثرة؛ ثانيًا، تسهيل حضور صناع الأفلام المصريين إلى المنصات المهنية في الصين؛ وثالثًا، توسيع شبكة العلاقات التي قد تقود لاحقًا إلى توزيع تجاري أو إنتاجات مشتركة. وهنا تحديدًا يظهر دور مهرجان القاهرة بوصفه أكثر من مهرجان عروض؛ أي باعتباره مؤسسة وسيطة يمكنها التفاوض وفتح الأبواب وربط المنتجين والمخرجين المصريين بشركاء آسيويين.
زخم لم يبدأ من شيان فقط
ما يحدث الآن ليس خطوة منفصلة، بل حلقة ضمن مسار تصاعدي في علاقة مهرجان القاهرة بالمؤسسات الصينية خلال 2026. ففي يوليو الماضي، شارك المهرجان في أسبوع الحزام والطريق للسينما ضمن مهرجان شنغهاي السينمائي الدولي، حيث أجرى محمد سيد عبد الرحيم، مدير أيام القاهرة لصناعة السينما، اجتماعات مع إدارة مهرجان شنغهاي لبحث ترشيح أفلام وصناع أفلام مصريين للدورات المقبلة، والعمل على جعل مهرجان القاهرة وملتقى القاهرة السينمائي بوابة موثوقة لاكتشاف المشاريع والمواهب العربية الجديدة.
والأكثر دلالة أن عبد الرحيم التقى أيضًا بممثل عن شركة Hua Xia Film Distribution، التي وصفها المهرجان بأنها أكبر شركة صينية لتوزيع الأفلام الأجنبية في الصين. هذا النوع من الاجتماعات بالغ الأهمية، لأن أزمة الفيلم المصري تاريخيًا ليست في الإنتاج فقط، بل في الوصول إلى شبكات العرض والتوزيع خارج المنطقة العربية. وإذا نجح مهرجان القاهرة في ترسيخ نفسه كمنصة ترشيح موثوقة للأفلام العربية والمصرية أمام موزعين صينيين كبار، فإن ذلك قد يغير طبيعة حضور الفيلم المصري من حضور مهرجاني محدود إلى نفاذ أوسع داخل سوق استهلاكية ضخمة.
شبكة الشراكات تتسع.. وهذا هو مغزاها
قبل أسابيع من محطة طريق الحرير، كان مهرجان القاهرة قد وسّع خريطته الصينية بتوقيع اتفاق توأمة ومذكرة تفاهم شاملة مع مهرجان هاينان الدولي للأفلام. وأوضح المهرجان أن هذه الشراكة تمثل رابع تعاون رسمي مع كيانات سينمائية كبرى في الصين، بعد شراكات سابقة مع جوائز الباندا الذهبية ومهرجان شنغهاي السينمائي الدولي ومهرجان بكين السينمائي الدولي. كما جرى الاتفاق على تفعيل التعاون خلال الدورة السابعة من مهرجان هاينان المقررة في ديسمبر 2026.
اتساع هذه الشبكة مهم لأن التصدير الثقافي لا يعتمد على اتفاق واحد. النجاح هنا يحتاج إلى مسارات متوازية: منصة عرض، وشريك توزيع، ونافذة إعلامية، وقنوات لصناعة العلاقات المهنية. ولهذا تبدو مذكرات التفاهم المتعددة جزءًا من بنية أكبر يسعى إليها مهرجان القاهرة تحت رئاسة حسين فهمي: بناء وجود مؤسسي مستدام للسينما المصرية في آسيا، لا الاكتفاء بتمثيل احتفالي في حدث واحد.
وماذا عن الشراكة الإعلامية؟
العامل الإعلامي حاضر بقوة أيضًا. ففي مطلع سبتمبر 2026 كُشف عن مذكرة تفاهم بين مهرجان القاهرة السينمائي الدولي ومجموعة الصين للإعلام تستهدف تهيئة الظروف الملائمة للتبادل السينمائي بصورة منتظمة، إلى جانب ترشيح الأفلام وصناع السينما والمهنيين للمشاركة في مهرجانات وفعاليات الجانبين. كما شملت المباحثات توفير تغطية دولية موسعة لفعاليات مهرجان القاهرة عبر المنصات والشاشات الصينية، وتسهيل حضور الوفود الإعلامية والمراسلين الصينيين.
هذا البعد لا يقل أهمية عن العروض نفسها، لأن تصدير السينما في 2026 لم يعد يرتبط فقط ببيع الفيلم، بل أيضًا ببناء صورة ذهنية مستمرة حول الصناعة المصرية، وخلق فضول لدى جمهور جديد تجاه نجومها وحكاياتها واتجاهاتها الجمالية. كلما زادت التغطية الإعلامية الموثوقة، زادت فرص انتقال الأفلام المصرية من خانة «السينما الأجنبية النخبوية» إلى مساحة الاهتمام الأوسع.
كيف يمكن أن يستفيد الفيلم المصري فعليًا؟
الاستفادة الحقيقية ستظهر إذا استطاع مهرجان القاهرة توظيف هذا الزخم في ملفات محددة، منها:
- ترشيح أفلام مصرية معاصرة لبرامج عرض منتظمة في الصين، لا سيما الأعمال التي تمتلك قدرة على العبور الثقافي.
- دعم المشاريع المصرية عبر ملتقى القاهرة السينمائي لتصل إلى شركاء تمويل وتوزيع آسيويين.
- توسيع فرص الإنتاج المشترك بما يتيح ميزانيات أكبر وانتشارًا أوسع.
- الاستفادة من الأرشيف المصري عبر إعادة تقديم الكلاسيكيات، كما حدث مع «الناس والنيل»، لتعريف جمهور جديد بتاريخ السينما المصرية.
- جذب ضيوف ومبرمجين وموزعين صينيين إلى القاهرة في دورة نوفمبر 2026، بما يحول المهرجان نفسه إلى منصة بيع وتفاوض.
لكن نجاح هذا المسار سيظل مشروطًا بوجود أفلام مصرية قابلة للتدويل، وخطط تسويق احترافية، ومتابعة تنفيذية لما بعد توقيع الاتفاقات. فالمذكرات وحدها لا تصنع اختراقًا، بينما الاستفادة من شبكة العلاقات الجديدة قد تمنح السينما المصرية فرصة نادرة للتموضع داخل واحدة من أهم الساحات الآسيوية.
الخلاصة
حضور مصر كضيف شرف في مهرجان طريق الحرير لم يكن مجرد لحظة دبلوماسية ناعمة، بل محطة اختبار لقدرة مهرجان القاهرة السينمائي على تحويل المكانة الرمزية إلى مكاسب صناعية. إطلاق أسبوع الأفلام المصرية، وتوقيع التعاون الاستراتيجي الجديد، وامتداد الشراكات إلى شنغهاي وبكين وهاينان ومجموعة الصين للإعلام، كلها مؤشرات إلى أن القاهرة تحاول بناء مسار تصدير مؤسسي للسينما المصرية نحو الصين. وإذا نجحت هذه الجهود في ربط العروض بالتمويل والتوزيع والترويج، فقد لا يبقى الخبر مجرد «أسبوع أفلام» في الخارج، بل يصبح بداية نافذة أكثر اتساعًا للفيلم المصري في آسيا.