Egypt Box Office

كيف يبني مهرجان القاهرة جسراً صينياً جديداً للفيلم المصري؟

بعد «أسبوع الأفلام المصرية» في شيان.. ما الذي يربحه مهرجان القاهرة؟

لم يعد الحضور المصري في الصين مجرد مشاركة بروتوكولية في مهرجان دولي، بل تحوّل في سبتمبر 2026 إلى لحظة اختبار حقيقية لقدرة مهرجان القاهرة السينمائي الدولي على تحويل العلاقات الثقافية إلى مسار عرض وترويج وتعاون إنتاجي مستدام للفيلم المصري. فمع انطلاق أسبوع الأفلام المصرية ضمن فعاليات الدورة الثالثة عشرة من مهرجان طريق الحرير السينمائي الدولي في مدينة شيان، وكون مصر أول دولة ضيف شرف في تاريخ المهرجان، بدا واضحاً أن إدارة مهرجان القاهرة تنظر إلى الصين كسوق ومجال نفوذ ثقافي جديد، لا كساحة ظهور عابر قبل الدورة السابعة والأربعين المقررة في القاهرة من 11 إلى 20 نوفمبر 2026.

الواجهة الأوضح لهذا التحرك كانت عبر الفنان حسين فهمي، رئيس مهرجان القاهرة السينمائي، الذي قاد الحضور المصري في شيان، وتحدث هناك عن تطور التعاون مع الجانب الصيني، موجهاً دعوة مباشرة إلى الأصدقاء الصينيين للمشاركة في دورة القاهرة المقبلة في نوفمبر 2026. هذا الربط بين المشاركة الخارجية والترويج المباشر لدورة القاهرة يكشف أن المهرجان لا يفصل بين الدبلوماسية الثقافية وبناء برنامجه الدولي المقبل.

اختيار مصر ضيف شرف.. سابقة يمكن البناء عليها

الأهمية هنا ليست في لقب «ضيف الشرف» وحده، بل في كونه سابقة داخل مهرجان طريق الحرير نفسه. تقارير مصرية متطابقة أكدت أن مصر هي أول دولة تُختار ضيف شرف في تاريخ المهرجان خلال دورته المقامة في شيان بين 19 و23 سبتمبر 2026. هذا يمنح المشاركة المصرية قيمة رمزية كبيرة، لكنه يمنح مهرجان القاهرة شيئاً أكثر عملية: أولوية تفاوضية مع المؤسسات والمهرجانات الصينية في لحظة اهتمام رسمي وثقافي واسع بمصر، بالتزامن مع مرور 70 عاماً على العلاقات الدبلوماسية المصرية الصينية.

ومن هنا يمكن فهم حضور أكثر من طرف مصري في الوفد، من بينهم الدكتور أحمد صالح رئيس المركز القومي للسينما، إلى جانب مسؤولين ومنتجين ومخرجين، باعتباره تحركاً مؤسسياً لا يقتصر على اسم نجم أو صورة على السجادة الحمراء. الرسالة المصرية في شيان كانت تقول إن القاهرة لا تروّج فقط لحدث مهرجاني، بل لشبكة صناعة يمكن للصين التعامل معها.

برنامج الأفلام نفسه يشرح الاستراتيجية

الرهان لم يكن على فيلم واحد، بل على صورة بانورامية للسينما المصرية. برنامج «أسبوع الأفلام المصرية» ضم أفلاماً حديثة وكلاسيكية، بينها «عيد ميلاد سعيد» للمخرجة سارة جوهر، و«ولنا في الخيال حب» للمخرجة سارة رزيق، و«بنات الباشا» للمخرج محمد العدل، و«ودخل الربيع يضحك» للمخرجة نهى عادل، إلى جانب الكلاسيكي «الناس والنيل» ليوسف شاهين. هذا الاختيار ليس عشوائياً؛ فهو يقدّم للمتلقي الصيني مزيجاً من التراث والراهن، ومن أفلام المؤلف والذاكرة السينمائية معاً.

بالنسبة لمهرجان القاهرة، هذا التنوع مهم جداً قبل دورة نوفمبر 2026، لأنه يعيد تعريف الفيلم المصري خارج القوالب الاستهلاكية الضيقة. بدلاً من تقديمه باعتباره منتجاً عربياً محلياً فقط، يُعاد عرضه كفن يمتلك تاريخاً كلاسيكياً، وتجارب نسائية معاصرة، وأصواتاً جديدة قابلة للحوار مع جمهور دولي. هذه نقطة شديدة الأهمية في أي خطة لاستعادة الحضور العالمي للسينما المصرية.

من العروض إلى الاتفاقات: أين تكمن القيمة الحقيقية؟

العروض وحدها لا تكفي. الأكثر أهمية أن مشاركة شيان شهدت توقيع تعاون استراتيجي بين مهرجان طريق الحرير السينمائي الدولي ومهرجان القاهرة السينمائي الدولي خلال فعاليات حوار صناعة السينما. هذه الخطوة ترفع المشاركة من مستوى الاحتفاء إلى مستوى الآلية المؤسسية، بما يفتح الباب لتبادل الأفلام والبرامج والخبرات، وربما استضافة وفود ومشروعات مشتركة في الدورات المقبلة.

ولأن مهرجان القاهرة تحرك منذ الشهور الماضية على أكثر من خط صيني، فإن ما جرى في شيان لا يبدو معزولاً. ففي أبريل 2026 أعلن المهرجان عن مباحثات لتوسيع آليات التعاون مع مهرجان بكين السينمائي الدولي، كما وقّع اتفاقية تآخٍ مع مهرجان جزيرة هاينان السينمائي. إدارة المهرجان نفسها وصفت اتفاق هاينان بأنه رابع تعاون رسمي يعقده مهرجان القاهرة مع كيانات سينمائية كبرى في الصين، بعد شراكات مع مهرجان الباندا الذهبي ومهرجان شنغهاي السينمائي الدولي ومهرجان بكين السينمائي الدولي. هذا يعني أن ما يحدث الآن ليس فعالية منفصلة، بل خريطة توسع آسيوية متدرجة.

لماذا الصين بالذات؟

الإجابة مرتبطة بثلاثة أسباب واضحة. أولاً، السوق الصينية واحدة من أكبر أسواق المشاهدة والتوزيع السينمائي في العالم، وبالتالي فإن مجرد فتح قنوات عرض وانتقاء وترويج فيها يمنح الفيلم المصري فرصة نادرة للتعريف بنفسه خارج دوائر المهرجانات التقليدية في أوروبا. ثانياً، المؤسسات الصينية المعنية بالسينما والإعلام تعمل عبر منصات ذات قدرة تنظيمية وإعلامية ضخمة، وهو ما ظهر حتى في تكريم حسين فهمي في أبريل 2026 خلال كرنفال ثقافة السينما في دلتا نهر يانغتسي بمدينة نينغبو، في فعالية نظمتها مجموعة الصين للإعلام، حيث ربط مهرجان القاهرة وقتها هذه المشاركة بهدف توسيع التغطية الإعلامية الدولية لدورته السابعة والأربعين ودعم فرص الإنتاج المشترك وفتح أسواق جديدة للسينما المصرية والعربية في آسيا.

أما السبب الثالث، فهو أن الصين تتيح لمهرجان القاهرة أن يعيد تقديم نفسه ليس فقط كأقدم مهرجان عربي أفريقي من فئة كبرى، بل كمنصة مركزية بين أفريقيا والعالم العربي وآسيا. وهنا تصبح قيمة المهرجان مضاعفة: هو ليس مجرد عارض لأفلام مصرية، بل بوابة إقليمية يمكن أن تستفيد منها الأطراف الصينية الراغبة في التواجد داخل المنطقة.

كيف يمكن أن ينعكس ذلك على دورة نوفمبر 2026؟

إذا أحسن مهرجان القاهرة استثمار ما جرى في شيان، فالمكاسب المحتملة قبل دورة نوفمبر تبدو ملموسة:

  • زيادة الحضور الصيني الرسمي والمهني في القاهرة، سواء عبر ضيوف أو مبرمجين أو ممثلي مهرجانات ومؤسسات.
  • توسيع مساحة الأفلام الصينية داخل برامج المهرجان، بما يجعل التبادل متوازناً ويمنح الشراكة طابعاً عملياً.
  • فتح باب الإنتاج المشترك أمام منتجين ومخرجين مصريين، خصوصاً مع تكرار الحديث الرسمي عن برامج تبادل تخدم صناع السينما في البلدين.
  • تحسين فرص تسويق الأفلام المصرية الجديدة في آسيا، سواء عبر عروض خاصة أو أسابيع سينمائية أو مشاركات موازية.
  • تعزيز صورة القاهرة كمركز حوار سينمائي بين الجنوب العالمي وآسيا، وهي زاوية باتت أكثر أهمية في خريطة المهرجانات الدولية.

التحدي الحقيقي: تحويل الزخم إلى نتائج

مع ذلك، يبقى التحدي الأكبر في ما بعد الصور والتصريحات. فالسؤال الذي يهم القارئ المصري وصناع السينما معاً هو: هل ستتحول هذه التحركات إلى فرص مشاهدة وتمويل وتوزيع حقيقية؟ النجاح هنا لن يُقاس فقط بعدد الاتفاقات، بل بما إذا كانت الأفلام المصرية التي عُرضت في شيان ستجد طريقها إلى دوائر أوسع، وبما إذا كانت دورة القاهرة في نوفمبر ستشهد حضوراً صينياً نوعياً ينعكس على الصناعة نفسها.

المؤكد حتى الآن أن مهرجان القاهرة، برئاسة حسين فهمي، لا ينتظر نوفمبر 2026 داخل حدود دار الأوبرا فقط، بل يذهب إلى الخارج ليصنع لنفسه وللفيلم المصري مساحة تفاوض جديدة. وإطلاق «أسبوع الأفلام المصرية» في الصين، داخل لحظة احتفاء رسمي بمصر كضيف شرف، قد يكون أهم بروفة دولية ينجزها المهرجان هذا العام: بروفة على كيفية استعادة الفيلم المصري مكانته عبر الشراكات الذكية، لا الاكتفاء بالحنين إلى التاريخ.