كيف مهد «The Frighteners» الطريق لثلاثية «سيد الخواتم»؟
فيلم سبق زمنه أم مشروع أُسيء تسويقه؟
حين يُذكر اسم المخرج النيوزيلندي بيتر جاكسون، يتجه الذهن فورًا إلى ثلاثية «سيد الخواتم» التي غيّرت شكل أفلام الفانتازيا في الألفية الجديدة. لكن قبل ذلك بخمس سنوات تقريبًا، كان جاكسون قد قدّم فيلم The Frighteners عام 1996، وهو عمل يمزج بين الرعب والكوميديا والخيال الخارق للطبيعة، بطولة مايكل جي فوكس (@realmikejfox على إنستغرام). الفيلم لم يحقق النجاح التجاري الذي كانت تطمح إليه يونيفرسال، لكنه اكتسب لاحقًا مكانة خاصة لدى جمهور أفلام النوع، كما بدا اليوم وكأنه بروفة كبيرة لما سيفعله جاكسون لاحقًا على نطاق أضخم بكثير.
الفيلم طُرح في الولايات المتحدة يوم 19 يوليو 1996 عبر Universal Pictures (@universalpictures على إنستغرام)، وافتتح بإيرادات محلية بلغت 5.56 مليون دولار من 1669 دار عرض، قبل أن ينهي مشواره في السوق الأميركية عند نحو 16.76 مليون دولار، وبإجمالي عالمي يقارب 29.36 مليون دولار. هذه الأرقام تضعه بوضوح ضمن الأعمال التي لم تجد جمهورًا واسعًا وقت العرض الأول، رغم حملة الاستوديو وتوقيت الصيف الذي كان يُفترض أن يخدمه.
عن ماذا تدور الحكاية؟
في قلب الفيلم شخصية فرانك بانيستر، التي يجسدها مايكل جي فوكس بقدر لافت من الخفة والمرارة معًا. فرانك رجل فقد زوجته في حادث مأساوي، ثم اكتشف أنه بات قادرًا على رؤية الأشباح والتواصل معها. بدل أن يحول هذه القدرة إلى رسالة نبيلة، يستغلها في نصبٍ صغير: ينسق مع أرواح تعرفه كي تفتعل «نشاطًا خارقًا» داخل البيوت، ثم يدخل هو باعتباره خبيرًا لطرد الأشباح مقابل أجر.
هذه البداية تمنح الفيلم نبرة ساخرة ومسلية، لكن جاكسون لا يكتفي بالكوميديا السوداء. فمع تصاعد الوفيات في البلدة، يتحول السرد تدريجيًا إلى حكاية أكثر ظلمة، فيها قاتل متسلسل، وهلاوس بصرية، ومطاردات بين عالمي الأحياء والأموات. هنا تكمن قوة الفيلم: هو ليس رعبًا خالصًا، ولا كوميديا خفيفة، بل مزيج متوتر بين النوعين، وهذا بالضبط ما جعله صعب التسويق جماهيريًا في التسعينيات، لكنه أيضًا ما يمنحه تميزه اليوم.
أسباب التعثر في شباك التذاكر
الأرقام وحدها لا تحكي كل شيء. الفيلم دخل سباق الصيف الأميركي في لحظة مزدحمة للغاية. فقد جاء عرضه بعد أسابيع من الهيمنة الكاسحة لفيلم Independence Day على شباك التذاكر في صيف 1996، وهو ما جعل المنافسة على الجمهور أكثر صعوبة. كما أن The Frighteners لم يكن فيلمًا سهل التصنيف بالنسبة للمشاهد العادي: هل هو رعب؟ أم كوميديا؟ أم فيلم مؤثرات بصرية؟ هذا الالتباس غالبًا أضعف جاذبيته التجارية.
عامل آخر مهم كان التصنيف العمري R. بيانات The Numbers توضح أن الفيلم حصل على تصنيف R for terror/violence، وهو تصنيف يضيّق قاعدة الجمهور مقارنةً بفيلم كان يمكن أن يستفيد أكثر لو حصل على PG-13، خاصة مع نجم جماهيري مثل مايكل جي فوكس. في سوق يعتمد على جمهور الشباب في موسم الصيف، كان لهذا القرار أثر مباشر على قدرة الفيلم في البيع والانتشار.
إلى جانب ذلك، فإن اختيار 19 يوليو 1996 كموعد طرح وضعه في لحظة إعلامية مزدحمة؛ وهي الفترة نفسها التي تزامنت مع انطلاق أولمبياد أتلانتا في اليوم نفسه، ما سحب جزءًا من الاهتمام الإعلامي والجماهيري. وحتى مع افتتاح مقبول نسبيًا، هبطت إيراداته في الأسبوع التالي بنسبة تقارب 50%، وهو مؤشر على أن الزخم لم يستمر طويلًا.
لماذا يستحق إعادة الاكتشاف اليوم؟
بعيدًا عن الحسابات التجارية، يظل The Frighteners فيلمًا ممتعًا وذكيًا في بنائه البصري. جاكسون يملأ الشاشة بحركة مستمرة، وانتقالات حادة بين المزاح والهلع، مع حسّ كرتوني أحيانًا يذكر بأعماله الأولى قبل أن يصبح اسمًا ضخمًا في هوليوود. كما أن أداء مايكل جي فوكس يمنح الفيلم مركز ثقل إنسانيًا؛ فهو لا يلعب دور بطل نبيل تقليدي، بل رجلًا مرتبكًا ومرهقًا نفسيًا، وهذا ما يضيف للشخصية عمقًا غير متوقع.
الفيلم يضم أيضًا أسماء لافتة مثل تْريني ألفارادو وجيفري كومبس وجون أستن ودي والاس. لكن اللافت فعلًا هو كيف ينجح جاكسون في توظيف هذه الشخصيات داخل عالم شديد الخصوصية، فيه أرواح هزلية من جهة، وشر حقيقي من جهة أخرى. لهذا السبب، كثير من محبي السينما اليوم ينظرون إليه بوصفه واحدًا من أبرز أفلام الرعب الكوميدي في التسعينيات التي لم تأخذ حقها جماهيريًا وقت الإصدار.
المحطة التي قادت إلى «سيد الخواتم»
الأهمية التاريخية للفيلم لا ترتبط فقط بجودته، بل بما مثّله تقنيًا ومهنيًا لجاكسون وفريقه في نيوزيلندا. موقع Wētā FX يدرج The Frighteners ضمن الأعمال المبكرة الأساسية في تاريخ الشركة، إلى جانب Heavenly Creatures، قبل أن تصبح لاحقًا أحد أهم أسماء المؤثرات البصرية في العالم عبر ثلاثية The Lord of the Rings. هذا يعني أن الفيلم كان ساحة اختبار حقيقية لقدرات الفريق على تنفيذ مؤثرات رقمية أكثر تعقيدًا وعلى نطاق أوسع.
من هذه الزاوية، يبدو الفيلم أشبه بجسر عبور. جاكسون كان قد أثبت موهبته كتابةً وإخراجًا في Heavenly Creatures عام 1994، لكن The Frighteners أضاف إلى سيرته عنصرًا مهمًا: إدارة إنتاج هوليوودي أكبر نسبيًا، والعمل مع استوديو أميركي كبير، وتطوير لغة بصرية تجمع الأداء الحي بالمؤثرات الرقمية. لاحقًا، عندما أصبح مشروع «سيد الخواتم» مطروحًا، كان هناك بالفعل سجل عملي يثبت أن جاكسون وفريقه قادرون على تنفيذ عالم معقد من داخل نيوزيلندا، لا من قلب كاليفورنيا فقط.
ماذا بقي من الفيلم بعد 30 عامًا تقريبًا؟
بعد قرابة ثلاثة عقود على عرضه الأول، لم يعد النقاش حول The Frighteners محصورًا في سؤال: لماذا فشل؟ بل أصبح السؤال الأهم: لماذا ما زال يُشاهد بإعجاب؟ الإجابة بسيطة نسبيًا. لأن الفيلم يملك شخصية واضحة، ومخرجًا يغامر، ونجمًا يقود العمل بخفة محببة، وفكرة أساسية لا تزال طازجة: ماذا لو تحولت القدرة على رؤية الأشباح إلى تجارة صغيرة، قبل أن تنقلب إلى كابوس حقيقي؟
بالنسبة لقارئ قسم «مراجعات الأفلام»، فالقيمة الحقيقية هنا أن الفيلم يقدم درسًا سينمائيًا مهمًا: ليس كل تعثر في شباك التذاكر يعني فشلًا فنيًا. أحيانًا يكون الفيلم سابقًا لتوقعات السوق، أو ضحية توقيت سيئ، أو ببساطة عملًا هجينًا لا تعرف الحملات الدعائية كيف تبيعه. وهذا تحديدًا ما حدث مع The Frighteners: فيلم خسر جولة الإيرادات، لكنه كسب مع الوقت مكانة نقدية وجماهيرية، والأهم أنه مهّد الطريق لمخرج كان على موعد لاحق مع أحد أعظم المشاريع في تاريخ السينما التجارية.
حقائق سريعة عن الفيلم
- سنة الإنتاج: 1996
- الإخراج: بيتر جاكسون
- الكتابة: بيتر جاكسون وفران والش
- البطولة: مايكل جي فوكس، تريني ألفارادو، جيفري كومبس، جون أستن
- مدة العرض: 109-110 دقائق بحسب قواعد البيانات المرجعية
- التصنيف العمري: R
- الإيرادات المحلية في أميركا: نحو 16.76 مليون دولار
- الإيرادات العالمية: نحو 29.36 مليون دولار
الخلاصة: إذا كنت من جمهور الأفلام التي تمزج الرعب بالفكاهة السوداء، أو تريد تتبع المسار الذي قاد بيتر جاكسون إلى «سيد الخواتم»، فإن The Frighteners ليس مجرد عنوان منسي من التسعينيات، بل قطعة أساسية لفهم تطور أحد أهم المخرجين في السينما الحديثة.