Egypt Box Office

كلاسيكيات القاهرة 47: كيف يعود تراث السينما المصرية حيًا؟

برنامج يعيد الماضي إلى شاشة الحاضر

مع إعلان مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عن برنامج «الكلاسيكيات المصرية المرممة» ضمن دورته السابعة والأربعين، بدا واضحًا أن دورة 11 إلى 20 نوفمبر 2026 لا تكتفي بالاحتفاء بالأفلام الجديدة، بل تفتح أيضًا نافذة واسعة على تاريخ السينما المصرية نفسها. الإعلان جاء خلال المؤتمر الصحفي الذي عُقد يوم 11 أكتوبر 2026، بالتزامن مع احتفاء المهرجان بمرور 50 عامًا على انطلاق دورته الأولى عام 1976، وهي مناسبة تمنح هذا البرنامج وزنًا رمزيًا وثقافيًا مضاعفًا.

القسم يضم هذا العام 27 فيلمًا من الأعمال المصرية الكلاسيكية، مقدمة في صيغ مرممة تستعيد جودة الصورة والصوت وتمنح الجمهور فرصة مشاهدة هذه الأفلام في ظروف أقرب إلى عرضها السينمائي اللائق، لا باعتبارها مواد أرشيفية قديمة فقط، بل بوصفها أعمالًا حية ما زالت قادرة على مخاطبة الحاضر.

ما الذي يقدمه قسم «الكلاسيكيات المصرية المرممة» فعليًا؟

أهمية هذا البرنامج لا تتوقف عند عرض أفلام قديمة معروفة، بل في إعادة تقديمها داخل سياق مهرجاني معاصر، وسط جمهور متنوع يضم نقادًا، وصناع أفلام، وطلاب معاهد، ومشاهدين شباب ربما يلتقون بعض هذه الأعمال للمرة الأولى على الشاشة الكبيرة. هنا يتحول الترميم من عملية تقنية إلى إعادة تنشيط للذاكرة السينمائية المصرية.

والقائمة المعلنة تكشف هذا المعنى بوضوح؛ فهي تجمع بين أفلام صنعت وجدان جمهور واسع، وأخرى تحمل قيمة فنية وتاريخية عالية داخل تطور اللغة السينمائية المصرية. من بين العناوين التي أعلنها المهرجان: «القاهرة 30» لصلاح أبو سيف (1966)، «خان الخليلي» لعاطف سالم (1966)، «بين القصرين» (1964) و«قصر الشوق» (1967) لحسن الإمام، «شيء من الخوف» (1969) و«المستحيل» (1965) لحسين كمال، «غروب وشروق» لكمال الشيخ (1970)، و«الزوجة الثانية» لصلاح أبو سيف (1967).

كما تضم القائمة أفلامًا مثل «الحرام» لهنري بركات (1965)، «البوسطجي» لحسين كمال (1968)، «قنديل أم هاشم» لكمال عطية (1968)، «الرجل الذي فقد ظله» لكمال الشيخ (1968)، «مراتي مدير عام» لفطين عبد الوهاب (1966)، «إحنا التلامذة» لعاطف سالم (1959)، و«معبودة الجماهير» لحلمي رفلة (1967). هذا التنوع وحده يكشف أن البرنامج لا يراهن على نوع واحد أو مزاج واحد، بل على صورة بانورامية لتراث سينمائي كامل.

لماذا تبدو قائمة الدورة 47 مهمة لجمهور مصر تحديدًا؟

لأنها تعيد تعريف فكرة «التراث» بعيدًا من النوستالجيا السهلة. حين يشاهد جمهور نوفمبر 2026 أفلامًا مثل «القاهرة 30» أو «الطريق» أو «السمان والخريف» أو «الناس والنيل»، فهو لا يستعيد أسماء محفوظة فقط، بل يواجه أسئلة ما زالت مطروحة: السلطة، التحول الاجتماعي، المدينة، الطبقة، العلاقة بين الفرد والمؤسسة، وصورة مصر في لحظات مفصلية من تاريخها.

كذلك فإن عرض هذه الأفلام داخل مهرجان القاهرة يمنحها جمهورًا مختلفًا عن جمهور القنوات التلفزيونية أو المنصات. فالمشاهدة الجماعية في قاعة سينما تسمح بالتقاط تفاصيل الأداء، وحركة الكاميرا، والإضاءة، وبناء المشهد، وكلها عناصر كثيرًا ما تضيع في نسخ رديئة أو مشاهدات منزلية متقطعة. لهذا يصبح الترميم أداة لاستعادة التجربة الأصلية بقدر الإمكان.

من صلاح أبو سيف إلى يوسف شاهين: خريطة مدارس لا مجرد أفلام

من أكثر ما يلفت في البرنامج أنه لا يقدم فيلمًا أو اثنين بوصفهما أيقونات منفصلة، بل يضع أمام الجمهور خريطة مدارس واتجاهات داخل السينما المصرية. حضور صلاح أبو سيف مثلًا عبر «القاهرة 30» و«الزوجة الثانية» يذكر بموقعه المركزي في ترسيخ الواقعية السينمائية. وفي المقابل، يمنح وجود يوسف شاهين من خلال «الناس والنيل» مساحة للتأمل في علاقته الخاصة بالصورة والتاريخ والتحولات الوطنية.

أما كمال الشيخ، فيظهر عبر «غروب وشروق» و«الرجل الذي فقد ظله» باعتباره أحد أبرز صناع التشويق النفسي والسياسي في السينما المصرية، بينما يكشف حضور حسين كمال في «شيء من الخوف» و«المستحيل» و«البوسطجي» عن مخرج قادر على الانتقال بين السياسي والوجداني والريفي والوجودي دون أن يفقد بصمته.

وهنا بالضبط تكمن فائدة البرنامج لجمهور الشباب: بدل أن يتعامل مع أسماء المخرجين الكبار كمواد دراسية جامدة، يراهم داخل تجربة مشاهدة متجددة، تسمح بالمقارنة بين الأساليب والموضوعات والرهانات الفنية.

الترميم هنا ليس رفاهية تقنية

في السياق المصري، يكتسب الترميم أهمية مضاعفة لأن جزءًا كبيرًا من الذاكرة البصرية العربية مرتبط بأفلام صنعت في القاهرة. وعندما يخصص مهرجان بحجم القاهرة هذا الحيز الواسع للأفلام المرممة، فهو يبعث برسالة مفادها أن صيانة التراث السينمائي ليست شأنًا أرشيفيًا محدودًا، بل جزء من الحاضر الثقافي نفسه.

اختيار 27 فيلمًا دفعة واحدة يعطي البرنامج ثقله؛ فالأمر لا يتعلق بعنوان أو عنوانين للاحتفاء الرمزي، بل بمساحة مشاهدة متكاملة تقريبًا، تسمح للجمهور بأن يرى امتدادات متعددة للسينما المصرية بين الخمسينيات والسبعينيات، من «امرأة في الطريق» (1958) إلى «ليل وقضبان» و«الشحات» و«القتلة» في مطلع السبعينيات.

كيف يخدم ذلك هوية مهرجان القاهرة في 2026؟

المهرجان، برئاسة الفنان حسين فهمي، يقدم هذه الدورة في لحظة رمزية مرتبطة ببلوغه عامه الخمسين منذ التأسيس. ومن ثم فإن الاحتفاء بالكلاسيكيات المصرية لا يبدو برنامجًا جانبيًا، بل امتدادًا منطقيًا لفكرة أن مهرجان القاهرة ليس مجرد منصة عروض سنوية، وإنما مؤسسة ذاكرة أيضًا. كما أن المهرجان يظل، بحسب تعريفه الرسمي، الوحيد في المنطقة العربية وأفريقيا الحاصل على تصنيف الفئة A من الاتحاد الدولي لجمعيات منتجي الأفلام (FIAPF)، وهو ما يمنح برمجته التراثية بعدًا تمثيليًا للسينما المصرية أمام ضيوفها الدوليين.

بالنسبة للقارئ المصري، هذه النقطة مهمة: حين يدخل فيلم مثل «الحرام» أو «الزوجة الثانية» أو «معبودة الجماهير» إلى برنامج مهرجاني دولي داخل القاهرة نفسها، فإن الفيلم لا يعود فقط جزءًا من الماضي المحلي، بل يصبح مادة عرض حية داخل الحاضر العالمي للمهرجان.

ما الذي ينتظره جمهور نوفمبر 2026؟

ينتظر الجمهور، ببساطة، فرصة نادرة لمشاهدة أفلام مؤسسة في تاريخ السينما المصرية بأفضل حالة عرض ممكنة داخل مهرجان يحتفي هذا العام بنصف قرن على تأسيسه. هذا يعني أن زيارة المهرجان لن تكون بحثًا عن الجديد فقط، بل أيضًا عن الجذور التي صنعت مفهوم السينما المصرية كما نعرفه اليوم.

ومن المرجح أن يتحول هذا القسم إلى واحد من أكثر أقسام الدورة جاذبية، ليس فقط بسبب شهرة عناوينه، بل لأن كثيرًا من هذه الأفلام يستعيد قيمته حين يُشاهد في القاعة: الإيقاع، الأداء، البناء البصري، والموسيقى، وكلها عناصر تجعل الفيلم الكلاسيكي أقل بعدًا عن المتفرج المعاصر مما يظن البعض.

أبرز الأفلام المعلنة في البرنامج

  • القاهرة 30 – صلاح أبو سيف – 1966
  • الزوجة الثانية – صلاح أبو سيف – 1967
  • شيء من الخوف – حسين كمال – 1969
  • البوسطجي – حسين كمال – 1968
  • غروب وشروق – كمال الشيخ – 1970
  • الحرام – هنري بركات – 1965
  • مراتي مدير عام – فطين عبد الوهاب – 1966
  • معبودة الجماهير – حلمي رفلة – 1967

الخلاصة أن برنامج «الكلاسيكيات المصرية المرممة» في الدورة 47 لا يعيد عرض تراث السينما المصرية فحسب، بل يعيد ترتيب علاقتنا به: من مادة محفوظة في الذاكرة إلى تجربة مشاهدة حاضرة، ومن أرشيف ثقافي إلى جزء فعلي من موسم سينمائي ينتظره جمهور القاهرة ومصر في نوفمبر 2026.