Egypt Box Office

كريستوفر نولان ينتقد الإفراط في تفكيك الأفلام نقديًا

نولان يفتح ملف العلاقة المتوترة بين صُنّاع الأفلام والنقاد

أعاد المخرج البريطاني كريستوفر نولان الجدل القديم حول حدود النقد السينمائي ووظيفته، بعد تصريحات حديثة اعتبر فيها أن بعض القراءات النقدية تقع في فخ المبالغة في تفكيك آليات الفيلم بدلًا من الحكم على مدى فاعلية السرد نفسه. الفكرة الأساسية التي طرحها نولان هي أن معرفة المتفرج أو الناقد بكيفية بناء المشهد المؤثر أو اللحظة العاطفية لا تعني تلقائيًا أن هذه اللحظة فشلت، بل قد تظل فعالة حتى مع انكشاف أدواتها.

الحديث أثار اهتمامًا واسعًا في الأوساط السينمائية العالمية، لأن صاحبه ليس مجرد مخرج جماهيري، بل أحد أبرز الأسماء التي صنعت خلال العقدين الأخيرين معادلة نادرة تجمع بين النجاح التجاري والوزن الفني. نولان، الذي حصد أوسكار أفضل مخرج عن Oppenheimer في مارس 2024، صار بالنسبة لكثيرين مرجعًا في النقاشات المرتبطة بلغة السينما، وبخاصة حين يتحدث عن البناء الدرامي وعلاقة الجمهور بالصورة والزمن والشخصية.

ما الذي يقصده كريستوفر نولان تحديدًا؟

بحسب المقاطع المتداولة من مقابلة أجراها في الصين مع منصة Bilibili، قال نولان إن إحدى مشكلات النقد اليوم تتمثل في افتراض أن كشف “الميكانيزم” السردي ينسف تأثيره تلقائيًا. وبمعنى أبسط: إذا أدركتَ كيف يدفعك الفيلم إلى التعاطف مع بطل، أو كيف يمهّد للذروة العاطفية، فهذا لا يعني أن الفيلم صار رخيصًا أو غير ناجح من حيث المبدأ. في رأيه، السرد بطبيعته يستخدم أدوات واضحة أحيانًا، لكن وضوح الأداة لا يُبطل مفعولها بالضرورة.

هذه الفكرة ليست بعيدة عن أسلوب نولان نفسه. في كثير من أعماله، من Interstellar إلى Dunkirk وOppenheimer، يعتمد المخرج على تصميم محكم للإيقاع والتصعيد وتوزيع المعلومات. الجمهور غالبًا يشعر بأنه داخل “آلة سردية” دقيقة، لكن هذا لم يمنع أفلامه من صنع أثر عاطفي وفكري كبير. لذلك، تبدو تصريحاته امتدادًا طبيعيًا لفهمه للسينما كفن يقوم على التركيب، لا على المفاجأة الخام فقط.

لكن هل كان نولان يهاجم النقاد فعلًا؟

الأقرب أن نولان لا يرفض النقد من أساسه، بل يعترض على نوع بعينه من التلقي: ذلك الذي يتعامل مع تكرار الأداة أو معرفة الحيلة وكأنهما حكم نهائي على العمل. مع ذلك، فإن موقفه ليس مطلقًا؛ إذ أقر أيضًا، وفق ما جرى تداوله من المقابلة نفسها، بأن بعض التكنيكات عندما تصبح مألوفة أكثر من اللازم للجمهور، تفقد قدرتها وتحتاج إلى تطوير. هنا تحديدًا تكمن النقطة الأكثر إثارة في كلامه: فهو ينتقد الإفراط في التقاط “الخدعة”، لكنه يعترف في الوقت نفسه بأن الابتكار يظل ضروريًا عندما تتحول الصيغة إلى كليشيه مستهلك.

ومن زاوية صحفية، يبدو هذا الجدل مهمًا لقراء السينما في مصر والمنطقة، لأن النقاش نفسه حاضر بقوة في استقبال الأفلام العالمية داخل السوق المحلي: هل يُقيَّم الفيلم على تأثيره المباشر؟ أم على مدى أصالته؟ أم على الاثنين معًا؟ جمهور المهرجانات قد يذهب إلى تشريح البنية والرموز، بينما جمهور الشباك يهتم أكثر بالتجربة الكاملة. تصريحات نولان أعادت هذا السؤال إلى الواجهة بصيغة حادة ولكن مفيدة.

التصريحات تأتي في توقيت لافت مع الزخم المحيط بـ The Odyssey

اللافت أن كلام نولان يأتي بينما يتصدر اسمه المشهد مجددًا بفضل The Odyssey، أحدث أفلامه مع يونيفرسال بيكتشرز. الفيلم طُرح في دور العرض في 17 يوليو 2026، وقدّمته الاستوديوهات بوصفه ملحمة أكشن أسطورية صُوّرت باستخدام تكنولوجيا IMAX film متقدمة، فيما أكدت مواد الترويج الرسمية أن العمل يضم أسماء بارزة مثل مات ديمون، توم هولاند، آن هاثاواي، روبرت باتينسون، لوبيتا نيونغو، زندايا وشارليز ثيرون.

الأرقام المبكرة دعمت هذا الزخم بقوة. شركة IMAX أعلنت في 20 يوليو 2026 أن الفيلم حقق 52 مليون دولار عالميًا في افتتاحه عبر شاشات IMAX وحدها، مع حصة بلغت 20% من إجمالي الانطلاقة العالمية، ووصفت الافتتاح بأنه الأكبر في تاريخ نولان على هذه الصيغة، بل وأشارت إلى أن الفيلم صُوِّر بالكامل بكاميرات IMAX 70mm. كما أوضحت أن التوسع الدولي كان مستمرًا مع مواعيد إضافية في أسواق من بينها كوريا الجنوبية في 5 أغسطس 2026، ثم الصين في 14 أغسطس 2026، واليابان في 11 سبتمبر 2026.

هذا التوقيت مهم لأن أي تصريح عن النقد يأتي وسط استقبال جماهيري ونقدي لفيلم ضخم، سيُقرأ تلقائيًا بوصفه جزءًا من النقاش حول كيفية الحكم على أفلام “الحدث”. فالأعمال الكبرى التي يوقعها نولان لا تُشاهد بوصفها تسلية فقط، بل تصبح موضوعًا لجدل تحليلي واسع: هل هي تجارب إنسانية حقيقية؟ أم نماذج متقنة لصناعة التأثير؟ نولان هنا يرد ضمنيًا: حتى لو كانت الصناعة واضحة، فهذا لا يسلبها قيمتها.

مكانة نولان في الصناعة تفسر وزن تصريحاته

تزداد أهمية هذه المواقف لأن كريستوفر نولان ليس مخرجًا عابرًا في هوليوود. بعد Oppenheimer، رسّخ موقعه لدى يونيفرسال كأحد أهم صنّاع “السينما الحدث”، وتتعامل الاستوديوهات مع أفلامه باعتبارها مناسبات سينمائية قائمة بذاتها. كما أن فوزه بالأوسكار عن الإخراج عزّز صورته كمخرج يجمع بين الشعبية والاعتراف المؤسسي، وهو ما يجعل أي حديث له عن النقد أو الجمهور أو اللغة السينمائية محل متابعة دقيقة.

وعند الإشارة إليه هنا، تجدر الإضافة أن نولان لا يملك حسابًا رسميًا موثقًا يمكن التحقق منه على إنستغرام، لذلك يُذكر اسمه دون إرفاق أي حساب. في المقابل، يحضر فيلمه الجديد أيضًا عبر الترويج الرسمي من يونيفرسال، بينما ظهر حساب الفيلم في المواد الرسمية المصاحبة للمقطورة المنشورة من Universal Pictures، حيث أُشير إلى @theodysseymovie على إنستغرام ضمن الوصف الترويجي للفيلم.

بين “كشف الحيلة” و“فاعلية الحكاية”

الجدل الذي أطلقه نولان لا يخصه وحده، بل يلامس سؤالًا أوسع في النقد الحديث: هل وظيفة الناقد أن يشرح كيف يعمل الفيلم، أم أن يحكم أيضًا إن كانت هذه الآليات مكررة، مستهلكة، أو بلا روح؟ الواقع أن المهمتين لا تتعارضان. يمكن للناقد أن يفكك البناء، ثم يقرر إن كان هذا البناء حيًا ومبتكرًا أم مجرد إعادة تدوير لصيغ مجرّبة. وهنا ربما تكمن المسافة بين ما يقوله نولان وما يفهمه بعض منتقديه؛ فليست كل ملاحظة على “الآلية” تنمرًا نقديًا، كما أنها ليست دائمًا دليلًا على سقوط العمل.

في النهاية، ما قاله نولان يعبّر عن دفاع واضح عن جوهر الحكي السينمائي: التأثير لا يفقد شرعيته لمجرد أننا نعرف كيف صُنع. لكن في الجهة المقابلة، يبقى من حق النقد أن يسأل إن كانت الأداة نفسها تتطور أم تعيد إنتاج ما سبق. لذلك فإن قيمة تصريحات نولان لا تكمن فقط في حدّتها، بل في أنها أعادت طرح سؤال أساسي في السينما العالمية: متى يكون الوعي باللغة السينمائية علامة نضج، ومتى يتحول إلى تشكيك آلي في كل ما ينجح في الوصول إلى الجمهور؟

  • المخرج: كريستوفر نولان
  • أحدث أفلامه: The Odyssey
  • تاريخ طرح الفيلم: 17 يوليو 2026
  • إيرادات IMAX الافتتاحية عالميًا: 52 مليون دولار
  • أوسكار بارز: أفضل مخرج عن Oppenheimer في مارس 2024

وبالنسبة لمتابعي السينما العالمية في مصر، فإن هذا السجال يظل مهمًا لأنه لا يتعلق بنولان وحده، بل بالطريقة التي نشاهد بها الأفلام أصلًا: هل نريد من السينما أن تُدهشنا فقط، أم أن تُقنعنا أيضًا حتى بعد أن نعرف كيف بُنيت لحظاتها الكبرى؟ تصريحات نولان تقول إن الإجابة قد تكون: الاثنان معًا.