Egypt Box Office

كريستوفر نولان في Criterion Closet: أفلام شكّلت رؤيته

كريستوفر نولان يكشف مكتبته السينمائية الخاصة في زيارة خاطفة

قد لا تتجاوز جولة كريستوفر نولان داخل Criterion Closet بضع دقائق، لكنها تكفي لفهم جانب مهم من تكوينه الفني كمخرج صار اسمه مرتبطًا بأفلام ضخمة مثل Oppenheimer وInception وThe Dark Knight. منصة Criterion نشرت قائمة اختيارات نولان ضمن سلسلة Closet Picks، وفيها استعرض 16 عنوانًا قال عنها، بشكل مباشر أو ضمني، إنها من الأعمال التي أثرت في ذائقته ورؤيته للسينما. وتؤكد الصفحة الرسمية أن نولان تحدث خلال الزيارة عن أثر The Testament of Dr. Mabuse على The Dark Knight، وعن أهمية مشروع Martin Scorsese’s World Cinema Project، كما توقف عند قدرة ديفيد لينش على نقل منطق الأحلام إلى الشاشة.

بالنسبة للقارئ المصري المهتم بقسم مراجعات الأفلام، فالأهمية هنا لا تتعلق بخبر عابر عن مخرج شهير بقدر ما ترتبط بخريطة مشاهدة متكاملة: ما الذي يشاهده نولان نفسه؟ وما الأفلام التي يعتبرها مفاتيح لفهم الفن السينمائي، سواء من حيث البناء السردي أو الجرأة البصرية أو المزاج النفسي؟

القائمة الرسمية: 16 فيلمًا ومجموعة شكّلت ذائقة نولان

بحسب الصفحة الرسمية لاختياراته على Criterion، خرج نولان من الخزانة بقائمة متنوعة جدًا تجمع بين السينما الأمريكية الكلاسيكية، والأفلام الأوروبية، وأعمال من الهند، والسينما التجريبية والوثائقية. العناوين التي التقطها كانت:

  • The Killers لمخرجِه دون سيجل.
  • John Cassavetes: Five Films.
  • For All Mankind للمخرج آل راينرت.
  • The Complete Mr. Arkadin لأورسون ويلز.
  • The Testament of Dr. Mabuse لفريتز لانغ.
  • The Apu Trilogy لساتياجيت راي.
  • Scorsese Shorts.
  • Martin Scorsese’s World Cinema Project No. 3.
  • Malcolm X لسبايك لي.
  • Lost Highway لديفيد لينش.
  • The Qatsi Trilogy.
  • The Player لروبرت ألتمان.
  • Boyhood لريتشارد لينكليتر.
  • One False Move لكارل فرانكلين.
  • The Black Stallion لكارول بالارد.
  • Citizen Kane لأورسون ويلز.

هذا التنوع ليس مفاجئًا إذا تذكرنا أن نولان حصد في مارس 2024 جائزتي الأوسكار لأفضل مخرج وأفضل فيلم عن Oppenheimer، وهو ما رسخ مكانته كأحد أكثر صناع السينما تأثيرًا في هوليوود حاليًا. لذلك تبدو اختياراته هنا أقرب إلى درس مكثف في المراجع التي تغذي سينما المؤلف حتى عندما يعمل داخل الإنتاجات الضخمة.

من أين يأتي نولان؟ أثر السينما الكلاسيكية والبحث عن اللغة البصرية

أبرز ما تكشفه القائمة هو انشغال نولان الدائم بالشكل السينمائي، لا بالقصة وحدها. اختياره لأورسون ويلز، سواء عبر Mr. Arkadin أو Citizen Kane، يعكس تقديرًا واضحًا لمخرج غيّر قواعد الصورة، والمونتاج، وطريقة بناء السلطة داخل الكادر. كما أن وجود فريتز لانغ في القائمة ليس تفصيلًا هامشيًا؛ فالصفحة الرسمية لCriterion تشير صراحة إلى أن نولان تحدث عن تأثير The Testament of Dr. Mabuse على The Dark Knight. بالنسبة لأي متابع لأفلام نولان، يمكن بسهولة قراءة هذا الخيط: الشخصية الإجرامية بوصفها عقلًا فوضويًا منظمًا، لا مجرد شرير تقليدي.

ومن اللافت أيضًا حضوره القوي للسينما التي تشتغل على الإيقاع والتجربة الحسية، مثل The Qatsi Trilogy. هذه النوعية من الأعمال، التي تعتمد على الصورة والموسيقى بقدر اعتمادها على الفكرة، تساعد على فهم لماذا يولي نولان أهمية استثنائية للصوت، والزمن، والكتلة البصرية في أفلامه.

“Malcolm X” و“Lost Highway”: اختيارات تكشف شجاعة التلقي

من بين العناوين الأكثر جذبًا للانتباه في القائمة يبرز Malcolm X لسبايك لي، وهو فيلم احتفى به كثير من النقاد منذ صدوره عام 1992، كما رُشح دينزل واشنطن عنه للأوسكار في فئة أفضل ممثل. استعادة نولان لهذا الفيلم الآن ليست مجرد حنين، بل تذكير بقيمة الأعمال الملحمية التي تجمع بين السرد السياسي والقوة البصرية والأداء التمثيلي الكبير.

الاختيار الثاني الأكثر إثارة ربما هو Lost Highway لديفيد لينش. الصفحة الرسمية لـCriterion تؤكد أن نولان أشاد بطريقة لينش في تقديم dream logic أو منطق الحلم على الشاشة. وهذا مهم لأن سينما نولان، رغم صرامتها البنائية في الظاهر، كانت دائمًا مهتمة بالمتاهة الذهنية والواقع المتشظي والهوية القلقة، من Memento إلى Inception. لذلك يبدو الانجذاب إلى لينش منطقيًا، حتى لو جاء من باب الاختلاف لا التشابه الكامل.

“The Player” و“Boyhood”: عندما يختار نولان أفلامًا عن الصناعة والزمن

اختيار The Player لروبرت ألتمان يمنح القائمة بعدًا آخر؛ فالفيلم يُعد من أبرز الأعمال الساخرة عن هوليوود وآلياتها، وهو أيضًا من أكثر أفلام ألتمان قدرة على المزج بين التهكم والتشويق. وجوده في قائمة نولان يوضح أن اهتمامه لا ينحصر في التقنية أو البناء فقط، بل يمتد إلى الأفلام التي تفكر في الصناعة نفسها وتنتقدها من الداخل.

أما Boyhood لريتشارد لينكليتر، فهو اختيار يحمل تقديرًا خاصًا لفكرة الزمن الحقيقي في الإنتاج. الفيلم صُوّر على مدار 12 عامًا، وأصبح عند طرحه عام 2014 نموذجًا نادرًا لمشروع يقوم على الصبر والتراكم الإنساني، لا على الحيلة الشكلية وحدها. وبالنسبة لمخرج مثل نولان، المعروف بهوسه الزمني على مستوى السرد، فمن الطبيعي أن يلفته فيلم يجعل الزمن نفسه مادة حية داخل التجربة.

ما الذي تعنيه هذه القائمة لعشاق السينما في مصر؟

في سوق مشاهدة مزدحم بالعناوين الجديدة والمنصات السريعة، تقدم قائمة نولان اقتراحًا مختلفًا للمشاهد في مصر: العودة إلى الأفلام المرجعية التي بنت لغة السينما الحديثة. ليست كل هذه الأعمال جماهيرية بالمعنى التجاري، لكن كثيرًا منها أساسي لفهم لماذا تبدو بعض الأفلام المعاصرة كما نعرفها اليوم.

ومن الزاوية النقدية، يمكن التعامل مع هذه الاختيارات كبرنامج مشاهدة متدرج:

  • لمن يحب الإثارة النفسية: ابدأ بـ Lost Highway وOne False Move.
  • لمن يهتم بتاريخ الإخراج: شاهد Citizen Kane وMr. Arkadin.
  • لمن يبحث عن أفلام ملحمية ذات ثقل فكري: Malcolm X وThe Player.
  • لمن يفضل السينما الإنسانية: The Apu Trilogy وBoyhood.

نولان بعد “Oppenheimer”: مخرج كبير يعود إلى الجذور

عودة نولان للحديث عن أفلامه المؤسسة تأتي في توقيت مهم من مسيرته، بعد النجاح النقدي والجوائزي الضخم لـOppenheimer. وبينما يواصل اسمه تصدر الأخبار السينمائية العالمية، تذكّرنا جولة Criterion Closet بأن المخرج، مهما بلغ من نفوذ صناعي، يظل أولًا مشاهدًا نهمًا وابنًا وفيًا لتاريخ السينما.

لهذا تبدو هذه الزيارة القصيرة أهم من مدتها: إنها ليست استعراضًا لذوق مخرج مشهور، بل نافذة على المعمل الداخلي لصانع أفلام يعرف جيدًا أن الابتكار الحقيقي يبدأ غالبًا من مشاهدة عظيمة سابقة. ومن هنا، فإن قائمة كريستوفر نولان لا تعمل فقط كخبر ترفيهي، بل كدليل مشاهدة جاد لكل قارئ عربي يريد أن يقترب أكثر من الجذور التي صنعت واحدًا من أبرز مخرجي عصرنا.