Egypt Box Office

قبل «داي هارد».. فيلم منسي كشف بدايات جون ماكتيرنان

فيلم منسي سبق مجد جون ماكتيرنان

حين يرد اسم جون ماكتيرنان في أي نقاش سينمائي، يتجه الذهن فورًا إلى أفلام صنعت شكل الأكشن الهوليوودي الحديث مثل Predator عام 1987 وDie Hard عام 1988. لكن قبل هذا الصعود السريع، قدّم المخرج الأمريكي أول أفلامه الطويلة بعنوان Nomads سنة 1986، وهو عمل يميل إلى الرعب النفسي والإثارة الغامضة أكثر من كونه فيلم حركة بالمعنى التقليدي.

الفيلم ليس من العناوين المتداولة كثيرًا بين جمهور اليوم في مصر أو العالم العربي، لكنه يكتسب قيمة خاصة إذا نظرنا إليه باعتباره الخطوة الأولى لمخرج سيصبح لاحقًا واحدًا من أبرز الأسماء في سينما التشويق. قاعدة بيانات المعهد الأمريكي للأفلام تسجل Nomads كأول إخراج سينمائي طويل لماكتيرنان، كما تؤكد أن عرضه كان في 7 مارس 1986، أي قبل Die Hard بنحو عامين تقريبًا.

بيرس بروسنان قبل جيمس بوند

واحدة من أكثر نقاط الجذب في الفيلم اليوم هي وجود بيرس بروسنان في البطولة، قبل سنوات من تحوله إلى وجه عالمي في سلسلة James Bond. في Nomads يبتعد بروسنان تمامًا عن صورة العميل الأنيق الواثق، ويؤدي شخصية Jean-Charles Pommier، الباحث الفرنسي المتخصص في الأنثروبولوجيا، الذي يجد نفسه مطاردًا من مجموعة غامضة تشبه الأشباح الحضرية.

أهمية هذا الدور لا تتعلق فقط بكونه مبكرًا في مسيرة بروسنان، بل لأن الفيلم يقدمه في مساحة تمثيلية أكثر غرابة وقلقًا من معظم أدواره التجارية اللاحقة. وبحسب السجلات المتاحة، كان Nomads أيضًا من أوائل أدواره السينمائية الكبيرة، ما يمنح الفيلم قيمة إضافية لعشاق تتبع البدايات الأولى للنجوم.

عن ماذا يحكي الفيلم؟

تدور الحكاية حول طبيبة في لوس أنجلوس تُدعى Eileen Flax، تؤدي دورها Lesley-Anne Down، تستقبل رجلًا في حالة انهيار شديد بعد إصابته بجروح غامضة. هذا الرجل هو بومييه، الذي تبدأ ذكرياته في الانكشاف تدريجيًا لتقودنا إلى مطاردة غير مفهومة بالكامل، تتداخل فيها الأسطورة مع الخوف الحضري، ويصبح السؤال الأساسي: من هؤلاء “الرحّل” أو Nomads؟ وهل هم بشر فعلًا أم كيان آخر يختبئ على هامش المدينة؟

النص مقتبس من رواية للكاتبة Chelsea Quinn Yarbro، لكن ماكتيرنان لا يتعامل معه كفيلم رعب مباشر قائم على الصدمات المفاجئة فقط، بل يختار مسارًا أكثر التباسًا. النتيجة هي فيلم يراهن على الجو العام، وعلى الإحساس بالمراقبة والتيه، وعلى بناء خوف بطيء يتسلل تدريجيًا.

لماذا يبدو الفيلم مختلفًا عن أعمال ماكتيرنان اللاحقة؟

من يشاهد Nomads بعد معرفة أفلام ماكتيرنان الأشهر، سيلحظ أن ملامح أسلوبه بدأت هنا مبكرًا، حتى لو لم تكن مكتملة. هناك اهتمام واضح بالحركة داخل الكادر، وبالمساحات الحضرية كبيئات تهديد، وبالشخصية المحاصرة التي تحاول فهم قواعد لعبة لا تسيطر عليها. هذه العناصر ستتطور لاحقًا بشكل أكثر صلابة في Predator ثم تبلغ ذروتها جماهيريًا في Die Hard.

لكن الفارق الجوهري أن Nomads لا يبحث عن الإيقاع المتفجر. هو فيلم أكثر كآبة وتجريبًا، أقرب إلى حلم مزعج منه إلى حكاية واضحة الخطوط. لهذا السبب ربما ظل بعيدًا عن الشهرة الواسعة، بينما حصدت أعمال ماكتيرنان اللاحقة مكانة كلاسيكية بين جمهور الأكشن.

طاقم العمل والعناصر الفنية

إلى جانب بيرس بروسنان وليزلي-آن داون، يضم الفيلم أسماء مثل Anna Maria Monticelli وAdam Ant وMary Woronov. الموسيقى من تأليف Bill Conti، وهو اسم معروف لدى جمهور السينما بفضل أعماله في أفلام بارزة عبر السبعينيات والثمانينيات. أما مدة الفيلم فتدور حول 95 دقيقة، وتصنيفه الأمريكي كان R.

ورغم محدودية إمكانياته مقارنة بما سيأتي لاحقًا في مسيرة مخرجه، فإن الفيلم يكشف حسًا بصريًا لافتًا، خصوصًا في توظيف الشوارع، والأنفاق، والفراغات الليلية داخل لوس أنجلوس، بما يخدم فكرة التهديد غير المرئي.

كيف استقبل الزمن الفيلم؟

لم يتحول Nomads إلى نجاح جماهيري كبير أو عنوان دائم الحضور في قوائم كلاسيكيات الرعب، لكنه ظل حاضرًا في النقاشات النقدية بوصفه عملًا أولًا مثيرًا للاهتمام لمخرج صعد بسرعة بعده مباشرة. ومراجعة الفيلم اليوم تمنح متعة مزدوجة: الأولى اكتشاف فيلم رعب ثمانيني غريب الإيقاع، والثانية قراءة البدايات الأولى لصانع سيعيد تعريف سينما الأكشن بعد فترة قصيرة جدًا.

ومن منظور قسم مراجعات الأفلام، تبقى قيمة الفيلم مرتبطة بما يقدمه من تجربة غير مألوفة أكثر من ارتباطها بدرجة الإتقان الكامل. فهو ليس أفضل أفلام بروسنان، وليس بالتأكيد أقوى أفلام ماكتيرنان، لكنه فيلم يوضح كيف يمكن لمخرج كبير أن يبدأ من منطقة مختلفة تمامًا عن الصورة التي استقر عليها لاحقًا.

هل يستحق المشاهدة الآن؟

الإجابة المختصرة: نعم، لكن مع التوقعات الصحيحة. إذا كنت تبحث عن فيلم حركة سريع يشبه Die Hard، فلن تجده هنا. أما إذا كنت من محبي اكتشاف الأعمال المنسية، أو تتبع التحولات الأولى في مسيرة المخرجين والنجوم، فإن Nomads يقدم مادة ثرية للمشاهدة والتحليل.

الفيلم مناسب خصوصًا لمن يحبون:

  • أفلام الرعب النفسي ذات الأجواء الثقيلة.
  • سينما الثمانينيات الأمريكية خارج العناوين الأشهر.
  • أعمال بيرس بروسنان المبكرة قبل مرحلة النجومية العالمية.
  • تأمل بدايات جون ماكتيرنان قبل Predator وDie Hard.

الخلاصة

Nomads ليس مجرد فيلم منسي من منتصف الثمانينيات، بل وثيقة سينمائية صغيرة تسبق انفجار موهبة جون ماكتيرنان في أفلام الأكشن. وجود بيرس بروسنان في بطولة مقلقة وغير معتادة يزيد من فرادته، بينما تمنحه نبرته الكابوسية شخصية مختلفة عن السائد في أفلام الرعب التجارية آنذاك.

وبالنسبة للقارئ المصري الذي يتابع تاريخ السينما الأمريكية من زاوية نقدية، فإن هذا الفيلم يستحق الالتفات باعتباره بداية حقيقية لمخرج أسطوري، لا لأن كل تفاصيله مكتملة، بل لأن ملامح الموهبة الكبيرة تظهر فيه بوضوح قبل أن تنفجر على الشاشة الكبيرة في السنوات التالية.