فيلم «You Can See Everything» يعيد فتح ملف إليزابيث هولمز
فيلم وثائقي يقترب من الشخصية لا من الفضيحة فقط
يعيد فيلم You Can See Everything فتح واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل في الثقافة الأمريكية المعاصرة: قصة إليزابيث هولمز، مؤسسة شركة Theranos السابقة التي تحولت من نجمة وادي السيليكون إلى متهمة ثم مدانة في قضية احتيال هزت عالم التكنولوجيا والاستثمار. لكن الجديد هنا أن الفيلم لا يكتفي بإعادة سرد القضية المعروفة، بل يختار زاوية أكثر حساسية وتعقيدًا: الحياة اليومية لهولمز في الفترة التي سبقت دخولها السجن الفيدرالي في مايو 2023، ثم ما تلا ذلك داخل محيطها العائلي.
العمل أخرجه ناثان فيلدر (@nathanfielder على إنستغرام) مع المخرج لانس أوبنهايم، وطرحته شركة A24 في دور العرض يوم 16 أكتوبر 2026. ووفق الصفحة الرسمية للفيلم، يمتد زمنه إلى ساعتين و55 دقيقة، وهي مدة طويلة نسبيًا لكنها تعكس طبيعة الفيلم القائم على المراقبة والتراكم النفسي أكثر من الاعتماد على الإيقاع التقليدي للأفلام الوثائقية.
من هو بيلي إيفانز داخل الفيلم؟
رغم أن الاسم الأبرز على الملصق هو إليزابيث هولمز، فإن بيلي إيفانز يخرج من الفيلم باعتباره عنصرًا أساسيًا في فهم ما يحاول العمل قوله عن الصورة العامة، والدفاع الذاتي، وحدود الشفافية. التقارير الأمريكية الموثوقة التي واكبت عرض الفيلم أكدت أن إيفانز، شريك هولمز ووالد طفليها، كان من أكثر الشخصيات حضورًا في المادة المصورة، وأنه لعب دورًا محوريًا في تقديم مبررات ظهور الأسرة أمام الكاميرا.
بحسب ما نُشر بالتزامن مع العرض، قال إيفانز إن الفكرة كانت أن يرى الناس هولمز كما هي، ثم يكوّنوا حكمهم بأنفسهم. هذا التصور ينسجم مع البنية العامة للفيلم، التي تبدو في ظاهرها محاولة لكشف الحقيقة، لكنها تتحول تدريجيًا إلى اختبار معقد لما إذا كانت الكاميرا قادرة فعلًا على التقاط الصدق أم أنها تصبح جزءًا من الأداء نفسه.
أربع نقاط أساسية يكشفها الفيلم عن بيلي إيفانز
- أولًا: إيفانز ليس مجرد شخصية جانبية، بل شريك فعلي في قرار فتح البيت والأسرة أمام فريق التصوير، وهو ما يجعل وجوده جزءًا من الفكرة الدرامية للفيلم لا مجرد خلفية عائلية.
- ثانيًا: الفيلم يقدمه بوصفه المدافع الأوضح عن هولمز، إذ يتبنى خطابًا قائمًا على أن الجمهور لم يعرفها بما يكفي، وأن الاقتراب الشخصي قد يغير الأحكام المسبقة عنها.
- ثالثًا: علاقته بالصورة والإفصاح تبدو مركزية؛ تقارير نقدية عن الفيلم تحدثت عن مستويات غير معتادة من “الشفافية” داخل المنزل، ما يجعل إيفانز أحد مفاتيح قراءة التوتر بين الخصوصية والاستعراض.
- رابعًا: حضوره يمتد إلى ما بعد سجن هولمز، إذ استمر التصوير بعد دخولها السجن، مع متابعة تأثير الغياب على الأسرة، واستمرار التواصل معها عبر السنوات التالية.
ما الذي يميز الفيلم عن الأعمال السابقة حول Theranos؟
جمهور المنصات يعرف بالفعل أعمالًا تناولت سقوط Theranos، سواء في الوثائقيات أو الدراما التلفزيونية مثل The Dropout. لكن You Can See Everything لا يعيد بناء القضية من الخارج، بل يدخل إلى المنطقة الأكثر إرباكًا: كيف تبدو هولمز عندما تعرف أن الكاميرا تراقبها، وكيف يتصرف من حولها عندما يتحولون هم أيضًا إلى موضوع للفحص.
هذا التحول هو ما يمنح الفيلم قيمته داخل قسم مراجعات الأفلام. فالمسألة هنا ليست “ماذا حدث في القضية؟” بقدر ما هي “كيف صيغت التجربة سينمائيًا؟”. ناثان فيلدر، المعروف بأعمال تمزج الوثائقي بالأداء والارتباك المقصود، يستخدم حضوره داخل الفيلم كأداة لخلق مسافة شك دائمة. وكلما بدا أن الشخصيات تقول الحقيقة، يتسلل إحساس معاكس بأننا أمام وعي كامل بالكاميرا.
تفاصيل موثقة عن القصة والخلفية القانونية
الفيلم يبدأ قبل 34 يومًا من توجه إليزابيث هولمز إلى السجن، وفق الملخص الرسمي الصادر عن A24. وكانت هولمز قد أُدينت في يناير 2022 في أربع تهم تتعلق بالاحتيال الإلكتروني والتآمر للاحتيال على المستثمرين. ثم بدأت تنفيذ عقوبتها في 2023. كما أشارت تقارير إخبارية أمريكية حديثة إلى أن موعد الإفراج المقرر عنها مسجل في 22 فبراير 2030 لدى مكتب السجون الفيدرالي الأمريكي.
هذه الخلفية القانونية لا تظهر في الفيلم بوصفها معلومات أرشيفية فقط، بل كظل دائم على كل مشهد منزلي أو حوار عائلي. وهنا ينجح العمل في خلق مفارقة شديدة الوضوح: امرأة أُدينت بسبب تضليل المستثمرين، لكنها ما تزال داخل الفيلم تتمسك بأنها لم ترتكب خطأ بالمعنى الذي يتصوره الآخرون. هذا الإصرار هو ما يجعل تجربة المشاهدة ثقيلة ومثيرة في الوقت نفسه.
كيف تبدو إليزابيث هولمز على الشاشة؟
الفيلم لا يطلب من المشاهد التعاطف مع إليزابيث هولمز، ولا يدفعه مباشرة إلى إدانتها من جديد. بدلًا من ذلك، يضعها في مساحة مراقبة طويلة تكشف تناقضات الشخصية. هولمز تظهر كشخصية تعرف تمامًا ثقل صورتها العامة، وتحاول في كل لحظة تقريبًا إعادة صياغة هذه الصورة. لهذا فإن أفضل قراءة للفيلم ليست باعتباره “تبرئة” أو “هجومًا”، بل باعتباره تجربة عن استحالة الوصول إلى حقيقة نهائية عندما يصبح الجميع واعيًا بوجود العدسة.
ومن هذه الزاوية، يصبح بيلي إيفانز مرآة موازية لها. فهو ليس فقط الشريك الذي يدافع عنها، بل أحد الوجوه التي يختبر عبرها الفيلم فكرة الإيمان الكامل بالسردية الشخصية. لذلك فإن أي حديث عن “الأسرار” أو “الكشف” في هذا العمل يجب أن يُفهم داخل بنية سينمائية أكبر، لا كمجرد قائمة فضائح.
هل يستحق الفيلم المشاهدة؟
بالنسبة للقارئ المصري المهتم بالأفلام الوثائقية المعاصرة، فإن You Can See Everything يستحق المتابعة لأنه يقدم نموذجًا مختلفًا عن الوثائقيات التي تعتمد على مقابلات الأرشيف والخبراء وحدهم. الفيلم أقرب إلى مواجهة طويلة بين صانع صورة محترف وشخصية عامة بنت جانبًا من نفوذها أصلًا على التحكم في السرد.
قد تبدو مدته الطويلة تحديًا لبعض المشاهدين، خصوصًا لمن يدخلون إليه بحثًا عن ملخص سريع لقضية Theranos. لكن من يتعامل معه كفيلم عن الأداء والسلطة والصورة سيجد مادة أغنى بكثير. وهذه نقطة مهمة في سياق جمهور مصر والعالم العربي، حيث تزداد شعبية الأفلام الوثائقية التي تتجاوز التفسير الإخباري إلى مساءلة الشكل نفسه.
الخلاصة
في النهاية، لا يقدم You Can See Everything إجابات نهائية عن إليزابيث هولمز أو عن بيلي إيفانز، بل يمنحنا فيلمًا مشغولًا على الحيرة والالتباس. ومن هذه الحيرة تحديدًا يستمد قوته. هو عمل عن فضيحة قديمة، نعم، لكنه أيضًا عن الحاضر: عن الكاميرا، وعن الشخصيات التي تعرف كيف تعيش داخلها، وعن صناع الأفلام الذين يكتشفون أن الاقتراب الشديد من الحقيقة قد يجعلها أكثر ضبابية لا أكثر وضوحًا.
لهذا، إذا كان العنوان يوحي بأنك “تستطيع أن ترى كل شيء”، فإن الفيلم يقول العكس تقريبًا: يمكنك أن ترى الكثير، لكن فهم ما تراه يظل أصعب بكثير.