فيلم "ووترشيب داون" يعود للصالات ويحقق إيرادات بعد 46 عاماً
عودة مفاجئة لفيلم كلاسيكي ما زال يثير الجدل
في زمن تسيطر فيه الأجزاء الجديدة والأعمال المعاد تدويرها على شاشات السينما، نجح فيلم الرسوم المتحركة البريطاني Watership Down في تحقيق عودة لافتة بعد مرور 46 عاماً على عرضه الأول عام 1978. الفيلم، الذي اكتسب عبر العقود سمعة خاصة بوصفه واحداً من أكثر أفلام التحريك إزعاجاً وقسوة من الناحية العاطفية، عاد إلى دور العرض في المملكة المتحدة وأيرلندا خلال 25 أكتوبر 2024 عبر المعهد البريطاني للأفلام BFI (@britishfilminstitute على إنستغرام) في نسخة مرممة بدقة 4K.
ورغم أن العمل ينتمي شكلياً إلى عالم الرسوم المتحركة، فإن سمعته لم تُبنَ على كونه فيلماً عائلياً خفيفاً، بل على نبرته الداكنة ومشاهد البقاء والعنف والخسارة التي طبعت ذاكرة أجيال كاملة من المشاهدين. هذه السمعة نفسها هي التي صنعت له جمهوراً وفياً، وأعادت دفعه إلى شباك التذاكر بعد عقود طويلة من إطلاقه الأول.
ما الذي نعرفه عن إعادة الإصدار؟
بحسب المعهد البريطاني للأفلام، فإن النسخة الجديدة من Watership Down خضعت لترميم 4K بالتعاون مع Silver Salt Restoration، وعُرضت أولاً ضمن مهرجان لندن السينمائي 2024 قبل طرحها تجارياً في بريطانيا وأيرلندا. كما أعلن المعهد لاحقاً عن إصدار منزلي على UHD وBlu-ray خلال نوفمبر 2024، في خطوة تؤكد أن الرهان لم يكن نوستالجياً فقط، بل تجارياً وثقافياً أيضاً.
بيانات شباك التذاكر المنشورة على Box Office Mojo تُظهر أن إعادة الإصدار في 2024 حققت إيرادات عالمية قاربت 21.9 ألف دولار، منها نحو 21.6 ألف دولار في المملكة المتحدة، وهو رقم متواضع مقارنة بإصدارات الاستوديوهات الكبرى، لكنه مهم جداً لفيلم كلاسيكي محدود العروض يعود إلى الصالات بعد ما يقرب من نصف قرن. النجاح هنا لا يُقاس فقط بحجم الإيراد، بل بقدرة الفيلم على استعادة جمهوره وخلق اهتمام جديد لدى مشاهدين لم يعاصروه في الأصل.
لماذا بقي الفيلم حاضراً كل هذا الوقت؟
السر في بقاء Watership Down داخل النقاش السينمائي يعود إلى طبيعته المزدوجة: فيلم رسوم متحركة من جهة، ودراما مشحونة بالخوف والاقتلاع والصراع على البقاء من جهة أخرى. الفيلم مأخوذ عن رواية ريتشارد آدامز، وأخرجه مارتن روزن، ويروي رحلة مجموعة من الأرانب الهاربة من تهديد يطال موطنها، بحثاً عن مكان آمن تقيم فيه مجتمعاً جديداً.
هذه الحبكة، رغم بساطتها الظاهرية، حملت عبر السنين قراءات أوسع تتعلق بالسلطة والخوف والمنفى والبحث عن الأمان. ولهذا لا يُنظر إلى الفيلم اليوم باعتباره عملاً للأطفال بقدر ما يُستعاد بوصفه تجربة سينمائية ناضجة استخدمت التحريك لتمرير قصة قاسية ومؤثرة.
المعهد البريطاني للأفلام وصف العمل بأنه من أبرز أفلام التحريك البريطانية، كما أشار إلى أن قوته جاءت من جرأته في تناول موضوعات صعبة بطريقة لم تكن تخشى الصدمة أو الكآبة. وهذا ما يفسر لماذا يتردد اسمه كلما عاد الحديث عن الأفلام التي خالفت الصورة النمطية المرتبطة بالرسوم المتحركة.
طاقم صوتي لافت وأغنية صنعت أثراً شعبياً
من العناصر التي ساعدت الفيلم على التحول إلى كلاسيكية دائمة، مشاركات عدد من أبرز الممثلين البريطانيين في الأداء الصوتي، من بينهم John Hurt وRichard Briers وRalph Richardson وDenholm Elliott وRoy Kinnear وHannah Gordon. هذا الحضور منح الشخصيات وزناً درامياً واضحاً، ورفع الفيلم فوق مستوى المغامرة التحريكية التقليدية.
كذلك لا يمكن فصل تاريخ Watership Down عن أغنيته الأشهر Bright Eyes، التي كتبها Mike Batt وغناها Art Garfunkel (@artgarfunkel على إنستغرام). ووفق بيانات BFI، تصدرت الأغنية قائمة الأغاني البريطانية لمدة 6 أسابيع، وأصبحت أكثر الأغاني مبيعاً في بريطانيا خلال 1979. هذا النجاح الموسيقي ساعد على ترسيخ حضور الفيلم في الذاكرة الشعبية، حتى لدى من لم يشاهدوه داخل السينما.
ماذا تعني عودة الفيلم اليوم بالنسبة للجمهور العربي؟
من زاوية تحريرية تهم القارئ في مصر والمنطقة، فإن قصة Watership Down تكشف كيف يمكن لفيلم قديم أن يستعيد مكانته عندما يُقدَّم في سياق جديد: ترميم تقني، عرض محدود مدروس، وتسويق يعتمد على إرث العمل لا على الضجيج فقط. هذا النموذج بات مألوفاً أكثر في الأسواق العالمية، وقد يفتح باباً مهماً أمام دور العرض والمهرجانات العربية للتفكير في إعادة تقديم كلاسيكيات التحريك والسينما المؤثرة لجمهور جديد.
كما أن الفيلم يلفت الانتباه إلى نقطة كثيراً ما يغفلها المتلقي: ليس كل فيلم رسوم متحركة مناسباً بالضرورة للمشاهدة العائلية. وهذه مسألة تزداد أهميتها مع اتساع منصات العرض وتداخل التصنيفات العمرية، خصوصاً عندما يُسوَّق العمل بصرياً على أنه مغامرة بريئة، بينما يحمل مضموناً أثقل وأكثر قسوة.
نجاح صغير بالأرقام.. وكبير في الدلالة
صحيح أن أرقام إعادة الإصدار لا تضع Watership Down في مصاف الضربات الجماهيرية الحديثة، لكن المقارنة المنطقية ليست مع أفلام الموسم الضخمة، بل مع طبيعة الفيلم نفسه: عمل بريطاني كلاسيكي صدر عام 1978، وعاد في 2024 بعرض محدود. ضمن هذا الإطار، فإن قدرته على تحقيق إيرادات فعلية، وجذب الانتباه النقدي والجماهيري مجدداً، تجعل من عودته نجاحاً واضحاً.
الأهم أن الفيلم لم يعد فقط كذكرى من الثمانينيات، بل كعنوان ما زال قادراً على إثارة النقاش حول حدود أفلام التحريك، والفرق بين “الفيلم المرسوم” و“الفيلم الموجّه للأطفال”. وهذه نقطة تمنح العمل حياة جديدة في زمن تعاد فيه قراءة التراث السينمائي بعدسات مختلفة.
حقائق سريعة عن الفيلم
- العنوان: Watership Down
- سنة الإصدار الأصلية: 1978
- المخرج: مارتن روزن
- المصدر الأدبي: رواية ريتشارد آدامز
- موعد إعادة الطرح السينمائي: 25 أكتوبر 2024
- جهة إعادة الإصدار: BFI Distribution
- صيغة النسخة الجديدة: ترميم 4K
- إيرادات إعادة الإصدار 2024: نحو 21.9 ألف دولار عالمياً
في المحصلة، تؤكد عودة Watership Down أن بعض الأفلام لا تحتاج إلى ضجة موسمية كي تُثبت أهميتها. يكفي أن تُعرض من جديد في اللحظة المناسبة، وبالنسخة المناسبة، لتتذكر الأجيال لماذا بقيت حية كل هذه السنوات.