فيلم وثائقي يعيد نهضة هارلم إلى الشاشة بعد نصف قرن
فيلم وثائقي يعود من أرشيف السبعينيات إلى سباق الخريف السينمائي
يشهد موسم الخريف السينمائي في الولايات المتحدة عودة لافتة لفيلم Once Upon a Time in Harlem، وهو عمل وثائقي استثنائي اكتملت صيغته النهائية بعد أكثر من خمسة عقود على تصوير مواده الأصلية. الفيلم يحمل توقيع المخرج الأميركي الراحل ويليام غريفز، أحد الأسماء المؤسسة في السينما الوثائقية السوداء في الولايات المتحدة، قبل أن يتولى ابنه ديفيد غريفز استكمال المشروع وإخراجه بالشراكة مع إرث والده. وقد حدّدت شركة NEON (@neonrated على إنستغرام) موعد طرحه في دور عرض أميركية مختارة يوم 16 أكتوبر 2026.
بالنسبة للقارئ المصري والعربي، لا تبدو أهمية الفيلم مرتبطة فقط بتاريخه الإنتاجي الطويل، بل أيضاً بموضوعه: توثيق لحظة ثقافية نادرة جمعت عدداً من رموز نهضة هارلم داخل منزل أسطورة الجاز ديوك إلينغتون في نيويورك عام 1972. هذه الفكرة وحدها تجعل الفيلم أقرب إلى كبسولة زمنية تحفظ ذاكرة جماعية، أكثر من كونه مجرد وثائقي تقليدي.
ما قصة الفيلم؟
تعود بداية المشروع إلى عام 1972 حين قرر ويليام غريفز جمع من استطاع الوصول إليهم من الشخصيات التي ارتبطت بمرحلة نهضة هارلم، ذلك التيار الثقافي والفني والفكري الذي ترك أثراً عميقاً في الأدب والموسيقى والفنون السوداء في القرن العشرين. أقيم اللقاء في منزل ديوك إلينغتون في حي هارلم، وصُوّر على خام 16 ملم، ليخرج في هيئة مادة أرشيفية نادرة ظلت غير مكتملة لسنوات طويلة. وبعد وفاة ويليام غريفز في 2014، عاد ابنه ديفيد إلى اللقطات الأصلية وأنجز الفيلم في نسخة حديثة تُعيد تقديم الحدث للأجيال الجديدة.
المثير في هذا العمل أن ديفيد غريفز لم يكن مجرد وريث للمشروع، بل كان أيضاً من بين المصورين الذين شاركوا في تصوير اللقاء الأصلي عام 1972، ما يمنح النسخة المكتملة بعداً شخصياً وعائلياً إلى جانب قيمتها التاريخية. كما شاركت لياني غريفز، حفيدة ويليام، في المسار الذي أعاد الفيلم إلى الواجهة، في مثال واضح على انتقال الذاكرة السينمائية عبر الأجيال.
من صندانس إلى كان وتيلورايد ثم نيويورك
بدأ الفيلم رحلته الدولية من مهرجان صندانس 2026، حيث عُرض ضمن قسم Premieres، ولفت الانتباه بوصفه عملاً “صنعه الزمن” بقدر ما صنعه صناع السينما. ونشرت إدارة صندانس مادة تعريفية موسعة عن الفيلم في 29 يناير 2026، أكدت فيها أن العمل ينقل المشاهد إلى جلسة حميمة في منزل إلينغتون، حيث تتحول السهرة إلى نقاشات وذكريات وشهادات حية عن التاريخ والثقافة والهوية.
بعد ذلك، واصل الفيلم حضوره في المشهد المهرجاني الدولي، إذ ظهر ضمن Quinzaine des Cinéastes في كان 2026، وفق برنامج العروض المنشور رسمياً، قبل أن يُدرج أيضاً ضمن تشكيلة مهرجان تيلورايد السينمائي 2026. كما بات مؤكداً وجوده في مهرجان نيويورك السينمائي 2026 عبر صفحة Film at Lincoln Center الخاصة بالدورة الحالية.
هذا المسار يمنح الفيلم ثقلاً نقدياً واضحاً، خصوصاً أن وصوله إلى أكثر من مهرجان بارز في عام واحد يرسخ صورته كأحد أهم الوثائقيات الأميركية في 2026، وليس فقط كاكتشاف أرشيفي متأخر.
لماذا يهم هذا الفيلم جمهور المنطقة العربية؟
رغم أن موضوع الفيلم أميركي في جذوره، فإن صلته بالمتلقي العربي، وخصوصاً في مصر، تتجاوز الجغرافيا. فالأفلام التي تستعيد الأرشيف الثقافي وتعيد تركيب لحظات مفصلية من تاريخ الأقليات أو الحركات الفنية الكبرى، تشبه في أهميتها كثيراً مشاريع توثيق الذاكرة السينمائية والموسيقية في العالم العربي وأفريقيا. من هنا، يمكن النظر إلى Once Upon a Time in Harlem باعتباره نموذجاً لكيفية إنقاذ مادة تاريخية من الضياع وتحويلها إلى حدث ثقافي جديد.
كما أن زاوية الفيلم تتقاطع مع اهتمامات جمهور قسم السينما العربية بالمعنى القاري الأوسع: كيف تحفظ السينما ذاكرة المجتمعات المهمشة؟ وكيف يمكن لصورة قديمة، أُنجزت في ظرف سياسي وثقافي مختلف، أن تستعيد حضورها في الحاضر وتخاطب أزمات الهوية والتمثيل والعدالة الثقافية؟ هذه الأسئلة ليست بعيدة عن النقاشات الدائرة في المشهدين العربي والأفريقي اليوم. واستناداً إلى ما نشره صندانس، فإن جوهر الفيلم يتمثل في فكرة التعاون بين الفنانين بوصفه قوة مواجهة وصمود، وهي قراءة تبدو معاصرة بوضوح رغم أن المادة الأصلية تعود إلى السبعينيات.
مدة الفيلم وخلفيته الإنتاجية
تُظهر بيانات العروض الرسمية أن مدة الفيلم تبلغ نحو 100 دقيقة، أي ساعة و40 دقيقة تقريباً. كما تصفه الصفحة الرسمية الخاصة بالمشروع بأنه “فيلم استغرق صنعه أكثر من 50 عاماً”، وهي عبارة تختصر تماماً طبيعة هذا العمل الذي وُلد في زمن، ثم اكتمل في زمن آخر. وتكشف مواد صندانس كذلك أن المونتاج النهائي استفاد من كمية ضخمة من اللقطات، وصلت إلى نحو 60 ألف قدم من الفيلم، وهو ما يفسر طول فترة الاستعادة والتحرير.
هذه الخلفية الإنتاجية ليست تفصيلاً هامشياً، بل جزء من جاذبية الفيلم نفسه. فالمشاهد لا يتابع فقط لقاء تاريخياً بين شخصيات ثقافية بارزة، بل يشاهد أيضاً انتصاراً مؤجلاً لمخرج رحل قبل أن يرى مشروعه الأخير كاملاً على الشاشة.
ماذا نعرف عن الاستقبال الأولي؟
الاهتمام الذي رافق الفيلم منذ عرضه الأول في صندانس انعكس سريعاً على مساره التجاري، إذ أصبح من الأعمال التي جذبت شركة توزيع كبرى مثل NEON، المعروفة في السنوات الأخيرة بقدرتها على تحويل الأفلام الفنية والوثائقية إلى عناوين متداولة نقدياً وجماهيرياً. كما أدرجته وكالات وصحف أميركية ضمن أبرز أفلام الخريف المنتظرة قبل انطلاق عروضه التجارية المحدودة في أكتوبر.
وبالنظر إلى الزخم المهرجاني الحالي، يمكن توقع أن يواصل الفيلم حضوره في النقاشات السينمائية خلال الأسابيع المقبلة، خاصة مع انتقاله من دائرة العروض المتخصصة إلى صالات العرض. وهذه نقطة مهمة لمتابعي الأفلام الوثائقية في مصر والمنطقة، لأن مثل هذه العناوين غالباً ما تشق طريقها لاحقاً إلى المنصات، أو إلى برامج المهرجانات العربية التي تبحث عن أعمال ذات قيمة تاريخية وفنية عالية. هذا الاستنتاج يبقى قراءة مبنية على نمط تداول الأفلام المهرجانية، لا إعلاناً رسمياً بشأن توزيعه في المنطقة.
فيلم عن الذاكرة أكثر من كونه عن الماضي
في النهاية، لا يقدم Once Upon a Time in Harlem مجرد استرجاع نوستالجي لسهرة ثقافية منسية في نيويورك، بل يطرح سؤالاً أوسع: ماذا يحدث عندما تنجح السينما في استعادة أصوات كانت مهددة بالاختفاء؟ هنا تكمن قيمة العمل الحقيقية. فهو يضع أمام الجمهور المعاصر وجوهاً وأحاديث ولحظات لم تُصنع أصلاً لتكون “تحفة مؤجلة”، لكنها صارت كذلك بفعل الزمن، والإهمال، ثم الإنقاذ.
ومع اقتراب موعد طرحه في 16 أكتوبر 2026، يبدو الفيلم مرشحاً لأن يكون أحد أهم الوثائقيات التي تستحق المتابعة هذا الموسم، ليس فقط لكونه يعود من الماضي، بل لأنه يذكرنا بأن الأرشيف حين يُعاد اكتشافه جيداً، يمكن أن يصبح خبراً فنياً جديداً بكل معنى الكلمة.