فيلم نولان «الأوديسة» يعيد الجدل حول شعوب البحر
عودة ملحمة قديمة إلى الشاشات تفتح بابًا مصريًا للتاريخ
مع وصول فيلم «The Odyssey» للمخرج البريطاني كريستوفر نولان إلى دور العرض يوم 17 يوليو 2026، عاد الاهتمام العالمي ليس فقط بملحمة هوميروس الشهيرة، بل أيضًا بالشعوب الغامضة التي ارتبط اسمها باضطرابات شرق المتوسط في نهاية العصر البرونزي. الفيلم، الذي يقدّم مات ديمون في دور أوديسيوس، يضم كذلك توم هولاند وآن هاثاواي وزيندايا وروبرت باتينسون ولوبيتا نيونجو وتشارليز ثيرون، وتسوّقه يونيفرسال كعمل صُوّر بالكامل بكاميرات IMAX وبطابع ملحمي واسع النطاق.
ومن زاوية مصرية وعربية، لا يبدو الحديث عن شعوب البحر مجرد هامش تاريخي. فهذه الجماعات تظهر في قلب السرديات المصرية القديمة، خصوصًا في نقوش رمسيس الثالث في معبد مدينة هابو بالأقصر، وهي من أهم الشواهد البصرية والنصية التي حفظت لنا صورة الصدامات الكبرى في شرق المتوسط.
من هم شعوب البحر فعلًا؟
مصطلح «شعوب البحر» ليس اسم أمة واحدة متماسكة، بل توصيف حديث لمجموعات متعددة ظهرت في السجلات المصرية خلال القرنين الثالث عشر والثاني عشر قبل الميلاد. هذه المصادر تربطهم بفترات اضطراب كبرى شهدت تحركات سكانية وصراعات بحرية وبرية واسعة، لا سيما في زمن مرنبتاح ثم رمسيس الثالث. وتوضح مواد المتحف المصري العالمي والمتحف القومي للحضارة المصرية أن المصريين القدماء سجّلوا هذه المواجهات بوصفها تهديدًا حقيقيًا لحدود الدولة وممراتها البحرية.
لكن المشكلة أن الصورة التي علقت في الذاكرة الشعبية عنهم، باعتبارهم مجرد «غزاة متوحشين» أو «أشباح قادمة من البحر»، تبدو اليوم مبسطة أكثر من اللازم. عدد من المراجع الحديثة يشير إلى أن الأمر كان على الأرجح أعقد من حملات نهب عابرة؛ إذ قد تكون بعض تلك الجماعات جزءًا من هجرات وتحركات سكانية صاحبت انهيار أنظمة سياسية وتجارية كبرى في شرق المتوسط.
لماذا ارتبطوا دائمًا بالخراب؟
السبب الرئيسي يعود إلى طبيعة المصادر نفسها. أغلب ما نعرفه عن شعوب البحر وصلنا من نصوص رسمية مصرية كُتبت من منظور الدولة المنتصرة، وبالتالي ركزت على الخطر العسكري وعلى بطولة الملك في صدّه. في نقوش مدينة هابو، يظهر رمسيس الثالث وهو يواجه أعداء قدموا بحرًا وبرًا في مشاهد أصبحت من أشهر الأيقونات البصرية في تاريخ مصر القديمة.
هذه النقوش مهمة للغاية، لكنها لا تمنحنا رواية كاملة عن هوية كل مجموعة أو دوافعها أو مصيرها النهائي. بعض الباحثين يميلون إلى أن وصفهم ككتلة موحدة مضلّل أصلًا، وأن الحديث عن «شبكة من الجماعات المتحركة» أدق من تصور «إمبراطورية بحرية» واحدة.
مدينة هابو: الشاهد المصري الأوضح
بالنسبة للقارئ في مصر، تبقى مدينة هابو نقطة الارتكاز الأهم لفهم القصة. فالمعبد الجنائزي لرمسيس الثالث في البر الغربي بالأقصر يحفظ مشاهد معارك تعد من أشهر التمثيلات البصرية للحرب البحرية في العالم القديم. ويؤكد المتحف القومي للحضارة المصرية أن سنوات حكم رمسيس الثالث الأولى شهدت صدامات مع الليبيين ومع شعوب البحر، في سياق اضطراب سكاني وسياسي واسع في حوض المتوسط.
كما تشير مواد موثقة عن الموقع إلى أن السنة الثامنة من حكم رمسيس الثالث ارتبطت بالمواجهة الكبرى التي حاولت خلالها هذه الجماعات التقدم نحو دلتا النيل برًا وبحرًا. ومن هنا، فإن أي تناول سينمائي أو ثقافي لملحمة المتوسط القديمة يلامس، بشكل غير مباشر، فصلًا محفوظًا على جدران آثار مصر نفسها.
ما علاقة «الأوديسة» بهذه القصة؟
فيلم نولان لا يتمحور مباشرة حول شعوب البحر بقدر ما يستحضر العالم الذي خرجت منه ملحمة أوديسيوس: عالم ما بعد حرب طروادة، والرحلات الخطرة، والانهيارات الكبرى، والحدود الهشة بين التاريخ والأسطورة. هذا ما يجعل اسم شعوب البحر يعود إلى التداول كلما أُعيد تقديم الميثولوجيا اليونانية في عمل ضخم يخص شرق المتوسط.
وبحسب المواد الرسمية الخاصة بالفيلم، فإن مات ديمون يؤدي دور أوديسيوس، بينما تجسد آن هاثاواي شخصية بينيلوبي ويؤدي توم هولاند دور تيليماخوس. وتشير المنصات الرسمية ليونيفرسال وNBCUniversal إلى أن الفيلم طُرح عالميًا في 17 يوليو 2026، مع تأكيد على حجمه الإنتاجي الكبير وتقنيات التصوير الجديدة المستخدمة فيه.
لماذا يهم هذا مصر والمنطقة؟
لأن شرق المتوسط ليس مجرد خلفية للملحمة، بل هو قلبها الجغرافي والحضاري. من اليونان إلى سواحل الأناضول وقبرص وبلاد الشام ومصر، تتحرك هذه الحكايات على خريطة يعرفها القارئ العربي جيدًا. وعندما يعيد فيلم عالمي بهذا الحجم فتح النقاش حول أزمنة الانهيار والنجاة والعودة إلى الوطن، فإن مصر تظهر تلقائيًا كمرجع أساسي، لا كمتفرج بعيد.
كما أن الربط بين السينما العالمية والموروث المصري القديم يمنح المؤسسات الثقافية والسياحية في مصر فرصة جديدة لتقديم مواقع مثل الأقصر ومدينة هابو ضمن سياق عالمي معاصر، خصوصًا لدى جمهور يتعرّف إلى التاريخ أولًا عبر الشاشة قبل أن يقرأه في الكتب.
بين الأسطورة والتاريخ: ما الذي يجب الحذر منه؟
أكبر خطأ يقع فيه التناول الإعلامي السريع هو التعامل مع شعوب البحر باعتبارهم «حقيقة بسيطة» أو «سرًا تم حله بالكامل». الواقع أن هويتهم الدقيقة ما زالت محل نقاش أكاديمي، وما لدينا هو خليط من الأدلة المصرية والنقوش والمقارنات الأثرية وقراءات التاريخ الإقليمي. لذلك، فالأدق أن نقول إنهم مجموعات متعددة ارتبطت بمرحلة انهيار وتحول، لا شبحًا واحدًا ولا شعبًا واحدًا متجانسًا.
- المؤكد: وجود مواجهات موثقة في السجلات المصرية، خاصة في عهد رمسيس الثالث.
- المرجح: أن بعض هذه الجماعات كانت جزءًا من موجات هجرة وتحرك سكاني أوسع.
- غير المحسوم: الأصول الدقيقة لكل مجموعة، وحجم التنسيق بينها، وكيف اندمج من نجا منها لاحقًا.
السينما تعيد طرح الأسئلة القديمة
نجاح الأعمال الملحمية لا يكمن فقط في الإبهار البصري، بل في قدرتها على إعادة إحياء أسئلة قديمة بصياغة جديدة. وهذا ما يفعله «الأوديسة» على ما يبدو: يعيد الجمهور إلى لحظة تاريخية مشوشة، كانت فيها البحار طريقًا للحرب وللهجرة وللضياع أيضًا. وفي هذه اللحظة بالتحديد، تستعيد مصر مكانتها بوصفها صاحبة واحدة من أهم الروايات الأصلية عن تلك التحولات.
بالنسبة لجمهور المنطقة، لا تبدو قصة شعوب البحر مجرد مادة ثانوية مرافقة لفيلم أجنبي، بل موضوعًا يتقاطع مع تاريخ مصر نفسه. وبينما يتابع المشاهدون رحلة أوديسيوس على الشاشة، تظل جدران مدينة هابو تذكيرًا بأن بعض أكثر فصول المتوسط إثارة لا تزال محفوظة هنا، في الجنوب المصري، منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام.