Egypt Box Office

فيلم كوري يشعل الجدل: لماذا أثار «The Assassin(s)» الاحتجاجات؟

فيلم كوري يتجاوز الشاشة إلى ساحة السياسة

نادراً ما يخرج فيلم من قاعة العرض ليدخل مباشرة إلى قلب الاشتباك السياسي، لكن هذا ما حدث مع الفيلم الكوري الجنوبي The Assassin(s)، وهو عمل تاريخي-تشويقي يستعيد حادث إطلاق النار الذي وقع في 15 أغسطس 1974 أثناء احتفال رسمي في سيول، حين استهدف المسلح مون سي-غوانغ الرئيس الكوري الجنوبي آنذاك بارك تشونغ-هي، لتنتهي الواقعة بمقتل السيدة الأولى يوك يونغ-سو. الفيلم لم يكتفِ بإعادة تمثيل الحادثة، بل بنى دراما تحقيق تتساءل عمّا إذا كانت الرواية الرسمية قد قالت كل شيء بالفعل.

هذه الزاوية تحديداً هي التي فجّرت العاصفة. فبدلاً من أن يُستقبل الفيلم كعنوان جديد في موسم الأعياد الكوري، وجد نفسه في قلب اتهامات صريحة من سياسيين ومحافظين وناشطين بأنّه يعيد فتح ملف تاريخي محسوم، ويقدّمه بطريقة توحي بوجود أطراف أخرى خلف العملية، بما في ذلك دوائر قريبة من السلطة أو أجهزة الاستخبارات في ذلك الوقت.

ما الذي يقدمه الفيلم على مستوى الحكاية؟

بحسب بيانات الفيلم المتداولة في الأوساط الصناعية الكورية، العمل من إخراج هور جين-هو، ويقود بطولته Yoo Hae-jin وPark Hae-il وLee Min-ho (@actorleeminho على إنستغرام). وتدور القصة حول شخصيات من الشرطة والصحافة تلاحق خيوط الجريمة وتحاول فهم من دبّر الحادث الحقيقي، لا مجرد منفّذه الظاهر.

هذا البناء الدرامي يجعل The Assassin(s) أقرب إلى أفلام التحقيق السياسي منه إلى السيرة التاريخية المباشرة. ومن هنا تأتي حساسيته: الفيلم لا يقدّم درساً مدرسياً في التاريخ، بل يشتغل على الشك، والفراغات، والفرضيات، وهي عناصر جذابة سينمائياً، لكنها تصبح شديدة الالتهاب حين ترتبط بذاكرة وطنية لم تُطفأ نارها بالكامل.

بين التاريخ والخيال: أين تبدأ المشكلة؟

الرواية الرسمية القديمة في كوريا الجنوبية نسبت العملية إلى مون سي-غوانغ، وهو كوري مقيم في اليابان، وقالت إنّه تحرك بتوجيهات مرتبطة بالشمال ومنظمة موالية لبيونغ يانغ في اليابان. لكن الفيلم، وفق تقارير إعلامية كورية متقاطعة، يفتح الباب أمام احتمال وجود مساعدين أو جهة أكبر تقف خلف الهجوم. هذا لا يُعرض بوصفه وثيقة، بل ضمن دراما تستند إلى الشكوك والأسئلة التي ظلت مطروحة في بعض التغطيات والكتابات حول الحادثة.

الاعتراض المحافظ انطلق من هنا: معارضو الفيلم يقولون إنّ مجرد طرح هذه الفرضية على الشاشة، داخل عمل جماهيري واسع الانتشار، قد يدفع الجمهور للتعامل معها كأنها حقيقة تاريخية بديلة، لا كتخيل سينمائي. أما صناع الفيلم فتمسكوا بأن العمل لا يهدف إلى إنكار الوقائع الثابتة أو تشويهها، بل إلى تقديم قراءة درامية مبنية على سجلات وأسئلة ظلت عالقة.

النجاح الجماهيري لم يحمِ الفيلم من العاصفة

المفارقة اللافتة أنّ الجدل لم يمنع الفيلم من تحقيق انطلاقة قوية. فقد ذكرت صحف ووكالات كورية أن الفيلم جذب نحو 1.4 مليون مشاهد خلال عطلة تشوسوك الممتدة لأربعة أيام، فيما تجاوز إجمالي الحضور 1.6 مليون تذكرة في الأيام الأولى من عرضه. لكن الزخم لم يستمر بالوتيرة نفسها، إذ أظهرت بيانات لاحقة أنه خسر صدارة شباك التذاكر في 29 سبتمبر 2026 بعد أن ظل متقدماً منذ إطلاقه في 23 سبتمبر 2026.

هنا تبدو المسألة شديدة الأهمية من زاوية نقدية: هناك أفلام يقتلها الجدل، وأخرى ينعشها. The Assassin(s) ينتمي، حتى الآن، إلى الفئة الثانية؛ فالهجوم عليه منحه حضوراً عاماً أوسع من حدود جمهور السينما المعتاد، وجعل اسمه متداولاً بين السياسة والإعلام والثقافة معاً.

لماذا تحوّل النقاش إلى أزمة سياسية؟

السبب لا يتعلق بالفيلم وحده، بل بالشخصيات التاريخية التي يلامسها. بارك تشونغ-هي يبقى اسماً بالغ الحساسية في التاريخ الكوري الحديث: هناك من يراه رمزاً للتنمية والتحديث الاقتصادي، وهناك من يربطه بالحكم السلطوي والقمع. لذلك، فإن أي عمل فني يقترب من دائرته الشخصية أو السياسية غالباً ما يُقرأ كأنه موقف من التاريخ كله، لا من واقعة بعينها.

تقارير كورية تحدثت عن انتقادات صدرت من شخصيات مرتبطة بحزب People Power Party المحافظ، إلى جانب اعتراضات من مؤسسة تحمل اسم بارك تشونغ-هي، والتي أعربت عن أسفها لما وصفته بتشويه مأساة تاريخية، ودعت إلى اعتذار رسمي ووقف العروض. في المقابل، دافع فريق الإنتاج عن العمل باعتباره إبداعاً سينمائياً لا بياناً حزبياً.

كما اتسع الجدل لاحقاً إلى ما هو أبعد من تقييم الفيلم نفسه، إذ طال بعض الممثلين والمدعوين إلى عروضه الخاصة، ووصل إلى إلغاء أو تغييب فعاليات مرتبطة بالعمل في مهرجان بوسان السينمائي الدولي في دورته الحادية والثلاثين، المقامة بين 6 و15 أكتوبر 2026. وفي المهرجان نفسه، صدرت مواقف تدافع عن حرية الخيال الفني، معتبرة أنّ الفيلم يجب أن يُناقش بوصفه عملاً إبداعياً حتى لو كان مثيراً للجدل.

قراءة نقدية: ماذا يعني ذلك لمشاهد عربي ومصري؟

بالنسبة للقارئ في مصر، قد يبدو هذا السجال بعيداً جغرافياً، لكنه مألوف جداً على مستوى الفكرة. فالعلاقة بين السينما والذاكرة السياسية ليست قضية كورية فقط. في أي بلد يملك تاريخاً متشابكاً مع السلطة، تصبح الأفلام التاريخية ساحة اختبار: هل يحق للفن أن يملأ الفراغات؟ وهل يجوز له أن يراجع الرواية الرسمية؟ أم أن الاقتراب من الأحداث الحساسة يفرض على المخرج التزاماً أعلى من حرية التخيل؟

من هذه الزاوية، يقدم The Assassin(s) حالة دراسية مثيرة لكتّاب ونقاد قسم مراجعات الأفلام. فالقيمة هنا لا تكمن فقط في جودة الحبكة أو أداء الممثلين، بل في قدرة الفيلم على دفع الجمهور إلى التفكير في حدود النوع نفسه: هل نحن أمام فيلم تاريخي أم إثارة سياسية تستخدم التاريخ كوقود سردي؟

هل ينجح الفيلم فنياً رغم الأزمة؟

المعطيات المتاحة تشير إلى أن أحد أسرار جاذبية الفيلم هو اختياره مقاربة التحقيق بدلاً من إعادة تمثيل الحدث فقط. هذا النوع عادة يجذب الجمهور لأنه يمنحهم دوراً ذهنياً داخل القصة: المشاهد لا يتلقى الوقائع وحسب، بل يشارك في تركيبها. ولهذا السبب بالتحديد يصبح تأثيره أقوى من الأفلام التاريخية التقليدية، وأيضاً أكثر قابلية لإثارة الانقسام.

ومن الناحية التسويقية، يبدو أن الملصقات والدعاية ركزت على سؤال واحد شديد الفاعلية: من كان العقل المدبر فعلاً؟ وهو سؤال يبيع التذاكر، لكنه يضمن أيضاً فتح معركة تأويل لا تهدأ بسهولة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بحادثة موثقة في الوعي العام الكوري.

الخلاصة

The Assassin(s) ليس مجرد فيلم كوري جديد عن واقعة قديمة؛ إنه مثال واضح على كيف يمكن للسينما أن تعيد تفجير التاريخ داخل الحاضر. نجاحه في شباك التذاكر، والاعتراضات السياسية عليه، والجدل حول حضوره في مهرجان بوسان، كلها تؤكد أن الفيلم أصاب منطقة شديدة الحساسية في الذاكرة الكورية.

وبالنسبة لمتابعي السينما في مصر والعالم العربي، فالقصة تستحق المتابعة ليس فقط بسبب الجدل، بل لأنّها تذكّرنا بأن الأفلام التاريخية حين تُصنع بوعي تشويقي لا تكتفي بإعادة الماضي، بل تعيد التفاوض عليه أمام الجمهور من جديد.

  • تاريخ الواقعة الأصلية: 15 أغسطس 1974
  • تاريخ طرح الفيلم في كوريا الجنوبية: 23 سبتمبر 2026
  • المخرج: هور جين-هو
  • أبرز الأبطال: Yoo Hae-jin، Park Hae-il، Lee Min-ho، Park Jung-min
  • محور الجدل: هل يطرح الفيلم فرضية تتعارض مع الرواية الرسمية لحادث 1974؟