فيلم غربي من الأربعينيات أطلق سلسلة تجاوزت 65 عملاً
فيلم من زمن الأبيض والأسود سبق منطق الامتيازات الحديثة
حين يتحدث جمهور اليوم عن السلاسل السينمائية الطويلة، تتجه الأنظار غالباً إلى عناوين معاصرة ضخمة، لكن تاريخ السينما يعرف نماذج أقدم بكثير صنعت فكرة “الامتداد” قبل أن تصبح كلمة فرانشايز جزءاً أساسياً من لغة السوق. من أبرز هذه النماذج فيلم The Durango Kid الصادر في 15 أغسطس 1940، وهو عمل ويسترن أمريكي قصير نسبياً، بلغت مدته 61 دقيقة، لكنه ترك أثراً أكبر بكثير من حجمه الإنتاجي، لأن الشخصية التي حملها تحولت لاحقاً إلى سلسلة واسعة من أفلام الويسترن امتدت لعقود قصيرة لكنها مكثفة في الإنتاج.
الفيلم أخرجه Lambert Hillyer وقدم بطولته Charles Starrett إلى جانب Luana Walters وKenneth MacDonald. وبحسب بيانات AFI Catalog، تولت إنتاجه وتوزيعه شركة Columbia Pictures، كما صُوّر جزئياً في Agoura Ranch بولاية كاليفورنيا. هذه التفاصيل قد تبدو أرشيفية بحتة، لكنها مهمة لفهم كيف كانت استوديوهات هوليوود في الأربعينيات تبني شخصيات قابلة للتكرار السريع، تماماً مثلما تفعل المنصات والاستوديوهات الكبرى اليوم ولكن بأدوات مختلفة.
كيف بدأ كل شيء مع The Durango Kid؟
في الفيلم الأصلي، يؤدي تشارلز ستاريت شخصية الرجل المقنّع الذي يواجه مجموعة من الخارجين على القانون في إطار ينتمي بوضوح إلى تقاليد الويسترن الشعبي منخفض التكلفة. القصة تقوم على الصراع حول الأرض والعدالة والانتقام، وهي موضوعات شديدة الارتباط بالويسترن الأمريكي في تلك الحقبة. وتوضح سجلات AFI أن الفيلم يدور حول عودة البطل إلى مزرعة عائلته، قبل أن يدخل في مواجهة مع رجل نافذ يمارس الإرهاب ضد المستوطنين، ليظهر لاحقاً بهوية “The Durango Kid” المقنّعة دفاعاً عن الضعفاء.
المهم هنا ليس فقط حبكة الفيلم، بل أن الشخصية نفسها كانت قابلة للتسويق والاستنساخ. هذه القابلية هي التي سمحت لاحقاً بتحويلها إلى سلسلة متتابعة. ووفق AFI Catalog، أعادت كولومبيا إحياء الشخصية في سلسلة جديدة بدأت فعلياً مع فيلم The Return of the Durango Kid عام 1945. وتشير قاعدة بيانات السلسلة إلى أن المشروع نما لاحقاً ليصل إلى 65 فيلماً، وهو رقم ضخم جداً إذا قيس بسرعة الإنتاج في تلك المرحلة وبطبيعة النوع نفسه.
تشارلز ستاريت.. الوجه الذي ثبّت السلسلة
يصعب الحديث عن نجاح هذه الظاهرة من دون التوقف عند Charles Starrett. الممثل الأمريكي، المولود عام 1903 والمتوفى عام 1986، ارتبط اسمه بقوة بشخصية دورانغو كيد، حتى أصبحت هذه الهوية جزءاً من صورته الجماهيرية. وتشير قواعد بيانات الأفلام إلى أن ستاريت شارك في عدد كبير من أفلام الويسترن مع كولومبيا، وأن شخصية دورانغو كيد أعادت تنشيط مكانته الجماهيرية في فترة كانت أفلام الويسترن القصيرة تمثل ركيزة أساسية لبرامج العرض في الولايات المتحدة.
الجمهور المصري والعربي قد يجد في هذه الظاهرة ما يوازيها محلياً في فكرة “البطل الشعبي” الذي يعود بأشكال متعددة داخل أفلام متقاربة في النبرة والموضوع. صحيح أن السياق الصناعي مختلف بين هوليوود الكلاسيكية والسينما العربية، لكن المبدأ واحد: شخصية ناجحة يمكنها أن تحمل أكثر من فيلم وأكثر من موسم من الرواج. لهذا تبدو العودة إلى The Durango Kid مفيدة ليس فقط كحكاية أمريكية قديمة، بل كمثال مبكر على اقتصاد النجومية القائم على التكرار المدروس.
65 فيلماً.. رقم يشرح قيمة الويسترن في زمنه
حين نقرأ اليوم أن سلسلة واحدة انطلقت من هذه الشخصية وبلغت 65 فيلماً، قد يبدو الأمر أقرب إلى المبالغة، لكنه في الحقيقة يعكس طبيعة الصناعة وقتها. أفلام الويسترن من الفئة الثانية أو ما يُعرف بأفلام B-movies كانت تعتمد على الميزانيات المحدودة، والإيقاع السريع في التصوير، والاعتماد على ممثل معروف وجمهور وفيّ. وبذلك لم يكن مطلوباً من كل جزء أن يعيد اختراع السينما، بل أن يقدّم جرعة مألوفة من المطاردات والاشتباكات والأبطال المقنّعين.
وتظهر سجلات AFI ومواد أرشيفية أخرى أن السلسلة استمرت فعلياً عبر النصف الثاني من الأربعينيات وبداية الخمسينيات، وهي فترة شهدت ازدهاراً واسعاً لهذا النوع قبل أن يبدأ التراجع التدريجي مع تغيّر أذواق الجمهور وصعود التلفزيون. ومن هنا يمكن فهم الرقم لا بوصفه إنجازاً حسابياً فقط، بل بوصفه دليلاً على مركزية الويسترن في الثقافة الشعبية الأمريكية آنذاك.
لماذا يهم هذا الخبر القارئ العربي اليوم؟
لأن النقاش حول الامتيازات السينمائية ليس جديداً كما يبدو. كثير من القراء في مصر والمنطقة يتابعون اليوم أخبار السلاسل الطويلة وإعادة التشغيل والنسخ الجديدة، بينما يكشف تاريخ The Durango Kid أن الصناعة جرّبت هذا المنطق منذ أكثر من ثمانية عقود. الفارق أن الامتيازات القديمة بُنيت على دور العرض الأسبوعية والشخصيات النمطية، بينما تقوم الامتيازات الحديثة على التسويق العابر للمنصات والبضائع والحقوق الموازية.
ومن زاوية نقدية، يوضح المثال أيضاً أن “طول السلسلة” لا يعني بالضرورة “الهيبة الفنية” بقدر ما يعني أحياناً كفاءة النموذج التجاري. وهذا لا ينتقص من قيمة الفيلم الأصلي، بل يضعه في مكانه الصحيح: عمل تأسيسي داخل نوع سينمائي جماهيري، فتح الباب أمام واحدة من أطول سلاسل الويسترن المرتبطة بنجم واحد وشخصية واحدة.
ما الذي نعرفه يقيناً عن الفيلم الأول؟
- العنوان: The Durango Kid
- سنة الإصدار: 1940
- تاريخ العرض: 15 أغسطس 1940
- المدة: 61 دقيقة
- الإخراج: Lambert Hillyer
- البطولة: Charles Starrett، Luana Walters، Kenneth MacDonald
- شركة الإنتاج والتوزيع: Columbia Pictures Corp.
- بداية السلسلة اللاحقة: The Return of the Durango Kid عام 1945
- إجمالي أفلام السلسلة: 65 فيلماً
بين الأرشيف والذاكرة السينمائية
قد لا يكون The Durango Kid من الأفلام التي تتصدر قوائم المشاهدة العربية اليوم، لكنه يظل عنواناً مهماً لكل من يهتم بتاريخ الأنواع السينمائية وكيفية تحوّل شخصية واحدة إلى ماكينة إنتاج كاملة. وفي زمن يعاد فيه تقييم التراث السينمائي العالمي باستمرار، تبقى هذه الأعمال القديمة مفاتيح لفهم كيف بنت هوليوود علاقتها بالجمهور قبل العصر الرقمي بوقت طويل.
وبالنسبة لمتابعي السينما في مصر والمنطقة، فإن مثل هذه القصص تذكّر بأن تاريخ الشاشة لا يُكتب فقط عبر الأفلام “المرموقة”، بل أيضاً عبر الأعمال الشعبية التي عاشت طويلاً لأنها فهمت قواعد المتعة المباشرة. هكذا، يبدو The Durango Kid أكثر من مجرد فيلم ويسترن من الأربعينيات؛ إنه البذرة الأولى لسلسلة تجاوزت 65 عملاً، وواحد من أوضح الأمثلة على أن فكرة الامتياز السينمائي أقدم بكثير مما نظن.