فيلم غربي منسي لتوبي ماغواير يستحق إعادة الاكتشاف
فيلم لم ينجح تجارياً... لكنه بقي حاضراً في ذاكرة محبي السينما
عندما يُذكر اسم توبي ماغواير، يتجه ذهن كثير من الجمهور مباشرة إلى سلسلة Spider-Man التي صنعت شعبيته العالمية في الألفية الجديدة. لكن قبل ذلك بسنوات، شارك الممثل الأمريكي في فيلم مختلف تماماً هو Ride with the Devil الصادر عام 1999، وهو عمل يجمع بين الدراما التاريخية والويسترن والحرب، وأخرجه المخرج التايواني الحائز لاحقاً على الأوسكار آنغ لي. ورغم الطموح الفني الواضح للفيلم، فإنه لم يحقق حضوراً يوازي قيمته عند شباك التذاكر.
الفيلم عاد أخيراً إلى دائرة النقاش بين محبي السينما الكلاسيكية الحديثة، ليس فقط لأنه يضم توبي ماغواير في مرحلة مبكرة من مسيرته، بل لأنه يمثل أيضاً محاولة جادة لإعادة قراءة الحرب الأهلية الأمريكية من زاوية أقل شيوعاً في السينما التجارية.
ما هو فيلم Ride with the Devil؟
تدور أحداث الفيلم على هامش الحرب الأهلية الأمريكية، حيث يتابع مجموعة من الشبان المنخرطين في صراع حدودي دموي بين ميزوري وكانساس. ويؤدي توبي ماغواير دور جيك روديل، إلى جانب سكيت أولريش في دور جاك تشايلز، وجيفري رايت في دور دانيال هولت. ويقدم العمل رؤية إنسانية لشخصيات تعيش وسط الفوضى، بعيداً عن الصياغة البطولية التقليدية التي كثيراً ما طبعت أفلام الويسترن والحروب.
بحسب بيانات Rotten Tomatoes، يحمل الفيلم تقييماً نقدياً عند حدود 65% من مراجعات النقاد، مع إشادة خاصة بأداء الممثلين والطابع البصري، حتى لو اعتبر بعض النقاد أن الإيقاع بطيء أو أن البناء العاطفي ليس بالقوة نفسها طوال الفيلم. وتُظهر الصفحة نفسها أن مدة الفيلم تبلغ ساعتين و18 دقيقة، وهو ما يفسر جزئياً صعوبة تسويقه لجمهور يبحث عادة عن إيقاع أسرع في هذا النوع السينمائي.
لماذا يُنظر إليه كواحد من أكثر أفلام توبي ماغواير ظلماً؟
الأرقام التجارية تشرح جانباً كبيراً من القصة. فوفق بيانات Box Office Mojo، بلغت إيرادات الفيلم داخل السوق الأمريكية نحو 635 ألف دولار فقط، مقابل ميزانية قُدرت بنحو 38 مليون دولار. وافتتح الفيلم في 11 صالة عرض فقط، ثم وصل في أوسع انتشار له إلى 60 صالة، وهو نطاق توزيع محدود جداً بالنسبة لفيلم بهذه الكلفة والطموح.
هذه النتيجة التجارية الضعيفة لا تعني بالضرورة أن الفيلم فشل فنياً. على العكس، كثير من الأعمال التي لم تجد جمهورها فور صدورها تعود لاحقاً إلى الواجهة مع تغيّر الذائقة النقدية والجماهيرية، خصوصاً في عصر المنصات الرقمية وإعادة تقييم أفلام التسعينيات. وبالنسبة لمتابعي السينما في مصر والمنطقة العربية، تبدو هذه الحالة مألوفة؛ إذ كثيراً ما تحظى أفلام لم تنجح جماهيرياً في عرضها الأول بمكانة أعلى مع مرور الوقت، حين تُشاهد خارج ضغوط الموسم والإيرادات.
آنغ لي وتجربة ويسترن غير تقليدية
خصوصية Ride with the Devil لا ترتبط فقط ببطله، بل أيضاً بمخرجه. آنغ لي، المعروف بأعمال متنوعة مثل Crouching Tiger, Hidden Dragon وBrokeback Mountain وLife of Pi، دخل هنا منطقة أمريكية شديدة الحساسية تاريخياً: الحرب الأهلية وما ارتبط بها من انقسامات هوية وطبقة وعرق. بدلاً من تقديم معارك كبرى فقط، اختار الفيلم الاقتراب من التفاصيل اليومية، ومن شخصيات تعيش ارتباكاً أخلاقياً وإنسانياً داخل حرب لا تترك أحداً كما كان.
هذا التوجه جعل الفيلم أقرب إلى دراما تأملية منه إلى ويسترن تجاري صاخب. ومن هنا يمكن فهم سبب تباين الاستقبال عند صدوره في 26 نوفمبر 1999؛ فقد جاء إلى الصالات في فترة مزدحمة بأفلام جماهيرية أقوى تسويقاً، بينما كان هو أقرب إلى سينما المؤلف منها إلى الإنتاج الهوليوودي المصمم لحصد إيرادات سريعة.
أداء توبي ماغواير قبل مرحلة الشهرة الكبرى
بالنسبة لمسيرة توبي ماغواير، يشكل الفيلم محطة لافتة لأنه يكشف جانباً مختلفاً من حضوره التمثيلي، قبل أن يتحول إلى أحد أشهر وجوه أفلام الأبطال الخارقين. في Ride with the Devil، لا يعتمد الأداء على الجاذبية الجماهيرية أو الصورة النجمية، بل على التوتر الداخلي والتحول النفسي لشخصية تنضج تحت ضغط العنف والخسارة.
ورغم أن توبي ماغواير لا يملك حساباً رسمياً موثقاً يمكن التحقق منه على إنستغرام وقت إعداد هذا المقال، فإن اسمه لا يزال مرتبطاً لدى قطاع واسع من الجمهور العالمي بأدوار شكّلت ملامح جيل كامل من مشاهدي السينما في أواخر التسعينيات وبداية الألفية.
لماذا قد يهم هذا الفيلم جمهور مصر والمنطقة؟
قد يبدو فيلم عن الحرب الأهلية الأمريكية بعيداً عن اهتمامات القارئ العربي للوهلة الأولى، لكن قيمته الحقيقية تتجاوز الجغرافيا. فالفيلم يناقش موضوعات مألوفة في كثير من سينمات العالم: الانقسام الأهلي، التحولات الاجتماعية، العلاقة بين الهوية والعنف، وكيف تغيّر الحروب مصائر الأفراد العاديين. هذه القضايا تجعل العمل قابلاً لإعادة القراءة من منظور أوسع، وهو ما يفسر استمرار الاهتمام به بين عشاق الأفلام التاريخية والويسترن غير التقليدي.
كما أن متابعي السينما في مصر اعتادوا خلال السنوات الأخيرة على إعادة اكتشاف أفلام قديمة عبر المنصات وقوائم التوصيات، خصوصاً تلك التي لم تنل فرصتها عند العرض الأول. وفي هذا السياق، يبدو Ride with the Devil مرشحاً مثالياً لمشاهدة جديدة، بعيداً عن مقاييس النجاح التجاري السريع.
هل يستحق المشاهدة اليوم؟
إذا كان المعيار هو البحث عن فيلم ويسترن مليء بالمطاردات والإثارة المستمرة، فقد لا يكون هذا العمل هو الخيار الأول. أما إذا كان المطلوب تجربة أكثر هدوءاً ونضجاً، تعتمد على الأداء والجو العام والتفاصيل التاريخية، فالفيلم يستحق بلا شك فرصة جديدة. قوته الأساسية تكمن في مزجه بين الحرب والدراما الشخصية، وفي نظرته الأقل شيوعاً لتاريخ أمريكي كثيراً ما قُدم بصورة مبسطة.
- سنة الإصدار: 1999
- المخرج: آنغ لي
- البطولة: توبي ماغواير، سكيت أولريش، جيفري رايت، جول، سايمون بيكر
- المدة: 2 ساعة و18 دقيقة
- الإيرادات الأمريكية: نحو 635 ألف دولار
- الميزانية التقديرية: 38 مليون دولار
خلاصة
بعد أكثر من ربع قرن على صدوره، يبدو Ride with the Devil مثالاً واضحاً على الأفلام التي عاقبها السوق ولم يُنصفها الزمن الأول. صحيح أنه لم يحقق النجاح التجاري المنتظر عام 1999، لكن حضوره الفني، وأداء توبي ماغواير فيه، ورؤية آنغ لي الإخراجية، كلها عناصر تجعل منه فيلماً جديراً بإعادة الاكتشاف اليوم. وبالنسبة لقراء قسم السينما العربية المهتمين بمتابعة التحولات الكبرى في السينما العالمية خارج المركزية التجارية، فهذا الفيلم يثبت أن بعض الأعمال تحتاج فقط إلى جمهور يأتي متأخراً قليلاً.