Egypt Box Office

فيلم روبن ويليامز المنسي الذي خسر شباك التذاكر وكسب الزمن

فيلم خسره السوق وربحه الوقت

في نهاية التسعينيات، كان روبن ويليامز قد وصل إلى مرحلة فنية لافتة بعد فوزه بجائزة الأوسكار عن دوره المساند في Good Will Hunting عام 1998. وفي اللحظة التي توقع فيها كثيرون استمرار الموجة نفسها جماهيريًا، اختار الممثل الراحل عملًا مختلفًا تمامًا في المزاج والشكل: What Dreams May Come، الفيلم الذي صدر في 2 أكتوبر 1998 بإخراج النيوزيلندي فينسنت وارد، وشارك في بطولته كوبا جودينج جونيور وأنابيلا شيورا وماكس فون سيداو.

الفيلم لم يكن مشروعًا تجاريًا تقليديًا بقدر ما كان مغامرة بصرية وعاطفية تدور حول الفقد والحب والحياة بعد الموت. وربما لهذا السبب تحديدًا تعثر عند شباك التذاكر، رغم أن كثيرين عادوا لاحقًا للتعامل معه بوصفه واحدًا من أكثر أفلام ويليامز طموحًا على مستوى الصورة والخيال. بالنسبة للقارئ المصري والعربي، يظل هذا النوع من الأعمال مثيرًا للاهتمام لأنه يطرح أسئلة إنسانية كبرى بلغة سينمائية قريبة من الحس الملحمي والروحاني الذي لطالما وجد جمهورًا في المنطقة.

ما قصة الفيلم؟

تدور الحكاية حول طبيب يُدعى كريس نيلسن، يجسده روبن ويليامز، يلقى حتفه في حادث ثم يجد نفسه في عالم أخروي مصمم بصريًا على نحو أقرب إلى لوحات زيتية حية. لاحقًا يكتشف أن زوجته آني، التي تلعب دورها أنابيلا شيورا، انهارت تحت وطأة الفقد، لتدخل مسارًا مأساويًا يدفعه إلى رحلة تتجاوز الجنة والجحيم من أجل استعادتها. الموقع الرسمي لإصدار الفيلم المنزلي لدى يونيفرسال يصفه كرحلة خارقة للطبيعة تقود البطل إلى محاولة إنقاذ زوجته في الآخرة، كما يثبت قائمة البطولة والإخراج والتصنيف العمري PG-13.

هذه الفكرة لم تأتِ من فراغ؛ فالسيناريو مقتبس عن رواية Richard Matheson الصادرة عام 1978، وهي رواية يؤكد ناشرها الحديث أنها كانت الأساس الذي بُني عليه الفيلم الفائز بالأوسكار. أما الإخراج فحمله فينسنت وارد، الذي تشير سيرته المهنية إلى أن الفيلم يُعد أبرز محطاته الهوليوودية وأكثرها شهرة.

أرقام لم تخدم الفيلم عند الإطلاق

حين نراجع الأرقام، نفهم لماذا ترسخت صورته كـإخفاق تجاري. فبحسب بيانات Box Office Mojo، حقق الفيلم افتتاحية محلية بلغت 15.8 مليون دولار تقريبًا، ثم أنهى عرضه المحلي عند 55.38 مليون دولار، مقابل ميزانية إنتاج وصلت إلى 85 مليون دولار.

وتمنح قاعدة بيانات The Numbers صورة أوسع، إذ تضع إجمالي الإيرادات العالمية عند نحو 71.49 مليون دولار، بينها 55.49 مليون دولار في السوق الأمريكية وقرابة 16 مليون دولار دوليًا، وهو رقم لا يكفي عادة لتغطية التكلفة الكاملة والتسويق وتوزيع العوائد بالطريقة المعتادة في هوليوود.

بمعنى آخر: الفيلم كان باهظ الكلفة، ثقيل النبرة، وصعب التسويق مقارنة بأفلام الاستوديو ذات الإيقاع الأسرع أو الجرعة الكوميدية الأعلى التي عرف بها جمهور روبن ويليامز. وبعد النجاح الدافئ جماهيريًا والنقدي لـGood Will Hunting، بدا الانتقال إلى دراما فانتازية ميتافيزيقية خطوة مربكة لبعض المشاهدين، حتى لو كانت منطقية فنيًا بالنسبة لممثل أراد توسيع نطاق أدواره. فوز ويليامز بالأوسكار عن Good Will Hunting موثق رسميًا في سجلات الأكاديمية ضمن حفل 23 مارس 1998.

لكن الفيلم لم يخرج صفر اليدين

على الرغم من الأداء التجاري المحدود، لم يمر What Dreams May Come بلا اعتراف مؤسسي. فقاعدة بيانات جوائز الأوسكار توثق فوزه بجائزة أفضل مؤثرات بصرية في الدورة الحادية والسبعين عن عمل كل من Joel Hynek وNicholas Brooks وStuart Robertson وKevin Mack.

وهذا التفوق البصري ليس تفصيلاً هامشيًا في تاريخ الفيلم، بل هو جوهر تجربته. فينسنت وارد نفسه يربط الفيلم بمفهوم “الرسم المتحرك” بصريًا داخل مسيرته المهنية، بينما تؤكد المواد الرسمية الخاصة بالفيلم أن جزءًا كبيرًا من جاذبيته قائم على عالمه التخييلي شديد الخصوصية.

حتى اليوم، لا يزال كثير من المتابعين يتذكرون الفيلم عبر مشاهده التي بدت وكأنها خرجت من لوحة تشكيلية أكثر منها من مشهد سينمائي تقليدي. وفي زمن باتت فيه المؤثرات البصرية أحيانًا متشابهة بين فيلم وآخر، يبدو هذا العمل مختلفًا لأنه لم يستخدم التقنية من أجل الاستعراض وحده، بل لخدمة إحساس الحزن والحنين والبحث عن الخلاص.

لماذا انقسم حوله النقاد؟

استقبال الفيلم نقديًا كان مختلطًا منذ البداية. بعض المراجعات رأت أن طموحه البصري أكبر من تماسكه الدرامي، بينما وجد آخرون أن حساسيته العاطفية وجرأته الفلسفية هما مصدر قوته الأساسية. منصات تجميع المراجعات ما زالت تعكس هذا الانقسام؛ فصفحة Metacritic الخاصة بالفيلم تشير إلى تقييم إجمالي مختلط أو متوسط، فيما تُظهر صفحات Rotten Tomatoes وApple TV أن الاستقبال النقدي لم يكن حاسمًا لصالحه عند صدوره.

لكن المهم هنا أن الصورة النقدية الأولية ليست دائمًا الكلمة الأخيرة. فهناك أفلام تتعثر لأنها تسبق ذائقة لحظتها، أو لأنها تُسوَّق بطريقة لا تعكس حقيقتها. وهذا ما ينطبق إلى حد بعيد على فيلم مثل What Dreams May Come، الذي جمع بين الميلودراما والرومانسية والفانتازيا والأسئلة الدينية الوجودية في حزمة واحدة، وهي خلطة ليست سهلة التلقي في السوق التجاري السريع.

لماذا يستحق إعادة الاكتشاف الآن؟

بالنسبة لجمهور المنطقة العربية، ومن مصر تحديدًا، يمكن النظر إلى الفيلم اليوم من زاويتين. الأولى أنه عمل نجومي مختلف في مسيرة روبن ويليامز، بعيد عن صورته المرتبطة بالكوميديا أو الأدوار العائلية الأخف. والثانية أنه فيلم بصريًا سابق لزمنه، يطرح مفهوم العالم الآخر من خلال تصميم فني جريء، لا عبر المؤثرات وحدها بل عبر اللون والتكوين والملمس.

كما أن الفيلم يكتسب قيمة إضافية عند وضعه في سياق نهاية التسعينيات، وهي مرحلة كانت هوليوود تختبر فيها حدود المؤثرات الرقمية قبل الطفرة الكبرى التي جاءت لاحقًا. ومن هذه الزاوية، يبدو الفيلم حلقة مهمة في تطور الفانتازيا السينمائية، حتى لو لم يُذكر كثيرًا بجوار العناوين الأضخم جماهيريًا من الحقبة نفسها.

  • تاريخ الإصدار: 2 أكتوبر 1998.
  • المدة: نحو 113-114 دقيقة.
  • النوع: دراما/فانتازيا/رومانسية.
  • الأبطال: روبن ويليامز، كوبا جودينج جونيور، أنابيلا شيورا، ماكس فون سيداو.
  • المصدر الأدبي: رواية لريتشارد ماثيسون صدرت عام 1978.
  • الإنجاز الأبرز: أوسكار أفضل مؤثرات بصرية.

أما عن ذكر حسابات إنستغرام الرسمية، فلم يتسنَّ التحقق بشكل موثوق من حساب رسمي موثق لروبن ويليامز أو للفيلم نفسه من مصادر موثوقة ومتسقة، لذا يُفضَّل عدم إدراج أي handle غير مؤكد التحقق التزامًا بالدقة.

الخلاصة أن What Dreams May Come ليس مجرد عنوان منسي في فيلموغرافيا روبن ويليامز، بل تجربة طموحة دفعت ثمن اختلافها عند شباك التذاكر. وبعد مرور سنوات، تبدو خسارته التجارية أقل أهمية من بقاء صوره ومزاجه العاطفي في الذاكرة. أحيانًا لا تنتصر بعض الأفلام في أسبوع الافتتاح، لكنها تكسب معركتها الحقيقية لاحقًا: أن تبقى قابلة للمشاهدة وإعادة التفسير، وأن تجعلنا نسأل من جديد لماذا لم تُنصف في وقتها.