فرانسيس فورد كوبولا يلمّح إلى فيلم أخير وسط تعثر مشروعه الجديد
كوبولا يفتح باب الاحتمال: «أتمنى أن أصنع فيلماً واحداً أخيراً»
أعاد المخرج الأمريكي المخضرم فرانسيس فورد كوبولا إلى الواجهة النقاش حول مستقبله السينمائي، بعدما قال خلال وجوده في العاصمة الكولومبية بوغوتا إنه يعتني بصحته في هذه المرحلة، ويشعر بخفة أكبر، ويأمل في تصوير فيلم واحد أخير. التصريح جاء على هامش مشاركته في World Business Forum Bogotá الذي أقيم يومي 28 و29 أكتوبر 2026 في Teatro Mayor Julio Mario Santo Domingo، حيث ظهر كوبولا كأحد أبرز المتحدثين في البرنامج الرسمي للفعالية.
بالنسبة لمتابعي أخبار السينما، لا يبدو هذا الكلام عابراً. فحين يتحدث صاحب The Godfather وApocalypse Now عن «أمل» في إنجاز فيلم جديد، فإن ذلك ينعش تلقائياً الأسئلة القديمة حول المشروع الذي كان قد طرحه بوصفه خطوته التالية بعد Megalopolis، وهو اقتباس لرواية إديث وارتون بعنوان The Glimpses of the Moon. لكن حتى الآن، لا توجد مؤشرات إنتاجية واضحة تؤكد انطلاق التصوير بالفعل.
ماذا نعرف عن مشروع The Glimpses of the Moon؟
المعلومات المتاحة من مصادر موثوقة تشير إلى أن اسم The Glimpses of the Moon ظل متداولاً خلال 2025 ضمن نشرات متابعة الإنتاج، بينها إدراج للمشروع في Production Weekly خلال أكتوبر 2025، ما أكد أن الفيلم كان مطروحاً على الطاولة بصورة فعلية داخل السوق، لكنه لم يكن دليلاً على بدء التصوير أو اكتمال التمويل. وحتى بعد ظهور الاسم في أكثر من عدد، لم تتبع ذلك إعلانات رسمية عن فريق التمثيل أو صور من موقع التصوير أو بيانات إنتاج حاسمة من شركة American Zoetrope أو من كوبولا نفسه.
هذا الغياب مهم، لأن الصناعة عادةً ما تعتبر إعلان الممثلين الرئيسيين، أو تحديد موقع تصوير معلن، أو الكشف عن شركة توزيع، من العلامات الأساسية على دخول الفيلم مرحلة التنفيذ. وفي حالة كوبولا، تبدو الصورة حتى الآن أقرب إلى مشروع قائم نظرياً لكنه لم يعبر بعد إلى مرحلة التصوير المنتظم.
سلسلة تأجيلات بلا حسم نهائي
الاهتمام بالمشروع ازداد لأن كوبولا نفسه ظل خلال العامين الماضيين يتحدث عن رغبته في الانتقال سريعاً إلى فيلم جديد بعد Megalopolis. لكن ما حدث عملياً هو أن الأخبار تعاقبت من دون لحظة حاسمة: حديث عن تطوير المشروع، ثم تداول مواعيد محتملة، ثم صمت طويل، قبل أن يعود المخرج في أواخر أكتوبر 2026 للحديث بصيغة متحفظة عن رغبته في صنع «فيلم أخير». هذه الصياغة وحدها توحي بأن المسألة لا تزال مرتبطة بالتمويل والقدرة الإنتاجية، لا بمجرد قرار فني فقط.
بعد Megalopolis: لماذا تبدو الخطوة التالية أصعب؟
لفهم تعقيد الموقف، يجب التوقف عند فيلم Megalopolis، الذي كان بالنسبة إلى كوبولا مشروعاً شخصياً شديد الطموح. البيانات المنشورة لدى Box Office Mojo تُظهر أن الفيلم حقق إيرادات عالمية تقارب 14.45 مليون دولار فقط، موزعة بين 7.63 مليون دولار في السوق الأمريكية و6.82 مليون دولار خارجها. هذه الأرقام تجعل استرداد الكلفة أمراً شديد الصعوبة، خصوصاً مع التقارير الواسعة التي تناولت اعتماد كوبولا على تمويله الذاتي للمشروع.
ومن هنا، يصبح أي فيلم تالٍ أكثر تعقيداً من الناحية العملية. فالمخرج الذي راكم مكانة تاريخية استثنائية في السينما الأمريكية لا يزال يملك ثقلاً فنياً لا جدال فيه، لكن السوق الحالية لا تتعامل فقط مع التاريخ، بل مع قابلية المشروع للتمويل والتوزيع والعائد التجاري. لذلك، يبدو أن مشروعه المقبل، إذا خرج إلى النور، سيحتاج إلى شراكة إنتاجية أكثر صلابة أو نموذج تمويل مختلف عما حدث مع Megalopolis.
رسالة كوبولا للشباب: لا تصبحوا أسرى المنظومة
في الحوار الذي نُشر من بوغوتا، لم يكتفِ كوبولا بالكلام عن صحته أو مشروعه المقبل، بل عاد أيضاً إلى واحدة من أفكاره المفضلة: الدفاع عن سينما المؤلف في مواجهة هيمنة الامتيازات التجارية الكبرى. ووفق ما نُقل عنه، فقد انتقد منطق الصناعة الذي يدفع المخرجين الشباب سريعاً إلى إدارة عناوين ضخمة ومملوكة للشركات، بدلاً من تشجيعهم على تقديم أفلام شخصية تنبع من تجاربهم هم. كما أبدى إعجابه بالمخرج الكندي ديني فيلنوف، الذي ارتبط اسمه في السنوات الأخيرة بسلسلة Dune.
هذا الموقف ينسجم مع صورة كوبولا عبر عقود: مخرج يفضّل المغامرة الفنية حتى عندما تكون مكلفة، ويضع الاستقلال الإبداعي فوق الحسابات الآمنة. وبالنسبة لجمهور السينما في مصر والمنطقة العربية، فإن هذه النقطة تحديداً تظل لافتة، لأن الجدل نفسه يتكرر محلياً وعربياً بين الأفلام ذات الرؤية الشخصية، وبين الإنتاجات التي تراهن أولاً على القوالب المضمونة وشباك التذاكر.
لماذا يهم هذا الخبر القارئ العربي؟
قد يبدو خبر يتعلق بمخرج أمريكي بعيداً جغرافياً عن منطقتنا، لكنه يهم القارئ العربي لسببين أساسيين. الأول أن كوبولا واحد من الأسماء المؤسسة لفكرة المخرج المؤلف التي أثرت في أجيال من صناع السينما حول العالم، بما في ذلك صناع أفلام عرب وأفارقة. والثاني أن ما يمر به اليوم يعكس أزمة عالمية أوسع: حتى الأسماء الكبيرة لم تعد قادرة بسهولة على تمويل الأفلام الشخصية متوسطة أو ضخمة الكلفة خارج حسابات الشركات الكبرى والمنصات.
ومن زاوية قارئ مصري يتابع الحركة السينمائية في المنطقة، فإن قصة كوبولا تذكّر بأن المعركة بين الطموح الفني والتمويل ليست محلية فقط، بل عالمية أيضاً. وهي معركة يعرفها جيداً كثير من صناع السينما في إفريقيا والشرق الأوسط، حيث تظل مسألة الدعم والإنتاج المشترك والتوزيع من أكبر العقبات أمام الأفلام التي تريد الجمع بين القيمة الفنية والحضور الجماهيري.
هل نشاهد فيلم كوبولا الأخير فعلاً؟
حتى لحظة كتابة هذه السطور، المؤكد فقط هو أن فرانسيس فورد كوبولا تحدث في بوغوتا عن أمله في صناعة فيلم جديد، وأن مشروع The Glimpses of the Moon لا يزال الاسم الأكثر ارتباطاً بهذه الرغبة، من دون إعلان رسمي يؤكد بدء التصوير. كما أن بيانات السوق الخاصة بـMegalopolis تفسر جزئياً لماذا تبدو الخطوة التالية شاقة مالياً. بين الرغبة الشخصية والواقع الإنتاجي، يقف المخرج المخضرم أمام سؤال أخير: هل يحصل على الفرصة المناسبة لإنجاز عمل وداعي يليق بتاريخه؟
إلى أن تظهر إجابة واضحة، يبقى تصريح بوغوتا واحداً من أكثر التصريحات إثارة في أخبار السينما العالمية هذا الأسبوع، لأنه لا يخص فيلماً مؤجلاً فحسب، بل يخص أيضاً نهاية محتملة لمسيرة أحد أبرز الأسماء التي غيّرت لغة السينما الحديثة.