غياب مهرجان الإسكندرية 2026: خسارة صيفية للسينما المصرية
ماذا خسر الوسط السينمائي المصري مع غياب الدورة 42؟
لم يعد السؤال في صيف 2026: هل تُقام الدورة الثانية والأربعون من مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط أم لا؟ بل أصبح: ماذا يعني غيابها فعليًا لصناع وأفلام مصر؟ فبعد قرار اللجنة العليا للمهرجانات بوزارة الثقافة في 1 يونيو 2026 عدم التصريح بإقامة الدورة الجديدة، والتي كان مقررًا تنظيمها بين 26 و30 سبتمبر 2026، ثم تأكد لاحقًا إغلاق الملف نهائيًا وعدم تنظيم الدورة خلال العام نفسه، دخلت خريطة الصيف السينمائي المصري في فراغ واضح قبل موسم الخريف.
المهرجان ليس مجرد مناسبة للسجادة الحمراء أو حفل تكريم سنوي في الإسكندرية. تاريخيًا، ظل منصة مصرية ذات هوية محلية ومتوسطية في الوقت نفسه، تمنح الأفلام المصرية مساحة عرض، وتوفر لقاءات مباشرة بين المخرجين والمنتجين والنقاد والجمهور، وتربط المدينة نفسها بالحراك السينمائي خارج القاهرة. لذلك فإن تعثر الدورة 42 لا يُقرأ فقط كأزمة إدارية، بل كتعطّل في إحدى قنوات الدورة الثقافية والترويجية للسينما المصرية.
كيف وصلت الأزمة إلى الإلغاء في 2026؟
المعطيات المعلنة حتى الآن تشير إلى مسار واضح. في 1 يونيو 2026 نُشر قرار عدم التصريح بإقامة الدورة 42، مع الإشارة إلى أن المهرجان كان مقررًا له أواخر سبتمبر، وأن القرار جاء في سياق مناقشة أوضاع المهرجان والخلافات داخل الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما، وهي الجهة المنظمة له. وبعد ذلك، ظهرت محاولات لإعادة المهرجان إلى الخريطة، بينها طرح اسم الدكتورة غادة جبارة لتولي المسؤولية عن الدورة الجديدة، لكن هذه المحاولات لم تنجح، قبل أن يُحسم الأمر لاحقًا بإغلاق الملف نهائيًا في 2026 بسبب ضيق الوقت وعدم استكمال الإجراءات القانونية والتنظيمية اللازمة.
الأزمة تحمل بعدين في آن واحد: الأول مؤسسي يتعلق بالجمعية المنظمة وما دار حولها من اعتراضات وإجراءات، والثاني ثقافي يتعلق بسؤال أوسع: هل فقد المهرجان قدرته على أداء دوره بنفس الحيوية التي كان يمثلها لسنوات؟ هذا السؤال لم يعد داخليًا فقط، لأن غياب دورة كاملة ينعكس مباشرة على حركة الأفلام المصرية المستقلة والشابة، أكثر مما ينعكس على الأفلام التجارية الكبيرة.
لماذا كان توقيت الغياب مؤلمًا هذا الصيف؟
أهمية مهرجان الإسكندرية تأتي أيضًا من توقيته. الدورة السابقة، أي الدورة 41، أُقيمت بين 2 و6 أكتوبر 2025 على مسرح مكتبة الإسكندرية (@bibliothecaalexandrina على إنستغرام)، وحملت اسم ليلى علوي. وفي تفاصيلها المعلنة شاركت 30 دولة، وضم البرنامج سبع مسابقات رئيسية، من بينها مسابقة الفيلم المصري الطويل، ومسابقة نور الشريف للفيلم العربي الطويل، ومسابقة أفلام شباب مصر للطلبة والمحترفين، إضافة إلى مسابقة ممدوح الليثي للسيناريو. هذا التنوع كان يعني شيئًا مهمًا لصناع الأفلام في مصر: ليست هناك نافذة واحدة فقط، بل عدة نوافذ داخل مهرجان محلي واحد.
عندما يغيب هذا الموعد في 2026، فإن الصيف وما بعده يفقدان محطة انتقال طبيعية بين انتهاء التصوير أو المونتاج، وبين العرض الأول أو بناء الزخم الإعلامي. كثير من الأفلام المصرية، خصوصًا الأولى أو الثانية لمخرجيها، لا تبدأ رحلتها من شباك التذاكر، بل من مهرجان يمنحها الاعتراف الأول. ومهرجان الإسكندرية، بحكم وجوده في مصر وبحكم تكلفته الأقل على المشاركين المصريين مقارنة بمهرجانات خارجية، كان يملأ هذا الدور عمليًا.
الأثر المباشر على صناع الأفلام المصريين
1) خسارة منصة عرض محلية معترف بها
في ختام الدورة 41، فاز الفيلم المصري المنبر للمخرج أحمد عبد العال بجائزة أفضل فيلم في مسابقة الفيلم المتوسطي الطويل. هذه النتيجة وحدها تكشف أن المهرجان لم يكن مجرد مساحة رمزية، بل منصة تمنح الفيلم المصري جائزة واهتمامًا نقديًا وتغطية صحفية أمام جمهور محلي وعربي. غياب دورة 2026 يعني ببساطة غياب فرصة مماثلة لأفلام مصرية كانت تراهن على الظهور الأول أو على تعزيز مسارها بعد عروض محدودة.
2) تضييق فرص أفلام الشباب
من أكثر الخسائر حساسية غياب مساحات أفلام شباب مصر، سواء للطلبة أو للمحترفين في بداياتهم. في السوق المصرية، ليست كل الأفلام تملك موزعًا قويًا أو حملة دعائية أو شبكة علاقات تمكنها من الوصول بسرعة. المهرجانات المحلية هنا تلعب دور “المسرح الأول” الذي يمنح المخرجين الشباب شرعية مهنية ومواد صحفية وصورًا ولقاءات وشهادات يمكن البناء عليها لاحقًا عند التقديم لمهرجانات أخرى أو عند التفاوض على عروض خاصة.
3) إضعاف اللقاء بين الصناعة والجمهور خارج القاهرة
الإسكندرية ليست تفصيلًا جغرافيًا. وجود مهرجان سينمائي مستمر في المدينة يمنح الصناعة المصرية امتدادًا جماهيريًا وثقافيًا خارج العاصمة. خلال الدورة السابقة أُقيم الافتتاح على مسرح مكتبة الإسكندرية، وحضر عدد من الفنانين وصناع السينما، بينما اختتمت الفعاليات في حدائق أنطونيادس. هذا النوع من الحضور يخلق علاقة بين السينما والمدينة والسياحة الثقافية. غياب الدورة 42 يحرم الأفلام المصرية من هذا المشهد المحلي المفتوح، ويعيد المركزية أكثر إلى القاهرة.
وماذا عن الأفلام المصرية نفسها؟
الأفلام التجارية الكبيرة قد تتجاوز غياب مهرجان محلي إذا كانت تملك خطة توزيع واضحة. لكن الضرر الأكبر يقع على الأفلام التي تعيش بين منطقتين: ليست جماهيرية بالكامل، وليست أيضًا مضمونة الحضور في المهرجانات الدولية الكبرى. هذه النوعية كانت تستفيد من مهرجان الإسكندرية كمنصة تمنحها شرعية فنية وظهورًا صحفيًا داخل مصر، وربما تفتح لها لاحقًا أبواب عروض عربية أو متوسطية.
كذلك، فإن غياب مسابقة ممدوح الليثي للسيناريو أو ما يرتبط بها من زخْم مهني يعني تقليص مساحة نقاش المشاريع والكتابة نفسها، لا فقط الأفلام الجاهزة. وفي بلد يحتاج باستمرار إلى تطوير مسار السيناريو والإنتاج المتوسط والخاص، تبدو هذه الخسارة أكبر من مجرد حذف بند من أجندة الفعاليات.
هل يمكن تعويض الغياب بسهولة؟
عمليًا، لا. صحيح أن مصر تمتلك مهرجانات أخرى، لكن لكل مهرجان طبيعته ووظيفته وتوقيته وشبكة جمهوره. مهرجان الإسكندرية كان يحمل خصوصية مزدوجة: هو مهرجان مصري عريق، وفي الوقت نفسه معني بسينما البحر المتوسط، بما يضع الفيلم المصري في حوار إقليمي قريب من هويته وموقعه الجغرافي. كما أن كونه ثاني أقدم مهرجان سينمائي في مصر بعد مهرجان القاهرة السينمائي الدولي يمنحه وزنًا رمزيًا ومهنيًا لا يُستبدل بسهولة، خاصة للأفلام التي تريد انطلاقة مصرية قبل أو بدل المسار الدولي.
ما الذي يبقى من الدرس في 2026؟
الدرس الأوضح أن استمرارية المهرجانات ليست شأنًا بروتوكوليًا، بل جزء من البنية الأساسية للصناعة. عندما تتعثر دورة كاملة، يتأثر معها برنامج عروض، ومسار ترويج، وفرص تعارف مهني، ومكانة مدينة، وموسم ثقافي كامل. وربما لهذا يبدو غياب الدورة 42 أكثر من مجرد خبر عابر: إنه علامة على هشاشة الحلقة التي تربط بين المؤسسات الثقافية وصناع السينما والجمهور.
بالنسبة لصناع الأفلام المصريين، فإن صيف 2026 ينتهي من دون إحدى أهم المحطات المحلية التي كانت تمنحهم فرصة الظهور والاحتكاك والاختبار. وبالنسبة للإسكندرية نفسها، تغيب هذا العام مناسبة كانت تؤكد أن المدينة ليست فقط خلفية تاريخية جميلة، بل شريك فعلي في الحياة السينمائية المصرية. أما بالنسبة للسينما المصرية، فالسؤال المفتوح الآن ليس فقط متى تعود الدورة 42 أو ما يليها، بل كيف يُعاد بناء الثقة في مهرجان ظل لعقود أحد عناوينها الثقافية الأقدم.