Egypt Box Office

«عيون مصر».. وثائقي الإسكندرية ينعش السينما التسجيلية

«عيون مصر».. وثائقي جديد يضع التراث المصري في قلب المشهد البصري

منذ إطلاقه يوم 5 يوليو 2026، فرض فيلم «عيون مصر» نفسه كواحد من أبرز التحركات الحديثة داخل مجال السينما التسجيلية المصرية ذات الصلة بالتراث. الفيلم صدر عن مكتبة الإسكندرية عبر مركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي التابع لقطاع التواصل الثقافي، بوصفه إصدارًا خاصًا ضمن سلسلة «عارف.. أصلك مستقبلك»، وهي سلسلة وثائقية تعتمد على المعالجة البصرية المعاصرة والرسوم والمؤثرات الرقمية لتقديم التراث المصري بلغة أقرب إلى جمهور الشباب.

أهمية هذا الإطلاق لا ترتبط فقط بموضوع الفيلم، بل أيضًا بتوقيته وصيغته. فالمكتبة قدّمت العمل باعتباره الانطلاقة الأولى لمجموعة وثائقية من خمسة أفلام عن الكنوز المصرية الموزعة في متاحف العالم، مع إتاحته عبر منصة «عارف» الرقمية وقناة مكتبة الإسكندرية على يوتيوب، وبنسخ بالعربية والإنجليزية والفرنسية والألمانية، إلى جانب نسخة بلغة الإشارة. بهذا المعنى، لا يكتفي «عيون مصر» بأن يكون فيلمًا عن الآثار، بل يتحول إلى نموذج لكيفية تحديث خطاب الوثائقي المصري وتوسيع دوائر تلقيه داخل مصر وخارجها.

من الفيلم إلى المشروع: لماذا يبدو «عيون مصر» أكبر من وثائقي واحد؟

اللافت أن «عيون مصر» لا يتحرك وحده بوصفه فيلمًا مستقلًا، بل ضمن مشروع ثقافي أوسع حمل الاسم نفسه، وجرى تدشينه على هامش الدورة الحادية والعشرين لمعرض مكتبة الإسكندرية الدولي للكتاب المقامة من 6 إلى 20 يوليو 2026. وخلال الندوة المصاحبة للمشروع، أوضح الدكتور أيمن سليمان، مدير مركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي، أن الهدف هو تعزيز الوعي بالآثار المصرية الموجودة خارج البلاد، مع توظيف التقنيات الرقمية لتحقيق ما وصفه بـ«الاستعادة الرقمية» لهذه القطع وربط المصريين بها بصريًا ومعرفيًا.

هذه الفكرة تحديدًا تمنح الفيلم وزنًا خاصًا داخل تاريخ الوثائقي المحلي؛ لأنه لا يطرح سؤال «أين توجد القطع المصرية؟» فقط، بل يطرح أيضًا سؤال كيف يمكن للسينما التسجيلية أن تستعيد علاقتنا بها رغم وجودها في لندن وباريس ونيويورك وتورنتو وموسكو وغيرها. ووفق ما أعلنته مكتبة الإسكندرية، فإن المشروع يتضمن معرضًا رقميًا، وعروضًا بالتجسيم ثلاثي الأبعاد، وبطاقات تراث معزز بتقنيات الواقع المعزز، إلى جانب خريطة تفاعلية للآثار المصرية الموجودة في الخارج ومسارات انتقالها.

كيف يعالج الفيلم ملف الآثار الفرعونية في المتاحف العالمية؟

نجاح «عيون مصر» يبدأ من اختياره زاوية شديدة الوضوح: الآثار المصرية في المتاحف العالمية ليست مجرد معروضات بعيدة، بل امتداد حيّ للذاكرة المصرية. وفي عرضه داخل معرض مكتبة الإسكندرية يوم 7 يوليو 2026، قُدم الفيلم بتقنية 3D أمام جمهور المعرض، مستعرضًا مجموعة من أشهر القطع المصرية خارج البلاد، منها تمثال الملك منكاورع وزوجته في بوسطن، وتمثال الملكة نفرتيتي في برلين، وتمثالا الوزير مايا وزوجته ميريت في ليدن، وحجر رشيد في المتحف البريطاني بلندن، وتابوت عنخ خونسو المحفوظ بجامعة هارفارد.

هذه الأمثلة ليست اختيارًا عابرًا؛ فهي تجمع بين أيقونات شهيرة جماهيريًا مثل نفرتيتي وحجر رشيد، وقطع أخرى أقل تداولًا في الإعلام العام لكنها مهمة أثريًا وبصريًا. هنا يتسع خطاب الفيلم من مجرد التذكير بوجود آثار مصرية في الخارج إلى بناء سردية مشاهدة تجعل المتلقي المصري يتابع هذه الكنوز بوصفها قصة تخصه، لا مادة خبرية بعيدة.

ما الذي يضيفه «عيون مصر» إلى السينما التسجيلية المصرية؟

1) نقل الوثائقي من الشرح إلى التجربة

الكثير من الأفلام التسجيلية التراثية في مصر اعتمد تاريخيًا على التعليق التفسيري والصور الأرشيفية. أما «عيون مصر» فينتمي إلى موجة مختلفة نسبيًا، تعتمد على التجسيم البصري، وإعادة بناء السياق التاريخي، وتقديم المعلومة في قالب سريع ومصقول تقنيًا. أميرة صديق، مديرة المشروع، أوضحت أن العمل يعيد بناء المشهد التاريخي المحيط بكل قطعة عبر عناصر العمارة المصرية القديمة المرتبطة بموقعها الأصلي، سواء عمارة سقارة أو الجيزة، وحتى العمارة الإسلامية في الحالات المرتبطة بقطع مثل حجر رشيد.

2) توسيع الجمهور المستهدف

سلسلة «عارف» نفسها مصممة للوصول إلى النشء والشباب بمحتوى بصري مبسط وحديث، مع توفير الترجمة إلى لغات أجنبية وإتاحة لغة الإشارة. هذا مهم جدًا للسينما التسجيلية المصرية، التي كثيرًا ما بقيت حبيسة قاعات محدودة أو مناسبات نخبوية. في المقابل، يتحرك «عيون مصر» على منصات رقمية مفتوحة، ما يمنحه قابلية أعلى للانتشار والتداول التعليمي والثقافي.

3) تحويل ملف الآثار المهاجرة إلى مادة بصرية مصرية خالصة

ملف الآثار المصرية خارج البلاد حاضر باستمرار في النقاش الثقافي، لكنه غالبًا ما يظهر في صورة سجال قانوني أو دبلوماسي أو أثري. الجديد هنا أن الفيلم يحوّله إلى موضوع سينمائي مصري، له بناء بصري ورسالة وجدانية وثقافية، من دون الانفصال عن التوثيق والمعرفة. وهذه نقطة جوهرية في تجديد الوثائقي المحلي: أن يصبح التراث موضوعًا قابلًا للمشاهدة الجماهيرية، لا فقط مادة تخصصية.

الرهان المصري: استعادة رقمية بدلًا من الاكتفاء بالحنين

من أقوى ما يقدمه المشروع المصاحب للفيلم أنه لا يكتفي بخطاب الأسف على خروج الآثار، بل يذهب إلى ما يمكن اعتباره استراتيجية وصول. فالاستعادة هنا ليست استردادًا ماديًا مباشرًا، بل استعادة رقمية ومعرفية تسمح للمصري أن يرى القطعة، ويفهم أصلها، وموقعها الحالي، وسياقها التاريخي. وهذا الطرح يبدو عمليًا ومؤثرًا في آن واحد، لأنه يوظف التكنولوجيا لصناعة صلة جديدة بين الجمهور وتراثه.

كما أن اختيار اسم «عيون مصر» نفسه، بحسب ما أعلنه القائمون على المشروع، يقوم على فكرة أن هذه الآثار المنتشرة حول العالم تمثل نافذة تطل منها الحضارة المصرية على الشعوب المختلفة. هذا التفسير ينسجم مع طبيعة الفيلم: ليس فقط دفاعًا عن الذاكرة، بل أيضًا إعادة تعريف للقطعة الأثرية باعتبارها رسولًا بصريًا لمصر في المجال العالمي.

لماذا يهم هذا الفيلم القارئ المصري الآن؟

لأن «عيون مصر» يربط بين ثلاث دوائر تمس المشهد الثقافي المصري مباشرة: السينما، والتراث، والتحول الرقمي. وهو يخرج من مؤسسة مصرية كبرى هي مكتبة الإسكندرية، لا من مبادرة عابرة، ويظهر داخل فعالية جماهيرية واسعة مثل معرض مكتبة الإسكندرية للكتاب، الذي يضم هذا العام نحو 86 دار نشر ويقدم 410 فعاليات ثقافية بمشاركة أكثر من ألف متحدث.

الأهم أن الفيلم يرسخ فكرة أن السينما التسجيلية المصرية ما زالت قادرة على ابتكار مسارات جديدة حين تجد المؤسسة الداعمة، والملف الموضوعي القوي، واللغة البصرية المناسبة. ومن هذه الزاوية، لا يبدو «عيون مصر» مجرد عمل تعريفي عن آثار فرعونية في الخارج، بل خطوة محسوبة نحو توسيع حضور الوثائقي المصري في الفضاء العام، وجعل التراث مادة حية للمشاهدة والتأمل والنقاش.

إذا استكملت مكتبة الإسكندرية بالفعل خطتها الخاصة بالأفلام الخمسة المعلنة، فإن «عيون مصر» قد يُسجل لاحقًا بوصفه بداية مشروع وثائقي مصري متكامل يعيد صياغة علاقتنا البصرية بتاريخنا، ويمنح ملف الآثار المصرية في المتاحف العالمية حضورًا أكثر تأثيرًا داخل الثقافة الشعبية، لا داخل النخبة فقط.