Egypt Box Office

عودة «4 أيام مجيدة» إلى القاهرة تعيد سؤال الوثائقي الوطني

عودة فيلم من الذاكرة إلى شاشة القاهرة

إعادة عرض الفيلم التسجيلي «4 أيام مجيدة» في القاهرة قبل ذكرى 23 يوليو ليست مجرد فعالية احتفالية عابرة، بل لحظة ثقافية كاشفة تعيد فتح ملف قديم ومتجدد في آن واحد: أين يقف الفيلم الوثائقي الوطني داخل السينما المصرية اليوم؟ الجديد هذه المرة أن العرض جاء عبر مركز الثقافة السينمائية التابع لـالمركز القومي للسينما، ضمن احتفالات وزارة الثقافة بذكرى الثورة، وحدد له مساء الأربعاء 15 يوليو 2026 الساعة 7 مساءً في 36 شارع شريف بوسط البلد، مع إتاحة الدخول مجانًا للجمهور. كما نُظمت في مناسبة قريبة ندوة بعنوان «ذكريات بناة السد العالي» انتهت بعرض النسخة المرممة من الفيلم نفسه، بما يؤكد أن العمل لم يعد يُستدعى بوصفه وثيقة قديمة فقط، بل باعتباره مادة قابلة لإعادة التقديم للأجيال الجديدة.

ما الذي يوثقه «4 أيام مجيدة» تحديدًا؟

الفيلم من إخراج صلاح التهامي، ويُنظر إليه باعتباره واحدًا من أهم الأعمال التسجيلية في التراث السينمائي المصري. المادة التي يدور حولها شديدة الوضوح والرمزية في التاريخ الوطني: لحظة تغيير مجرى نهر النيل أثناء بناء السد العالي. التقارير التي أعلنت عودته للعرض شددت على أن الفيلم يضم لقطات تاريخية حية لهذه اللحظة، وأن تصويرها سبقته استعدادات استمرت 12 يومًا لأن الحدث نفسه لم يكن يحتمل إعادة التصوير. هذا النوع من السينما لا يكتفي بسرد الواقعة، بل يحفظ إيقاعها وزمنها وتوترها البصري، وهو ما يفسر استمرار حضور الفيلم بعد أكثر من ستة عقود على إنتاجه في 1964.

القيمة هنا مزدوجة: فـالسد العالي ليس موضوعًا تنمويًا فحسب، بل أحد أكثر الرموز التصاقًا بسردية الدولة الوطنية بعد يوليو. لذلك فإن مشاهدة الفيلم اليوم تعني مشاهدة لحظة تأسيسية كما رأتها كاميرا مصرية وقت وقوعها تقريبًا، لا كما تُروى لاحقًا في كتب التاريخ أو البرامج التلفزيونية.

لماذا تدفع العودة الحالية النقاش نحو مكانة الوثائقيات الوطنية؟

لأن إعادة تقديم «4 أيام مجيدة» تُظهر فجوة واضحة بين القيمة الأرشيفية والثقافية التي تملكها الوثائقيات الوطنية، وبين مكانتها الفعلية في التداول الجماهيري. في السينما المصرية المعاصرة، يظل الفيلم الروائي التجاري هو صاحب الحضور الأكبر في شباك التذاكر، وفي الدعاية، وفي النقاش العام. أما الفيلم التسجيلي، حتى حين يتناول موضوعات مؤسسة للذاكرة الوطنية، فعادة ما يعود إلى الواجهة عبر عروض خاصة، أو مناسبات رسمية، أو مهرجانات متخصصة.

هذه العودة تكشف أيضًا أن الوثائقي الوطني لا يعاني من نقص الأهمية، بل من نقص مسارات العرض المستقرة. فحين يُعرض فيلم كهذا مجانًا في وسط القاهرة ضمن برنامج رسمي، ينجح في استعادة الانتباه سريعًا، لأن الموضوع حاضر في الوجدان المصري: النيل، السد العالي، ثورة يوليو، وميراث البناء الوطني. المشكلة إذن ليست في غياب الجمهور المحتمل، بل في غياب القنوات المنتظمة التي تجعل هذا النوع جزءًا طبيعيًا من الحياة السينمائية، لا مجرد حدث موسمي.

صلاح التهامي ومفهوم «الوثيقة السينمائية»

الحديث عن الفيلم يقود حتمًا إلى اسم صلاح التهامي، أحد المخرجين الذين ارتبطت أعمالهم بتوثيق لحظات النهضة والبناء في مصر. الكتابات النقدية التي تناولت مسيرته وصفت «4 أيام مجيدة» بأنه من درر السينما التسجيلية المصرية، كما ارتبط الفيلم أيضًا بحضور دولي مبكر حين نال جائزة الحمامة الفضية في مهرجان لايبزيغ وفق ما وثقته مقالات عن مسيرة المخرج. هذا مهم لأن النقاش حول الوثائقي الوطني في مصر لا ينبغي أن يُختزل في كونه «مادة تعليمية» أو «أرشيف دولة» فقط؛ بل هو أيضًا فن سينمائي له لغته ومكانته وطاقته على المنافسة والتمثيل الثقافي.

بين العرض المناسباتي والبنية المستدامة

إذا كانت عودة الفيلم مناسبة للاحتفاء، فهي كذلك مناسبة للمساءلة. ما الذي يجعل فيلمًا بهذه القيمة يظهر غالبًا حول 23 يوليو أو في مناسبات مرتبطة بـوفاء النيل أو الذاكرة الوطنية، ثم يغيب مجددًا؟ هنا يظهر السؤال الجوهري: هل نتعامل مع الوثائقي الوطني بوصفه جزءًا من ثقافة المشاهدة، أم مجرد مادة تذكارية؟

المؤشرات المؤسسية الموجودة في مصر تقول إن البنية الأساسية ليست غائبة تمامًا. فـمهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة، الذي ينظمه المركز القومي للسينما منذ انطلاقه عام 1991، ما زال أحد أعرق المنصات العربية المتخصصة في هذا النوع. وفي دورته السادسة والعشرين أقيمت الفعاليات من 5 إلى 11 فبراير 2025 بمشاركة 51 فيلمًا من 34 دولة، كما حملت الدورة اسم المخرج علي الغزولي تكريمًا لإسهاماته في السينما التسجيلية. هذا يعني أن الدولة الثقافية المصرية لا تزال تملك منصة مؤسسية معتبرة للوثائقي، لكن التحدي يبقى في العبور من فضاء المهرجان إلى فضاء المشاهدة العامة.

لماذا يحتاج الجمهور المصري هذا النوع الآن؟

الوثائقي الوطني اليوم لا يؤدي وظيفة الحنين فقط. في لحظة تتزاحم فيها الصورة السريعة والمحتوى القصير، يصبح الفيلم التسجيلي الجاد وسيلة لإعادة ترتيب العلاقة بين المشاهد وتاريخه القريب. وميزة «4 أيام مجيدة» أنه لا يتعامل مع حدث بعيد عن التجربة المصرية، بل مع واقعة ما زالت آثارها ملموسة في الاقتصاد والمياه والكهرباء والخيال الوطني. لذلك فإن إعادة عرضه تمنح الجمهور فرصة نادرة لرؤية كيف صاغت السينما المصرية صورة مشروع قومي بحجم السد العالي بلغة بصرية من زمن الحدث نفسه.

هذا الاحتياج لا يخص الباحثين أو طلاب معاهد السينما فقط. جمهور القاهرة اليوم، مثل جمهور المحافظات، يحتاج إلى وثائقيات تعيد تقديم التاريخ الاجتماعي والعمراني والسياسي المصري بصورة جذابة ومحدثة، سواء عبر الترميم، أو البرمجة الذكية في مراكز العرض، أو الربط بين العروض والندوات والنقاشات العامة.

ما الذي يمكن أن يتغير بعد هذه العودة؟

  • أولًا: تعزيز برمجة العروض الدورية للنسخ المرممة من كلاسيكيات السينما التسجيلية المصرية، بدل قصرها على المناسبات الرسمية.
  • ثانيًا: تحويل النقاش حول الوثائقي من سؤال نخبوية إلى سؤال إتاحة، لأن التجربة أثبتت أن العروض المجانية والمنظمة في وسط البلد تستعيد اهتمامًا حقيقيًا.
  • ثالثًا: ربط التراث التسجيلي المعروض اليوم بالمشهد المعاصر، خاصة مع استمرار مهرجان الإسماعيلية كمنصة أساسية لصناع الوثائقيات الجدد.
  • رابعًا: النظر إلى هذه الأعمال بوصفها جزءًا من القوة الناعمة المصرية، لا مجرد محفوظات أرشيفية.

الخلاصة

عودة «4 أيام مجيدة» إلى الشاشة في القاهرة قبل ذكرى 23 يوليو مهمة لأن الفيلم يستحق المشاهدة، لكن أهميتها الأكبر أنها تذكرنا بأن الوثائقي الوطني المصري ما زال يملك القدرة على الحضور والتأثير متى أُتيحت له شاشة وسياق عرض مناسب. وبين فيلم صُنع في 1964 ليوثق تغيير مجرى النيل، ومهرجان لا يزال قائمًا منذ 1991 للدفاع عن السينما التسجيلية، تبدو القضية واضحة: المشكلة ليست في غياب التراث، بل في كيفية إعادة دمجه داخل المشهد السينمائي المصري الحالي بوصفه فنًا حيًا، ومخزن ذاكرة، وأداة لفهم مصر نفسها.