Egypt Box Office

عرض «الناس والنيل» في مئوية يوسف شاهين: قراءة جديدة لسينما السياسة

لماذا يكتسب عرض «الناس والنيل» هذا الصيف قيمة استثنائية؟

حين يدخل فيلم مثل «الناس والنيل» إلى برنامج الاحتفال بـمئوية يوسف شاهين خلال يوليو، فالمسألة لا تبدو مجرد استعادة عنوان قديم من أرشيف المخرج الكبير، بل أقرب إلى استرداد حلقة شديدة الحساسية من تاريخ السينما المصرية وعلاقتها بالسياسة والدولة والمشروع القومي. الجديد هنا أن الحدث يأتي في لحظة مصرية واضحة المعالم: اهتمام رسمي بترميم الكلاسيكيات، واحتفاء ثقافي واسع بمئوية شاهين، وسعي إلى إعادة تقديم أفلامه للأجيال الجديدة بصيغ بصرية وصوتية أفضل.

بحسب ما نشرته المصري اليوم في 30 يونيو 2026، انتهى مركز إحياء التراث السمعي والبصري بمدينة الإنتاج الإعلامي من ترميم فيلم «الأرض» وتحويله إلى تقنية 4K، على أن يُعرض خلال شهر يوليو في سينما زاوية ضمن فعاليات مئوية يوسف شاهين، إلى جانب عرض «الناس والنيل» الذي انتهى المركز أيضًا من ترميمه. هذه المعلومة وحدها كافية لتأكيد أن «الناس والنيل» لم يعد مجرد عنوان هامشي في قائمة أفلام شاهين، بل صار جزءًا من مشروع مؤسسي لإعادة قراءة تراثه على الشاشة المصرية.

فيلم نادر في قلب مرحلة شاهين السياسية

تكمن خصوصية «الناس والنيل» في أنه ينتمي مباشرة إلى ما يمكن وصفه بمرحلة شاهين السياسية الأكثر اشتباكًا مع خطاب الدولة ومشروعاتها الكبرى. الفيلم، المعروض بوصفه إنتاج 1972، يدور حول لحظة تحويل مجرى نهر النيل عام 1964 خلال بناء السد العالي. وتعرض قاعدة بيانات elCinema العمل باعتباره فيلمًا مدته 105 دقائق من إخراج يوسف شاهين، وكتابة نيكولاي فيجوروفسكي وحسن فؤاد، وبطولة سعاد حسني وصلاح ذو الفقار وعزت العلايلي ومحمود المليجي وسيف عبدالرحمن.

هذا التكوين وحده يكشف أن الفيلم ليس عملاً عابرًا، بل مشروعًا ضخمًا يربط بين نجوم الصف الأول وبين واحدة من أكبر اللحظات الرمزية في التاريخ المصري الحديث. هنا يصبح النيل ليس مجرد خلفية بصرية، بل موضوعًا سياسيًا وثقافيًا: النهر، السد، التنمية، التحالف المصري السوفيتي، وصورة العامل والمهندس والطبيب والصحفي داخل مشروع قومي يتجاوز الأفراد.

العقدة الأساسية: نسخة مرفوضة ثم نسخة ثانية

ما يجعل عرض «الناس والنيل» في مصر حدثًا استثنائيًا فعلًا هو التاريخ المعقد للفيلم نفسه. فبحسب ما نشره اليوم السابع في 24 مارس 2026 عن عرض «النيل والحياة» لأول مرة في مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية، كانت المؤسسة العامة للسينما قد كلّفت يوسف شاهين عام 1964 بإخراج فيلم ضخم ملوّن يمجّد مشروع بناء السد العالي. وبعد انتهاء تصوير الفيلم الأول، الذي حمل اسم «الناس والنيل» عام 1968، رُفضت النسخة من المؤسسة العامة للسينما، كما اعترض عليها الجانب الروسي، ولم تُعرض في مصر ولا في الخارج. ثم طُلب من شاهين أن يقدم فيلمًا آخر عن الموضوع نفسه، فصوّر أحداثًا قريبة من الفيلم مع بعض الأبطال المشتركين، وخرجت النسخة التي عُرضت باسم «الناس والنيل» سنة 1972.

هنا تحديدًا تتجسد أهمية العرض الحالي: نحن لا نتعامل مع فيلم نادر فحسب، بل مع أثر مباشر لصراع بين الرؤية الفنية والمطلوب السياسي. هذه الخلفية تمنح الفيلم وزنًا استثنائيًا داخل مسيرة شاهين، لأن السؤال لم يعد فقط: ماذا قال عن السد العالي؟ بل أيضًا: ماذا كان يُسمح له أن يقول؟ وماذا اضطر إلى تعديله حتى يصل الفيلم إلى صيغة قابلة للعرض؟

من «النيل والحياة» إلى «الناس والنيل»: ماذا تكشف الاستعادة اليوم؟

شهد مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية في دورته الخامسة عشرة، المقامة بين 29 مارس و4 أبريل 2026، عرض «النيل والحياة» في سياق احتفائه بمئوية يوسف شاهين. ونشرت المصري اليوم أن الدورة حملت عنوان «يوسف شاهين حدوتة مصرية»، مع برنامج يسعى إلى إعادة قراءة تجربة شاهين عبر العروض والندوات والكتب والأفلام المرممة. كما حضر عرض «النيل والحياة» في الأقصر كل من جابي خوري ومحمود حميدة، بما يعكس أن استعادة هذا الخط من أفلام شاهين لم تعد شأنًا أكاديميًا ضيقًا، بل صارت جزءًا من التداول الثقافي العام.

إذا وضعنا هذا الحدث إلى جوار عرض «الناس والنيل» المرتقب ضمن برنامج يوليو، فسنكون أمام فرصة نادرة لمراجعة النسختين، أو على الأقل مراجعة الفكرة التي ولّدتهما: كيف تحوّل مشروع سينمائي عن السد العالي من فيلم أرادته الدولة تمجيديًا إلى مادة كاشفة عن توتر العلاقة بين الفنان والسلطة؟ في هذه النقطة بالذات يصبح عرض «الناس والنيل» أكثر من مناسبة احتفالية؛ إنه مفتاح قراءة لمرحلة شاهين التي سبقت «الأرض» و«العصفور» ولامست بوضوح أسئلة الهزيمة والأمل والبيروقراطية والتحالفات الكبرى.

صلة الفيلم بمرحلة «الأرض» و«العصفور»

ليست مصادفة أن يأتي عرض «الناس والنيل» في البرنامج نفسه الذي يضم «الأرض». فوفق ما أكدته المصري اليوم، يجري تقديم الفيلمين داخل احتفالات المئوية بعد انتهاء أعمال الترميم. ووفق ما تناولته مواد صحفية عن مئوية شاهين، فإن أفلامه في تلك المرحلة ارتبطت مباشرة بقضايا الحرية والهوية وثورة يوليو وصدمة 1967. لذلك فإن مشاهدة «الناس والنيل» اليوم تساعد على فهم المسار الذي قاد شاهين من سينما المشروع القومي إلى سينما المراجعة السياسية.

في «الأرض» تبدو القرية المصرية مسرحًا للمقاومة الاجتماعية والظلم. وفي «العصفور» يتقدم سؤال الهزيمة والانكسار. أما «الناس والنيل» فيقع في منطقة وسطى شديدة الأهمية: منطقة الحلم التنموي، حين كان المشروع القومي لا يزال يحمل وعودًا كبرى، لكن السينما كانت تكتشف بالتدريج أن الخطاب الرسمي لا يكفي وحده لصناعة فيلم حي.

لماذا يهم الجمهور المصري الآن؟

للقارئ المصري اليوم أكثر من سبب للاهتمام بهذا العرض. أولًا، لأن الفيلم مرتبط بـالسد العالي، أحد أكثر الرموز حضورًا في الذاكرة الوطنية. ثانيًا، لأن استعادته تأتي في سياق واضح من ترميم التراث السينمائي المصري، وهو مسار تتزايد أهميته مع تدهور نسخ كثيرة من الأفلام الكلاسيكية. ثالثًا، لأن المئوية نفسها لم تعد مجرد مناسبة تذكارية؛ بل تحولت خلال 2026 إلى ملف ثقافي كامل شمل عروضًا وندوات وأمسيات، من معرض القاهرة الدولي للكتاب إلى مهرجان الأقصر وصولًا إلى عروض يوليو في زاوية.

كما أن «الناس والنيل» يمنح الأجيال الأصغر فرصة لمقابلة يوسف شاهين خارج عناوينه الأكثر شهرة مثل «باب الحديد» و«إسكندرية ليه» و«المصير». هنا يظهر شاهين الذي يشتبك مع الدولة من داخل مشروعها نفسه، ويحاول أن يصنع فيلمًا عن بناء السد العالي لا بوصفه نشرة دعائية، بل بوصفه دراما عن بشر يعيشون داخل حدث تاريخي ضخم.

هل نحن أمام إعادة اعتبار حقيقية للفيلم؟

الراجح أن عرض «الناس والنيل» للمرة الأولى في مصر ضمن برنامج مئوية يوسف شاهين في يوليو يمكن اعتباره حدثًا استثنائيًا بالفعل، ليس لأن الفيلم نادر فقط، بل لأن عرضه الآن يعيد ترتيب موقعه داخل تاريخ شاهين. بعد عقود من بقائه في الظل مقارنة بأفلامه الأشهر، يعود العمل اليوم محمولًا على سؤالين كبيرين: ماذا يقول عن لحظة بناء السد العالي؟ وماذا يقول عن يوسف شاهين نفسه حين كان يحاول التفاوض فنيًا مع خطاب سياسي ضخم؟

من هذه الزاوية، فإن قيمة العرض لا تختصر في النوستالجيا أو في الاحتفال باسم مخرج كبير، بل في أنه يفتح بابًا جادًا لإعادة قراءة مرحلة شاهين السياسية كاملة. وإذا كانت مئوية يوسف شاهين تهدف إلى أكثر من مجرد التكريم، فإن «الناس والنيل» قد يكون واحدًا من أهم مفاتيحها: فيلم يعود من الهامش ليضع أسئلة الماضي أمام شاشة الحاضر.