«صوت السينما» في الغردقة: هل يعود مطربو الشباك بقوة؟
تكريم حمادة هلال يضع سؤالًا قديمًا على الطاولة
قبل انطلاق الدورة الرابعة من مهرجان الغردقة لسينما الشباب في الفترة من 10 إلى 15 سبتمبر 2026، أعلن المهرجان استحداث قسم جديد بعنوان «صوت السينما»، واختيار حمادة هلال (@hamadahelaleg على إنستغرام) ليكون أول المكرمين فيه. الإعلان لم يمر كخبر بروتوكولي عابر، لأن فكرته نفسها تعيد فتح ملف مهم داخل السينما المصرية: ماذا فعل نجوم الغناء حين دخلوا شاشة السينما؟ وهل صنعوا مجرد حضور جماهيري مؤقت، أم تركوا أثرًا حقيقيًا في شباك التذاكر وفي شكل البطل الشعبي والغنائي على الشاشة؟
بحسب ما أعلنته إدارة المهرجان برئاسة السيناريست محمد الباسوسي، فإن قسم «صوت السينما» مخصص للاحتفاء بالمطربين الذين أثروا الشاشة الكبيرة بأصواتهم وأدوارهم، على أن يتسلم حمادة هلال درع التكريم في حفل الافتتاح بقصر ثقافة الغردقة يوم 10 سبتمبر 2026، ثم يعقد ندوة في صباح اليوم التالي يتحدث فيها عن أعماله السينمائية التي تجاوزت 8 أفلام، من بينها «عيال حبيبة» و«الحب كده» و«حلم العمر» و«أمن دولت» و«حماتي بتحبني» و«شنطة حمزة». كما يوجّه المهرجان في الافتتاح تحية لروح الموسيقار الراحل هاني شنودة عبر فقرة موسيقية تضم أعمالًا من أفلام مثل «الحريف» و«المشبوه» و«شمس الزناتي» و«الأفوكاتو».
لماذا يبدو اختيار حمادة هلال منطقيًا؟
المنطقي في اختيار حمادة هلال ليس فقط أنه مطرب معروف، بل لأن مساره السينمائي كان واضحًا وممتدًا. بياناته المنشورة على قاعدة elCinema ترصد له مسيرة بدأت غنائيًا مبكرًا، مع صدور أول ألبوم له عام 1996، ثم انتقاله لاحقًا إلى التمثيل السينمائي والتليفزيوني. وفي فيلموجرافياه التمثيلية تظهر أفلامه السينمائية الأساسية بوضوح: «عيال حبيبة» (2005)، «العيال هربت» (2006)، «الحب كده» (2007)، «حلم العمر» (2008)، «أمن دولت» (2011)، «مستر أند مسيز عويس» (2012)، «حماتي بتحبني» (2014)، و«شنطة حمزة» (2017).
هذه ليست حالة مطرب ظهر في بطولة أو بطولتين ثم اختفى. نحن أمام اسم حافظ على فكرة المطرب-البطل في السينما التجارية المصرية خلال الألفية الجديدة، حتى لو تغيّرت خريطة السوق لاحقًا لمصلحة الكوميديا الجماعية أو أفلام الأكشن ذات الإيرادات الضخمة. والأهم أن المهرجان لا يكرمه بوصفه مغنيًا فقط، بل بوصفه نموذجًا لمطرب استطاع التحرك بين الأغنية والتمثيل، وهي بالضبط الفكرة التي يقوم عليها قسم «صوت السينما».
من عبدالحليم إلى محمد فؤاد: الجذور الأعمق للفكرة
إذا كان المهرجان يريد تأسيس ملف متماسك لنجوم الغناء في السينما، فالمسألة أقدم بكثير من نجوم الألفية. السينما المصرية عرفت هذا النموذج مبكرًا مع أسماء صنعت جزءًا من الذاكرة الجماعية العربية، وفي مقدمتها عبدالحليم حافظ. قاعدة بيانات elCinema تشير إلى أن عبدالحليم قدّم 16 فيلمًا، بدأها بـ«لحن الوفاء» عام 1955 وأنهاها بـ«أبي فوق الشجرة» عام 1969. هنا لم تكن الأغنية مجرد إضافة ترويجية داخل الفيلم، بل كانت جزءًا من هوية العمل نفسه، ومن قدرة الفيلم على البقاء جماهيريًا عبر الأجيال.
لكن النقلة التي تبدو أكثر قربًا من منطق شباك التذاكر الحديث جاءت مع محمد فؤاد. فبحسب السيرة المنشورة له على elCinema، شكّل فيلم «إسماعيلية رايح جاي» عام 1997 عامًا فارقًا في مسيرته، ووُصف على الموقع بأنه حقق نجاحًا ضخمًا في شباك التذاكر المصري، ووصلت إيراداته إلى 28 مليون جنيه، بما مثّل وقتها طفرة في إيرادات السينما الشبابية. أهمية هذه النقطة لا تتعلق بمحمد فؤاد وحده، بل بما كشفه الفيلم: أن المطرب يستطيع أن يكون محركًا اقتصاديًا لصناعة السينما، لا مجرد وجه محبوب على الأفيش.
تامر حسني وصيغة النجم متعدد المنصات
عند الحديث عن مطربي الشباك في السينما المصرية، يصعب تجاوز تامر حسني (@tamerhosny على إنستغرام). المادة التعريفية له على elCinema تذكر أن بدايته السينمائية كانت مع «حالة حب»، ثم أن «عمر وسلمى» حقق نجاحًا باهرًا، قبل أن يواصل حضوره في أعمال كرّست صورته كنجم يجمع بين الغناء والتمثيل والقاعدة الجماهيرية الواسعة. الفارق هنا أن تامر حسني لم يقدّم مجرد أفلام تضم أغانٍ ناجحة، بل صنع نموذجًا متكاملًا لتسويق النجم عبر السينما والحفلات والألبومات والفيديو كليب، وهو ما جعل حضوره في شباك التذاكر جزءًا من ماكينة جماهيرية أكبر.
هذه المقارنة مهمة لأن قسم «صوت السينما» إذا أراد أن يتحول إلى مسار جاد داخل مهرجان الغردقة، فعليه ألا يكتفي بالاحتفاء الرمزي، بل أن يقرأ الفروق بين أجيال متعددة: جيل الأغنية الرومانسية الكلاسيكية، وجيل الطفرة الشبابية في التسعينيات، ثم جيل النجم الرقمي القادر على بيع الفيلم والأغنية معًا.
هل يفتح المهرجان نقاشًا نقديًا أم مجرد مساحة للتكريم؟
المؤشرات الأولى تقول إن المهرجان يحاول تقديم زاوية أوسع من التكريم التقليدي. فإلى جانب تكريم حمادة هلال، اختار بوستر «الحريف» شعارًا للدورة الحالية، احتفاءً بمرور 10 سنوات على رحيل المخرج محمد خان، كما خصص فقرة موسيقية لأعمال هاني شنودة في الافتتاح. هذا الربط بين الصوت والصورة والذاكرة السينمائية يوحي بأن فكرة «صوت السينما» يمكن أن تتسع لاحقًا لتشمل ليس فقط المطربين-الممثلين، بل أيضًا علاقة الأغنية والموسيقى التصويرية ببناء النجومية ونجاح الفيلم.
لكن النجاح الحقيقي لهذا القسم سيتوقف على ما إذا كان سيتحول إلى منصة نقاش حول نماذج محددة: لماذا نجح بعض المطربين في السينما وفشل آخرون؟ ما الذي يجعل الجمهور يشتري تذكرة لفيلم بطولة مطرب؟ هل يكفي النجاح الغنائي وحده؟ أم أن المسألة ترتبط بقدرة النجم على إنتاج شخصية سينمائية مستقلة عن الميكروفون؟
الخلاصة: نعم، الملف عاد.. ولكن بشروط
الإجابة الأقرب الآن هي: نعم، مهرجان الغردقة لسينما الشباب يعيد فتح الملف فعلًا، لكن بطريقة أولية تحتاج إلى استكمال. تكريم حمادة هلال ليس مجرد احتفاء باسم محبوب، بل إشارة إلى أن السينما المصرية ما زالت ترى قيمة خاصة في النجم الذي يعبر من الأغنية إلى الشاشة ويحافظ على صلته بالجمهور. ومن عبدالحليم حافظ إلى محمد فؤاد ثم تامر حسني وحمادة هلال، يظل السؤال نفسه قائمًا: من هو مطرب الشباك الحقيقي؟
في السياق المصري، الإجابة لا تُقاس فقط بعدد الأغاني الناجحة، بل بقدرة الفنان على تحويل حضوره الصوتي إلى شخصية سينمائية قابلة للبيع والتذكر والاستمرار. وإذا واصل مهرجان الغردقة تطوير «صوت السينما» بندوات موثقة وقراءات في تاريخ الإيرادات وصناعة النجومية، فقد يتحول هذا القسم من فكرة لطيفة إلى واحد من أكثر المسارات إثارة للاهتمام في مهرجان شاب يعرف جيدًا كيف يربط بين الذاكرة والجمهور والسوق.