«سينما الشعب» بجاردن سيتي: هل يعيد تحديث القاعة الجمهور؟
عودة شاشة قديمة بسؤال جديد
مع استئناف العروض في «سينما الشعب» بقصر السينما بجاردن سيتي يوم 15 سبتمبر 2026، يعود واحد من أهم العناوين الرمزية في علاقة الدولة بالعرض السينمائي العام داخل القاهرة، لكن بعيدًا عن منطق المجمعات التجارية. السؤال هنا لا يتعلق فقط بموعد عودة حفلات أو بتجهيز قاعة، بل بما إذا كان تحديث القاعة يمكن أن يفتح بالفعل نافذة جديدة للأفلام المصرية خارج خريطة السينما المرتبطة بالمولات.
الوقائع على الأرض تمنح هذا السؤال وزنًا حقيقيًا. فمشروع «سينما الشعب» أطلقته وزارة الثقافة عبر الهيئة العامة لقصور الثقافة عام 2022 بهدف تقديم الأفلام المعاصرة بأسعار رمزية داخل قصور وبيوت الثقافة في المحافظات، وحددت التذكرة منذ الانطلاق بسعر 40 جنيهًا. وفي صيف 2026 استمرت الصيغة نفسها مع قصر السينما بجاردن سيتي، بينما ظلت التذكرة الموحدة 40 جنيهًا، وهو رقم لا يزال فارقًا بوضوح عن أسعار كثير من دور العرض التجارية في القاهرة.
ما الذي نعرفه عن قصر السينما نفسه؟
قصر السينما ليس موقعًا عابرًا في الخريطة الثقافية. الهيئة العامة لقصور الثقافة تذكر أن القصر تأسس عام 1989، ثم توقف عن العمل عام 2016 من أجل التطوير وتزويده بوسائل الحماية المدنية، قبل إعادة تشغيله بعد تطوير شمل تحديث أجهزة العرض. كما تبلغ الطاقة الاستيعابية للقاعة الرئيسية 244 مشاهدًا، ويضم المبنى أكثر من قاعة، إلى جانب مكتبة عامة وقاعة سينما صيفية.
هذه الخلفية مهمة لأن الحديث عن «تحديث القاعة» لا يعني مجرد تحسين شكلي، بل امتدادًا لتاريخ مكان صُمم أصلًا ليكون مؤسسة متخصصة في الثقافة السينمائية، وليس مجرد شاشة لتمرير الأفلام. لهذا يظل قصر السينما مختلفًا عن أي شاشة داخل مركز تجاري: هو مكان يرتبط بالندوات، ونوادي السينما، والعروض المجانية، والتكوين الثقافي، بالتوازي مع التذاكر الشعبية.
ماذا تعرض «سينما الشعب» في جاردن سيتي الآن؟
قبل منتصف سبتمبر بأيام، كانت إدارة «سينما الشعب» قد أعلنت تعديل مواعيد الحفلات في قصر السينما استجابة لطلبات الجمهور، مع استمرار عرض فيلمي «خلي بالك من نفسك» و«الجواهرجي». وبحسب جدول 8 سبتمبر 2026، امتدت الحفلات من العاشرة صباحًا حتى الثانية عشرة بعد منتصف الليل، مع ثماني حفلات يومية، جميعها بسعر موحد 40 جنيهًا، داخل قاعة مكيفة ومتابعة بالكاميرات.
اختيار الفيلمين ليس تفصيلًا هامشيًا. «خلي بالك من نفسك» جمع أحمد السقا وياسمين عبد العزيز، وكان من بين الأفلام المتقدمة في الإيرادات اليومية مطلع سبتمبر؛ إذ سجل في 6 سبتمبر 2026 إيرادًا يوميًا بلغ 477,283 جنيهًا، بينما وصل إجمالي إيراداته إلى 72,013,230 جنيهًا. أما «الجواهرجي»، بطولة محمد هنيدي ومنى زكي، فحقق في اليوم نفسه 405,971 جنيهًا، بإجمالي 35,192,268 جنيهًا، مع مشاركة لبلبة وأحمد السعدني وتارا عماد وباسم سمرة، ومن تأليف عمر طاهر وإخراج إسلام خيري.
هنا تظهر نقطة جوهرية: القاعة الثقافية لا تعرض أفلامًا هامشية أو أرشيفية فقط، بل تتعامل مع أفلام مصرية تجارية جارية المنافسة في السوق نفسه. هذا مهم جدًا لفكرة توسيع قاعدة المشاهدة، لأن الجمهور لا يُدعى إلى بديل أقل جاذبية، بل إلى نفس العنوان المعروض تجاريًا ولكن بسعر أقل ومكان مختلف.
هل المشكلة أصلًا في القاعة أم في الجغرافيا؟
على مدار سنوات، انتقلت كثافة العرض السينمائي في القاهرة الكبرى إلى المولات بصورة واضحة، حيث أصبحت تجربة الذهاب إلى السينما مرتبطة بمواقف السيارات، والمطاعم، والاستهلاك المصاحب، لا بالفيلم وحده. هذا التحول أضر تدريجيًا بفكرة السينما كخدمة ثقافية قريبة من الأحياء، خاصة في وسط القاهرة والمناطق التي كانت تاريخيًا مرتبطة بدور العرض المستقلة أو شبه العامة.
من هنا تكتسب عودة جاردن سيتي دلالة أكبر. الموقع في 4 شارع عبد الرحمن فهمي، خلف دار الحكم لا ينافس المول بمنطقه نفسه، بل يقدم بديلًا مختلفًا: وسط مدينة، سعر أقل، وتواصل مباشر مع جمهور قد لا يضع السينما التجارية ضمن إنفاقه الأسبوعي. وإذا كان تحديث القاعة قد حسّن الراحة الفنية والخدمة، فهذا قد يرفع من قدرة المكان على استعادة جزء من الجمهور الذي انسحب من تجربة القاعات التقليدية بسبب التقادم أو ضعف التجهيز.
ما الذي يدعم فرضية النجاح؟
- السعر: تذكرة 40 جنيهًا ما زالت نقطة الجذب الأولى، خصوصًا للعائلات والطلاب والشباب.
- تنوع الوظيفة: قصر السينما لا يقدم فقط حفلات «سينما الشعب»، بل يحتفظ أيضًا بعروض مجانية ونوادي سينما وندوات نقدية خلال سبتمبر، ما يمنحه حضورًا مستمرًا لا يقتصر على موسم تجاري واحد.
- الانتشار المؤسسي: المشروع لم يعد محصورًا في القاهرة؛ فخلال 2026 امتدت عروض «سينما الشعب» إلى مواقع عدة في محافظات مثل الشرقية والبحيرة وكفر الشيخ وقنا وجنوب سيناء والبحر الأحمر، إلى جانب القاهرة والجيزة.
- الربط بين الثقافة والسوق: عرض أفلام رائجة مثل «خلي بالك من نفسك» و«الجواهرجي» يعني أن المشروع لا يعزل نفسه عن نبض شباك التذاكر.
لكن ما حدود هذا الأمل؟
مع ذلك، لا ينبغي المبالغة. تحديث قاعة واحدة، حتى لو كانت مهمة مثل قصر السينما، لا يكفي وحده لتغيير خريطة العرض في القاهرة. المولات لا تهيمن فقط بسبب جودة الشاشات، بل بسبب نمط الحياة الذي بنته حول المشاهدة. كما أن الجمهور صار يقارن دائمًا بين السينما والمنصات الرقمية، وبين الخروج الكامل من البيت ومشاهدة الفيلم لاحقًا على الشاشة المنزلية.
الاختبار الحقيقي سيكون في الاستمرارية: هل تحافظ القاعة على برنامج ثابت؟ هل تتجدد الأفلام بسرعة كافية؟ هل تكون تجربة الحجز والدخول والانضباط الزمني على مستوى توقعات جمهور 2026؟ وهل يمكن استغلال الموقع ثقافيًا وتسويقيًا لاجتذاب جمهور وسط البلد وجاردن سيتي والمنيرة والسيدة زينب والدقي والزمالك، بدل الاعتماد فقط على جمهور معتاد سلفًا على أنشطة قصور الثقافة؟
نافذة جديدة.. نعم، لكن بشروط
القراءة الواقعية تقول إن استئناف العروض يوم 15 سبتمبر 2026 بعد تحديث القاعة يمنح «سينما الشعب» في قصر السينما فرصة حقيقية، لا رمزية فقط. فالقاعة تجمع بين ثلاثة عناصر يصعب اجتماعها اليوم: موقع مركزي داخل القاهرة، سعر شعبي ثابت، وبرنامج يجمع بين الفيلم التجاري والنشاط الثقافي. هذه معادلة يمكن أن تصنع جمهورًا موازنًا، ولو جزئيًا، لخريطة العرض المحصورة في المولات.
لكن فتح نافذة جديدة للأفلام المصرية خارج مولات القاهرة لن يتحقق بالتجهيز وحده. ما سيصنع الفارق فعلًا هو انتظام التشغيل، وتجديد البرمجة، وربط القاعة بالمناطق المحيطة وجمهورها الطبيعي، والتعامل مع المكان كمنصة عرض حديثة لا كخدمة منخفضة التكلفة فقط.
إذا نجحت هذه العناصر، فقد يصبح قصر السينما بجاردن سيتي نموذجًا قابلاً للتكرار: ليس بديلًا عن السينما التجارية، بل مسارًا موازيًا يعيد الفيلم المصري إلى قلب المدينة، ويمنح شباك التذاكر المحلي فرصة للوصول إلى مشاهدين خارج بوابات المولات.