ريان رينولدز: إخفاق «Green Lantern» صنع مساري المهني
ريان رينولدز يعيد قراءة محطة اعتبرها كثيرون سقطة كبرى
في صناعة السينما، لا تُقاس المسيرة فقط بعدد النجاحات، بل أحيانًا بما يتركه التعثر من أثر طويل المدى. وهذا بالضبط ما تحدّث عنه الممثل الكندي ريان رينولدز، حين أشار إلى أن فيلم Green Lantern الصادر عام 2011 لم يكن مجرد تجربة غير موفقة في أفلام الأبطال الخارقين، بل محطة تعلّم أساسية ساعدته لاحقًا على إعادة تشكيل خياراته الفنية والإنتاجية. وبالنسبة لجمهور يتابع تحولات هوليوود من القاهرة إلى الدار البيضاء، تبدو هذه القصة مثالًا واضحًا على كيف يمكن لفيلم واحد أن يغيّر مسار نجم بالكامل.
رينولدز، المعروف اليوم عالميًا بشخصية Deadpool، لم يخفِ في أكثر من مناسبة أن تجربة Green Lantern منحته درسًا قاسيًا في فهم ما يحتاجه الفيلم التجاري الكبير: وضوح النبرة، والالتزام بهوية الشخصية، وعدم ترك المؤثرات البصرية تطغى على الحكاية نفسها. هذه الخلاصة أصبحت لاحقًا جزءًا من صورته كنجم ومنتج يعرف جيدًا ماذا يريد من المشروع الذي يشارك فيه.
فيلم مكلف لم يحقق ما كانت تريده وارنر براذرز
عندما طُرح Green Lantern في 17 يونيو 2011، كان الرهان عليه كبيرًا من جانب Warner Bros. وDC Entertainment. الفيلم أخرجه مارتن كامبل، وشارك في بطولته ريان رينولدز (@vancityreynolds على إنستغرام) إلى جانب بليك لايفلي وبيتر سارسجارد ومارك سترونج. لكن النتائج لم تأتِ بحجم الطموح. بيانات Box Office Mojo تشير إلى أن تكلفة الإنتاج بلغت نحو 200 مليون دولار، بينما سجل الفيلم إيرادات عالمية تقارب 237 مليون دولار فقط، وهو رقم بدا محدودًا قياسًا إلى ميزانيته الضخمة وحملته التسويقية الكبيرة.
هذا الفارق بين التكلفة والعائد جعل الفيلم يُصنف لسنوات بوصفه أحد الإخفاقات البارزة في موجة أفلام الكوميكس الحديثة. كما أن الخطط التي كانت مطروحة لتوسيع المشروع إلى سلسلة أكبر تراجعت بعد الاستقبال النقدي الفاتر والأداء التجاري الأقل من المتوقع. وبمرور الوقت، صار اسم الفيلم يُذكر غالبًا بوصفه عنوانًا ارتبط بمرحلة ارتباك داخل أفلام DC قبل إعادة صياغة استراتيجياتها لاحقًا.
لماذا يعتبر رينولدز هذا الإخفاق مفيدًا؟
المثير هنا أن رينولدز لا يتعامل مع Green Lantern باعتباره وصمة دائمة، بل كدرس عملي. الفكرة الأساسية التي خرج بها، وفق تصريحات ولقاءات متداولة له عبر السنوات، هي أن الفيلم علّمه قيمة التحكم الإبداعي وفهم الشخصية من الداخل، لا الاكتفاء بالرهان على الحجم الإنتاجي أو شهرة العلامة التجارية. وبصياغة أخرى: ليس كل فيلم بطل خارق ينجح لمجرد أنه ضخم ومكلف.
هذا الإدراك كان مهمًا جدًا عندما انتقل إلى تطوير مشروع Deadpool. الشخصية هنا مختلفة كليًا: ساخرة، عنيفة، تكسر الجدار الرابع، وتحتاج إلى نبرة شديدة الخصوصية. نجاح هذا المشروع لم يكن ممكنًا لو لم يكن رينولدز قد استوعب، بعد تجربته السابقة، أن الجمهور لا ينجذب إلى المؤثرات وحدها، بل إلى الاتساق بين النص والأداء وهوية العالم الذي تدور فيه القصة.
من «Green Lantern» إلى «Deadpool»: التحول الذي غيّر الصورة
حين وصل Deadpool إلى السينمات في 2016، بدا وكأنه رد عملي على كل ما لم ينجح في التجربة السابقة. الفيلم قُدم بميزانية أقل كثيرًا من أفلام الأبطال الخارقين التقليدية، لكنه اعتمد على شخصية واضحة وروح متمردة ومباشرة. بعدها تحول رينولدز إلى أحد أبرز الوجوه المرتبطة بهذا النوع من السينما، لا كممثل فقط، بل كشريك فعلي في بناء المشروع.
النجاح تضاعف لاحقًا مع Deadpool & Wolverine، الذي طرحته Marvel Studios وDisney في يوليو 2024 بمشاركة هيو جاكمان. ووفق بيانات رسمية من The Walt Disney Company، تجاوز الفيلم في أغسطس 2024 حاجز 1.086 مليار دولار عالميًا خلال 23 يومًا فقط، ليصبح آنذاك الفيلم الأعلى إيرادًا في تاريخ الأعمال المصنفة R. كما تُظهر بيانات The Numbers أن إجمالي إيراداته العالمية وصل لاحقًا إلى نحو 1.338 مليار دولار. هذا الفارق الهائل بين مصير Green Lantern ومصير Deadpool & Wolverine يشرح بوضوح لماذا يرى رينولدز أن الفشل الأول لم يكن بلا قيمة.
قراءة أوسع: ماذا تعني هذه القصة لصناعة الترفيه؟
في السياق السينمائي الأوسع، تعكس حكاية رينولدز تحولًا مهمًا في هوليوود: الجمهور لم يعد يكتفي باسم البطل أو ضخامة المؤثرات. اليوم، النجاح يرتبط أكثر بمدى صدق الفيلم مع مادته الأصلية، وبقدرته على تقديم نبرة مميزة وسط زحام الأفلام المتشابهة. وهذا ما يفسر لماذا تنجح بعض الأعمال الخارجة عن القالب التقليدي، بينما تتعثر مشاريع تبدو على الورق مضمونة الربح.
وبالنسبة للقارئ العربي، وخصوصًا في مصر حيث تحظى أفلام الأبطال الخارقين بمتابعة جماهيرية واسعة في دور العرض والمنصات، فإن قصة رينولدز تحمل معنى مهنيًا لافتًا: النجم لا يُصنع فقط من النجاح المتواصل، بل من طريقته في استثمار الإخفاق. هذه الفكرة مألوفة أيضًا في الصناعة العربية، حيث كثيرًا ما يكون العمل الأقل نجاحًا هو الذي يدفع الفنان إلى إعادة حساباته وصياغة هويته من جديد.
هل ما زال «Green Lantern» يطارد رينولدز؟
على المستوى الجماهيري، لا يزال الفيلم حاضرًا في الذاكرة الشعبية بوصفه مادة للسخرية أحيانًا، حتى أن رينولدز نفسه استخدم هذه السمعة سابقًا بخفة ظل في أعماله وحملاته الترويجية. لكن المفارقة أن هذه القدرة على السخرية من الذات أصبحت جزءًا من جاذبيته كنجم. بدلًا من الهروب من التجربة، حوّلها إلى عنصر في روايته الشخصية: ممثل مرّ بفيلم كبير أخطأ حساباته، ثم عاد ليحوّل الدرس إلى نجاح مضاعف.
هذا الوعي الذاتي هو ما يجعل تصريحاته الأخيرة منطقية أكثر من كونها مجرد محاولة لإعادة تلميع فيلم قديم. فحين يقول، بمعنى واضح، إنه مدين لمسيرته كلها تقريبًا لذلك الإخفاق، فهو لا يبالغ بالضرورة؛ لأن الوقائع نفسها تؤكد أن ما بعد Green Lantern لم يكن امتدادًا لما قبله، بل بداية طريقة مختلفة في التفكير والاختيار والإنتاج.
خلاصة المشهد
- Green Lantern صدر في يونيو 2011 بميزانية إنتاج تقارب 200 مليون دولار.
- الفيلم لم يحقق العائد المتوقع تجاريًا، وتراجعت خطط التوسع فيه لاحقًا.
- ريان رينولدز تعامل مع التجربة كدرس مهني لا كفشل نهائي.
- هذا الدرس انعكس لاحقًا في نجاح Deadpool ثم Deadpool & Wolverine.
- الفيلم الأخير وصل إلى أكثر من 1.3 مليار دولار عالميًا، ما عزز مكانة رينولدز كأحد أهم نجوم هذا النوع السينمائي.
في النهاية، تبدو قصة ريان رينولدز أقرب إلى تذكير قاسٍ لكن مفيد: أحيانًا يكون الفيلم الذي خيّب الآمال هو نفسه الذي يفتح الباب أمام المرحلة الأهم في حياة الفنان. وبين إخفاق Green Lantern وانتصار Deadpool، وُلدت نسخة أكثر نضجًا ووعيًا من رينولدز، وهي النسخة التي يعرفها جمهور السينما اليوم.