رواية «سايلو» تكشف فيلم هيو هاوي المفضل من التسعينيات
اختيار غير متوقع من مؤلف «سايلو».. لكن ليس بعيدًا عن عالمه
قد يتوقع كثيرون أن يكون الفيلم المفضل لدى هيو هاوي مؤلف سلسلة Silo هو عمل فضائي صاخب أو فيلم ديستوبي يعتمد على المؤثرات البصرية الثقيلة، خصوصًا بعد النجاح العالمي الذي حققته رواياته ثم تحويلها إلى مسلسل على Apple TV+. لكن المفاجأة أن الاسم المرتبط بعالم الصوامع والغموض الوجودي يميل، في اختياره الشخصي الأبرز، إلى فيلم من التسعينيات يوصف اليوم بأنه من الجواهر الهادئة التي كبرت قيمتها مع الزمن: Gattaca الصادر عام 1997.
هذا الاختيار لا يبدو صادمًا فقط لأنه ليس من النوع الجماهيري الصاخب، بل لأنه يكشف أيضًا جانبًا مهمًا من ذائقة هاوي: الانحياز إلى الخيال العلمي الذي يطرح أسئلة أخلاقية وفكرية قبل أن يراهن على المشهدية. وبالنسبة لمتابعي السينما العالمية في مصر، فهذه نقطة مهمة؛ لأن «Gattaca» من تلك الأفلام التي ربما لم تكتسح شباك التذاكر عند صدورها، لكنها بقيت حاضرة في النقاشات السينمائية والعلمية حتى اليوم.
من هو هيو هاوي ولماذا يهم رأيه اليوم؟
هيو هاوي كاتب أمريكي اشتهر أساسًا بسلسلة Wool التي أصبحت لاحقًا نواة عالم Silo. ومع انتقال العمل إلى الشاشة، ازداد حضوره جماهيريًا بوصفه واحدًا من أبرز الأسماء التي جمعت بين نجاح النشر الأدبي والانتقال السلس إلى الدراما التلفزيونية. وتؤكد منصة Apple TV+ أن مسلسل Silo عاد بموسمه الثاني في 15 نوفمبر 2024، مع استمرار عرض الحلقات حتى 17 يناير 2025، كما ظهر هاوي ضمن الفريق التنفيذي للعمل إلى جانب ريبيكا فيرجسون (@officialrebeccaferguson على إنستغرام) وجراهام يوست.
كما توضح مواد Apple التعريفية أن هاوي هو صاحب سلسلة Silo الأدبية، وهي السلسلة التي صنعت اسمه عالميًا قبل أن تتحول إلى ظاهرة تلفزيونية. وفي تغطية مصرية سابقة، لفتت «المصري اليوم» إلى أن الروايات الثلاث الأساسية تحمل أسماء Wool وShift وDust، وأن العمل التلفزيوني استند إلى هذا العالم الديستوبي المغلق الذي يطرح أسئلة عن السلطة والمعرفة والنجاة.
لماذا «Gattaca» تحديدًا؟
فيلم Gattaca من كتابة وإخراج أندرو نيكول، وطرح في الولايات المتحدة في 24 أكتوبر 1997. تدور فكرته حول مجتمع يحدد فرص البشر على أساس الهندسة الوراثية، حيث يصبح الحمض النووي أداة فرز طبقي واجتماعي. في قلب الحكاية يقف شاب وُلد خارج معايير “الكمال” الجيني، لكنه يحاول اختراق النظام من أجل تحقيق حلمه في السفر إلى الفضاء.
العمل من بطولة إيثان هوك وأوما ثورمان وجود لو وآلان أركين، وهو مزيج بين الدراما النفسية والخيال العلمي الأخلاقي. ورغم أن الفيلم لم يكن من أضخم إنتاجات عصره، فإن سمعته النقدية بقيت قوية؛ إذ يحمل تقييمًا قدره 82% على Rotten Tomatoes، وهي نسبة تعكس المكانة التي حافظ عليها بين النقاد ومحبي هذا النوع من السينما.
السبب الذي يجعل اختيار هاوي منطقيًا، حتى لو بدا غير متوقع للوهلة الأولى، هو أن «Gattaca» يشترك مع عالم «Silo» في جوهر أعمق من مجرد التصنيف. كلا العملين يناقش نظامًا مغلقًا يفرض على الإنسان تعريفًا مسبقًا لمصيره: في «Silo» عبر السلطة والمعرفة المحجوبة، وفي «Gattaca» عبر العلم حين يتحول إلى وسيلة للتمييز. هذا تقاطع فكري واضح، حتى لو اختلف الشكل البصري والسياق الدرامي. وهذه قراءة استنتاجية مدعومة بطبيعة الموضوعين كما تعرضهما المصادر الرسمية والنقدية.
فيلم من التسعينيات يزداد راهنية مع الزمن
ما يجعل «Gattaca» مهمًا اليوم ليس فقط كونه فيلمًا جيدًا من التسعينيات، بل لأن موضوعه أصبح أقرب إلى واقع النقاشات المعاصرة حول الجينات، والتمييز البيولوجي، وحدود التدخل العلمي في تشكيل حياة البشر. لهذا السبب يظل الفيلم حاضرًا في قوائم الأعمال الأساسية في الخيال العلمي، وتضعه Rotten Tomatoes ضمن الأفلام الجوهرية في هذا النوع لما يقدمه من قراءة مباشرة للحالة الإنسانية عبر عدسة المستقبل.
ومن زاوية ذائقة المشاهد المصري، فالفيلم ينتمي إلى النوع الذي يعتمد على الفكرة والتمثيل والتصميم البصري الأنيق أكثر من اعتماده على الإبهار السريع. لذلك قد يجذب جمهور المنصات الذي استمتع بأعمال مثل «Silo» أو حتى أفلام وأسلسلات الديستوبيا الهادئة التي تبني التوتر من داخل الشخصيات لا من خارجها.
ما الذي يميز «Gattaca» عن كثير من أفلام الخيال العلمي؟
- فكرة أخلاقية قوية: يناقش قيمة الإنسان بعيدًا عن “المواصفات المثالية”.
- أسلوب بصري متماسك: تصميمه البصري الكلاسيكي جعله أقل عرضة للتقادم.
- أداء تمثيلي مؤثر: خصوصًا من إيثان هوك وجود لو.
- موضوع لا يزال معاصرًا: مع تصاعد النقاشات المرتبطة بالوراثة والتقنيات الحيوية.
نجاح «Silo» يعيد الاهتمام بذائقة مؤلفه
من الطبيعي أن تزداد الأسئلة حول الأفلام والكتب المفضلة لدى هيو هاوي مع اتساع قاعدة جمهور «Silo». فالمشاهد الذي تابع عالم الصومعة على الشاشة صار مهتمًا بما يلهم كاتبه، خاصة أن المسلسل نفسه واصل توسعه؛ إذ أُعلن سابقًا عن الموسم الثاني في يوليو 2024، بينما أشار هاوي على موقعه الرسمي في يناير 2025 إلى أن الموسمين الثالث والرابع يمضيان قدمًا، مع تصوير الموسم الثالث وكون الرابع مكتوبًا وجاهزًا آنذاك.
هذه المعطيات تعني أن اسم هيو هاوي لم يعد مقصورًا على جمهور الروايات، بل صار جزءًا من نقاش أوسع داخل الثقافة الشعبية العالمية. ومن هنا يصبح أي اختيار شخصي يخصه، مثل فيلمه المفضل، مادة جذابة لجمهور السينما والدراما على حد سواء.
هل يستحق «Gattaca» المشاهدة الآن؟
الإجابة المختصرة: نعم، وبقوة. إذا كنت من جمهور الأعمال التي تطرح سؤالًا إنسانيًا واضحًا وتترك أثرًا بعد النهاية، فالفيلم لا يزال يستحق العودة إليه. أما إذا كنت قد تعرفت إلى هيو هاوي عبر «Silo» فقط، فمشاهدة «Gattaca» تمنحك مفتاحًا لفهم نوع الخيال العلمي الذي يبدو أقرب إلى وجدانه: خيال يختبر الإنسان تحت ضغط نظام قاسٍ، ثم يترك الأمل يتسلل من شق صغير.
وربما هنا تكمن المفارقة الجميلة: فيلم هيو هاوي المفضل ليس بعيدًا عن الخيال العلمي كما قد يبدو في العنوان، بل هو في الحقيقة أحد أكثر أفلام هذا النوع نقاءً وتركيزًا. ليس فيلمًا عن الانفجارات أو الغزو الكوني، بل عن سؤال شديد البساطة والتعقيد في الوقت نفسه: من يملك حق تحديد قيمة الإنسان؟
بالنسبة لقارئ يتابع أخبار السينما العالمية من مصر، فهذا هو النوع من الاكتشافات الذي يستحق التوقف عنده؛ لأنه لا يعرّفنا فقط على فيلم جدير بالمشاهدة، بل يكشف أيضًا كيف يفكر كاتب يقف خلف واحدة من أبرز العلامات التلفزيونية الحديثة في الخيال العلمي. وإذا كان «Silo» قد دفعك للبحث عن أعمال شبيهة في الروح، فربما تكون البداية المثالية من «Gattaca».