«رضا» في ملتقى القاهرة 2026: هل يعبر إلى المهرجانات الكبرى؟
اختيار «رضا» يضع مشروعًا مصريًا جديدًا تحت المجهر
أعاد إعلان ملتقى القاهرة السينمائي اختيار مشروع «رضا» للمخرج المصري أحمد فوزي صالح، ومن إنتاج علي فايز، إلى واجهة النقاش داخل الوسط السينمائي المصري: هل يستطيع المشروع أن يكرر المسار الذي سلكته أعمال خرجت من الملتقى ثم واصلت طريقها إلى مهرجانات دولية كبرى؟ وفق القائمة الرسمية المعلنة للدورة الثانية عشرة، تأهل 16 مشروعًا إلى المرحلة النهائية من بين 193 مشروعًا تقدمت من 15 دولة عربية، على أن تُقام فعاليات الملتقى ضمن الدورة السابعة والأربعين من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي بين 11 و20 نوفمبر 2026. ويكتسب وجود «رضا» أهمية خاصة لأنه يأتي ضمن تمثيل مصري داخل منصة مهنية صارت خلال السنوات الأخيرة أكثر وضوحًا في ربط التطوير المحلي والعربي بشبكات التمويل والعرض الدولية.
ما الذي يعنيه الوجود في ملتقى القاهرة أصلًا؟
بحسب تعريف مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، يمثل الملتقى منصة احترافية متخصصة لدعم مشاريع الأفلام الروائية وغير الروائية الطويلة من العالم العربي في مرحلتي التطوير وما بعد الإنتاج. ولا يقتصر دوره على الجوائز المالية أو الخدمات، بل يقوم أساسًا على خلق مساحات لقاء بين المخرجين والمنتجين والممولين والمبرمجين وشركات التوزيع خلال أيام القاهرة لصناعة السينما. هذا البعد المهني هو ما يجعل مجرد الاختيار خطوة لافتة، لأن المشروع لا يدخل فقط في منافسة داخلية، بل يصبح حاضرًا أمام شبكة من الفاعلين القادرين على دفعه إلى مراحل لاحقة من الإنتاج أو البرمجة أو البيع.
بالنسبة إلى القارئ المصري، الأهم هنا أن الملتقى لم يعد مجرد فقرة موازية داخل المهرجان، بل تحول تدريجيًا إلى أداة صناعة حقيقية، مستفيدًا من ثقل مهرجان القاهرة نفسه بوصفه مهرجانًا من الفئة A ومعترفًا به رسميًا من الاتحاد الدولي لجمعيات منتجي الأفلام. هذا الاعتراف لا يضمن النجاح لأي مشروع، لكنه يمنح المنصة وزنًا مهنيًا يزيد من قابلية المشاريع المختارة لأن تُرى خارج الحدود المصرية والعربية.
لماذا يلفت «رضا» الانتباه تحديدًا؟
السبب الأول يرتبط باسم مخرجه أحمد فوزي صالح. فالمخرج المصري، الذي وُلد في الإسكندرية ونشأ في بورسعيد وتخرج في المعهد العالي للسينما عام 2009، ليس اسمًا جديدًا على دوائر المهرجانات. فيلمه الروائي الطويل الأول «ورد مسموم» عُرض في مهرجان روتردام السينمائي الدولي عام 2018، ثم حصد 17 جائزة دولية ومحلية، من بينها 3 جوائز في مهرجان القاهرة السينمائي، وفق بيانات موقع إل سينما. هذه الخلفية تجعل «رضا» مشروعًا لا يبدأ من الصفر، بل يستند إلى مسار سابق لمخرج يعرف كيف يشتغل داخل بيئة السينما المستقلة والمهرجانات.
السبب الثاني أن الصناعة تراقب عادة ما يفعله أصحاب التجارب الأولى الناجحة في مشروعهم التالي. في حالة أحمد فوزي صالح، السؤال ليس فقط عن جودة «رضا»، بل عن قدرته على تحويل الرصيد الذي صنعه «ورد مسموم» إلى مشروع جديد يملك فرص التطور والعبور. وجود منتج مصري هو علي فايز على المشروع يضيف أيضًا بُعدًا إنتاجيًا مهمًا، خاصة في مرحلة تحتاج فيها الأفلام المستقلة إلى مزيج من التطوير الفني، والشراكات، والقدرة على تقديم ملف إنتاجي مقنع داخل أسواق وملتقيات السينما.
هل توجد سوابق حقيقية لمسار من القاهرة إلى مهرجانات كبرى؟
الإجابة القصيرة: نعم، توجد سوابق واضحة، لكن مع ملاحظة مهمة هي أن النجاح لا ينتقل آليًا من مشروع إلى آخر. مهرجان القاهرة نفسه استعاد أكثر من مثال في مواده الرسمية للتأكيد على أثر الملتقى. من هذه الأمثلة فيلم «إن شاء الله ولد» وفيلم «بنات ألفة»، اللذان أشار المهرجان إلى أنهما من المشاريع التي مرت عبر الملتقى ثم حققت حضورًا لافتًا، بما في ذلك حصد «بنات ألفة» ثلاث جوائز في مهرجان كان السينمائي الدولي. كما ذكّر المهرجان سابقًا بأن فيلم «بيك نعيش» للمخرج مهدي البرصاوي، الذي شارك مشروعه في نسخة 2016، مضى لاحقًا إلى فينيسيا حيث فاز بجائزتي أفضل فيلم وممثل في مسابقة أوروزونتي.
وفي سياق أحدث، أعلن مهرجان القاهرة في يوليو 2026 أن فيلم «الثوار لا يموتون أبداً»، المنطلق من النسخة الحادية عشرة للملتقى، ينافس في مهرجان لوكارنو 2026، وذلك بعد أشهر من حضور فيلم «يوم الغضب: حكايات من طرابلس» في الدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الدولي. هذه الأمثلة لا تعني أن كل مشروع مختار سيسير في الطريق نفسه، لكنها تثبت أن الملتقى بات جزءًا من سلسلة وصول واقعية إلى منصات دولية كبرى، وليست مجرد منصة رمزية أو محلية التأثير.
هل يمكن لفيلم مصري أن يكرر المسار نفسه؟
هنا يصبح السؤال أكثر دقة. من الناحية المهنية، لا يوجد ما يمنع. القاهرة تملك بنية تاريخية وصناعية تجعلها مركزًا طبيعيًا لإطلاق مشاريع مصرية وعربية، والملتقى مصمم أصلًا لهذا النوع من العبور. لكن فرص التكرار ترتبط بعدة عوامل عملية:
- قوة المشروع نفسه: الفكرة، السيناريو، والنبرة الإخراجية.
- مرحلة التطوير: هل المشروع جاهز للتمويل أم لا يزال يحتاج إلى إعادة صياغة؟
- التحالفات الإنتاجية: مدى قدرته على جذب شركاء وممولين ومندوبين للمبيعات.
- استراتيجية العرض الأول: هل يستهدف كان أو برلين أو فينيسيا أو لوكارنو، أم يبدأ بمهرجانات أخرى أقل تنافسًا؟
في حالة «رضا»، أفضل ما يمكن قوله الآن إنه حصل على دفعة مؤسسية مهمة، لكنه ما زال في بداية مسار لا يمكن حسمه قبل اتضاح تفاصيل أكبر عن طبيعة الفيلم، مرحلته، وخطته الإنتاجية. وحتى الآن، ما أمكن التحقق منه رسميًا هو اسمه ضمن القائمة، واسم المخرج، واسم المنتج، لا أكثر من ذلك. لذلك فإن أي قراءة تتجاوز هذه الحقائق إلى توقعات حاسمة ستكون مبالغة غير مستندة إلى معلومات معلنة.
أحمد فوزي صالح بين سابقة «ورد مسموم» واختبار «رضا»
ما يرجح الاهتمام بالمشروع أن أحمد فوزي صالح ينتمي إلى جيل من المخرجين المصريين الذين بنوا حضورهم خارج السوق التجاري التقليدي، عبر أفلام ذات حس بصري وموضوعات اجتماعية حادة. «ورد مسموم» كان مثالًا على ذلك، إذ لفت الانتباه منذ عرضه في روتردام ثم واصل جمع الجوائز محليًا ودوليًا. هذا النوع من المسارات يهم برمجة المهرجانات الكبرى عادة، لأنها تبحث عن أصوات تمتلك خصوصية فنية لا مجرد حكايات قابلة للتسويق. ومن هنا يمكن فهم لماذا يُنظر إلى «رضا» باعتباره أكثر من مشروع جديد؛ إنه اختبار ثانٍ لمسيرة مخرج مصري أثبت سابقًا أنه قادر على الوصول.
الخلاصة: فرصة حقيقية.. لكن الحكم سابق لأوانه
اختيار مشروع «رضا» داخل ملتقى القاهرة السينمائي 2026 خبر مهم في سياق السينما المصرية، ليس فقط لأنه يمنح المشروع دفعة مهنية، بل لأنه يضعه داخل منصة أثبتت بالفعل قدرتها على مرافقة مشاريع عربية إلى برلين وفينيسيا ولوكارنو وكان. لكن تحويل هذه الفرصة إلى مسار مهرجاني كبير سيعتمد على ما سيحدث بعد القاهرة: التمويل، الشراكات، اكتمال الفيلم، ثم حسن اختيار نافذة العرض الدولي الأولى. باختصار، نعم، يمكن لـ«رضا» أن يكرر مسار مشاريع خرجت من الملتقى إلى مهرجانات كبرى، لكن الوقائع المتاحة اليوم تسمح بالقول إنه مرشح للدخول في هذا الطريق، لا أنه وصل إليه بالفعل. وهذه، في حد ذاتها، بداية تستحق المتابعة من جمهور السينما المصرية وصناعها على السواء.