دموع جون مالكوفيتش بعد استقبال مدوٍ لـ«Wild Horse Nine»
جون مالكوفيتش في قلب لحظة فينيسية لافتة
دخل الممثل الأمريكي جون مالكوفيتش دائرة الاهتمام بقوة في الأيام الأولى من مهرجان فينيسيا السينمائي 2026، بعدما قوبل فيلمه الجديد Wild Horse Nine باستقبال حار خلال عرضه العالمي الأول مساء 3 سبتمبر 2026. اللافت لم يكن فقط طول التصفيق وقوفًا، الذي امتد لنحو 13 دقيقة، بل أيضًا التأثر الواضح على وجه مالكوفيتش، الذي بدا وهو يحاول حبس دموعه أمام تفاعل القاعة مع الفيلم وأدائه فيه.
هذه اللحظة سرعان ما تحولت إلى عنوان رئيسي في تغطيات الصحافة السينمائية العالمية، خصوصًا أن الفيلم يحمل توقيع الكاتب والمخرج الإيرلندي البريطاني مارتن ماكدونا، أحد أبرز الأسماء المعاصرة في الكوميديا السوداء، وصاحب أعمال تركت أثرًا كبيرًا مثل Three Billboards Outside Ebbing, Missouri وThe Banshees of Inisherin. وبالنسبة لجمهور السينما في مصر، فإن اسم ماكدونا وحده كافٍ لجذب الانتباه إلى أي عمل جديد، خاصة عندما يأتي محمولًا بضجة مهرجانية مبكرة بهذا الحجم.
ما هو فيلم Wild Horse Nine؟
بحسب البيانات الرسمية لمهرجان فينيسيا وشركة Searchlight Pictures، فإن Wild Horse Nine يندرج ضمن أفلام الكوميديا السوداء ذات الطابع السياسي. تدور الأحداث قبيل الانقلاب العسكري في تشيلي عام 1973، حيث يتابع الفيلم رحلة عميلين من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، يؤدي دوريهما جون مالكوفيتش وسام روكويل، خلال مهمة على جزيرة القيامة. ويشارك في البطولة أيضًا ستيف بوشيمي وباركر بوزي وتوم وايتس، ما يمنح الفيلم طابعًا تمثيليًا كثيفًا يليق بفيلم يعتمد بدرجة كبيرة على الأداء والنبرة الحوارية.
وجود الفيلم في المسابقة الرسمية لمهرجان فينيسيا هذا العام ليس تفصيلًا هامشيًا. الدورة الـ83 من المهرجان تُقام في ليدو دي فينيسيا بين 2 و12 سبتمبر 2026 تحت إدارة ألبرتو باربيرا، وتُعد من أهم محطات إطلاق الأفلام الساعية إلى الجوائز العالمية في النصف الثاني من العام. لذلك، فإن أي استقبال استثنائي في فينيسيا غالبًا ما ينعكس مباشرة على مسار الفيلم خلال موسم الجوائز.
لماذا حظي أداء مالكوفيتش بكل هذا الزخم؟
الحديث عن جون مالكوفيتش هنا لا يتعلق بمجرد اسم كبير يعود إلى الواجهة، بل بأداء يرى كثيرون أنه قد يكون بين الأهم في مسيرته المتأخرة. تقارير صحفية أمريكية مبكرة وضعت الممثل ضمن المرشحين المحتملين في سباق الأوسكار، خاصة أن الاستقبال الأول للفيلم ترافق مع إشادات واضحة بحضوره على الشاشة وقدرته على الموازنة بين العبث والسخرية والتهديد، وهي منطقة يعرفها جيدًا لكن يبدو أنه يقدمها هنا بحدة جديدة.
الأمر يحمل أيضًا بعدًا خاصًا إذا تذكرنا أن مالكوفيتش، رغم تاريخه الطويل، لم يفز بجائزة الأوسكار من قبل، واكتفى بترشيحين سابقين عن Places in the Heart وIn the Line of Fire. لهذا بدا التفاعل مع Wild Horse Nine وكأنه فتح بابًا مبكرًا لسردية نقدية جذابة: هل تكون هذه أخيرًا سنة الاعتراف الكبير؟
مارتن ماكدونا ومفعول الكوميديا السوداء
أحد أسباب الاهتمام بالفيلم هو الثقة المستمرة في أسلوب مارتن ماكدونا، الذي يجيد تحويل أكثر الموضوعات قتامة إلى مادة سينمائية لاذعة ومزعجة ومسلية في آن واحد. في Wild Horse Nine، يبدو أنه يعود إلى مزج السياسة بالعنف العبثي والحوارات الحادة، مع خلفية تاريخية حساسة مرتبطة بتشيلي والانقلاب العسكري عام 1973. هذا النوع من المعالجة لا يضمن بالضرورة إجماعًا نقديًا كاملًا، لكنه غالبًا ما يصنع أفلامًا يصعب تجاهلها، سواء داخل المهرجانات أو في سوق الجوائز.
ولأن جمهور قسم مراجعات الأفلام يهتم عادة بما وراء الضجة، فالنقطة الأهم هنا أن الفيلم لا يراهن فقط على موضوعه أو على بريق أبطاله، بل على معادلة أداء جماعي ونص مخرج يملك أسلوبًا متمايزًا. حضور سام روكويل إلى جانب مالكوفيتش يعزز هذا الانطباع، خصوصًا أن روكويل سبق أن قدّم مع ماكدونا أحد أبرز أدواره في Three Billboards Outside Ebbing, Missouri.
فينيسيا بوابة مبكرة إلى الأوسكار
في السنوات الأخيرة، أثبت مهرجان فينيسيا السينمائي أنه ليس مجرد واجهة فنية، بل منصة استراتيجية لإطلاق أفلام الجوائز. كثير من العناوين التي بدأت هناك واصلت طريقها لاحقًا إلى ترشيحات الأوسكار، وهو ما يجعل أي تصفيق طويل أو استقبال جماهيري صاخب مادة جاهزة للتحليل، حتى لو كان الحكم النهائي على الفيلم مؤجلًا إلى حين اتساع دائرة المشاهدة النقدية والجماهيرية.
بالنسبة إلى Wild Horse Nine، فإن مؤشرات البداية تبدو قوية: عرض أول في فينيسيا، وجوده داخل المسابقة، اسم مخرج صاحب سجل مرموق، طاقم تمثيل لافت، ثم لحظة عاطفية التقطتها الكاميرات لجون مالكوفيتش. هذه العناصر مجتمعة تكفي لصناعة قصة إعلامية جذابة، لكنها لا تلغي سؤالًا أكثر أهمية لمحبي السينما: هل يملك الفيلم ما هو أبعد من ضجيج الافتتاح؟
كيف يمكن قراءة الضجة من زاوية نقدية؟
التصفيق الطويل في المهرجانات الأوروبية ليس دائمًا مؤشرًا حاسمًا على الجودة، وهذه حقيقة يعرفها أي متابع جاد للمشهد السينمائي. لكن في حالة Wild Horse Nine، تبدو الدلالة أوسع قليلًا لأن الحماس ارتبط تحديدًا باسم جون مالكوفيتش وبفكرة أنه يقدم دورًا استثنائيًا. من هنا، يصبح من المنطقي أن يتحول الفيلم سريعًا إلى مادة أساسية في النقاشات النقدية الخاصة بأداء الممثلين هذا الموسم.
ومن منظور قارئ عربي، وربما مصري تحديدًا، تبقى جاذبية الفيلم مرتبطة أيضًا بنوعية السينما التي يقدمها ماكدونا: أفلام تعتمد على الشخصيات، على الإيقاع الحواري، وعلى التوتر الأخلاقي أكثر من اعتمادها على الاستعراض البصري وحده. هذه النوعية غالبًا ما تلقى صدى لدى جمهور المهرجانات ورواد العروض الخاصة، لا سيما أولئك الذين يتابعون تطورات سينما الجوائز منذ بدايتها في سبتمبر وحتى إعلان الترشيحات مطلع العام المقبل.
هل بدأ سباق الأوسكار مبكرًا؟
الإجابة الأقرب الآن هي نعم، ولكن بحذر. ما حدث في فينيسيا يوم 3 سبتمبر 2026 منح Wild Horse Nine دفعة افتتاحية مهمة، ووضع جون مالكوفيتش في قلب المحادثة النقدية الخاصة بفئة أفضل ممثل. إلا أن الطريق لا يزال طويلًا، خصوصًا مع دخول مهرجانات تيلورايد وتورونتو على الخط، ثم بدء موسم الجمعيات النقدية والجوائز التمهيدية.
مع ذلك، يصعب إنكار أن الفيلم حقق ما يحتاجه أي عنوان طامح منذ لحظته الأولى: اهتمامًا، فضولًا، وصورة لا تُنسى. وصورة جون مالكوفيتش وهو يتلقى التصفيق متأثرًا قد تكون، حتى الآن، واحدة من أكثر صور موسم الأفلام تأثيرًا. أما الحكم النهائي على الفيلم نفسه، فسيبقى رهين المشاهدة الواسعة والمراجعات التفصيلية القادمة. لكن المؤكد أن Wild Horse Nine أصبح منذ الآن عنوانًا لا يمكن تجاهله في خريطة أفلام الخريف وسباق الجوائز.