Egypt Box Office

ختام الجونة 2026: جوائز الدورة التاسعة ورسالة هاني شنودة

كيف أُسدل الستار على الدورة التاسعة؟

أغلق مهرجان الجونة السينمائي دورته التاسعة رسميًا بعد تسعة أيام أُقيمت بين 15 و23 أكتوبر 2026 في مدينة الجونة على ساحل البحر الأحمر، بينما صدر البيان الختامي للمهرجان في 24 أكتوبر 2026. الختام لم يكن مجرد إعلان للفائزين، بل بدا محاولة واعية لتأكيد أن الجونة يريد في نسخته الحالية أن يوازن بين البريق الجماهيري وبين تثبيت نفسه كمنصة مشاهدة ونقاش وصناعة داخل المجال السينمائي العربي والمصري.

حفل الختام شهد حضور سميح ساويرس، مؤسس مدينة الجونة ورئيس مجلس إدارة المهرجان، وعمرو منسي، الشريك المؤسس والمدير التنفيذي، وأندرو محسن، المدير الفني، إلى جانب يسرا، عضو المجلس الاستشاري الدولي للمهرجان. هذا الحضور لم يكن بروتوكوليًا فقط، بل جاء متسقًا مع خطاب المهرجان هذا العام: تثبيت استمرارية المؤسسة قبل أي شيء، خصوصًا مع الاقتراب من الدورة العاشرة.

جوائز قالت الكثير عن ملامح الاختيارات

على مستوى النتائج، فاز الفيلم المصري «خروج آمن» للمخرج محمد حماد بجائزة نجمة الجونة لأفضل فيلم طويل وقيمتها 50 ألف دولار. وهذه نقطة مهمة محليًا، لأن تتويج فيلم مصري مستقل في المسابقة الروائية الطويلة يمنح رسالة مباشرة عن نوع السينما التي يريد المهرجان أن يزكيها: سينما مؤلفة، أقل ضجيجًا من السوق التجاري، لكنها أكثر التصاقًا بالأسئلة الاجتماعية والنفسية الثقيلة.

كما ذهبت جائزة أفضل فيلم عربي طويل إلى «البارحة العين ما نامت» للمخرج راكان مياسي، وفاز «المواطن أسامة» للمخرج أحمد حسونة بجائزتي أفضل فيلم وثائقي وأفضل فيلم وثائقي عربي. أما جائزة الجمهور «سينما من أجل الإنسانية» وقيمتها 20 ألف دولار، فذهبت إلى «طبيب أمريكي» للمخرج بوه سي تينج. وفي مسابقة الأفلام القصيرة، نال الفيلم المصري «الخبيث» للمخرج جاد شاهين نجمة الجونة البرونزية.

هذه الخريطة نفسها تقول إن الدورة التاسعة لم تُغلق على منطق الاحتفال الفارغ، بل على اختيارات تميل إلى الأفلام ذات الحمولة الإنسانية والسياسية، مع حضور مصري واضح في الجائزة الكبرى للفيلم الروائي الطويل. بالنسبة لقارئ مصري، هذه نقطة تستحق التوقف، لأن المهرجان هنا لا يكتفي بعرض الفيلم المصري، بل يضعه في قلب شرعيته الفنية.

من السجادة الحمراء إلى سؤال الصناعة

في كلمته أثناء الختام، تحدث عمرو منسي عن ارتفاع الحضور في منصة سيني جونة هذا العام بنسبة 160%، وزيادة حضور عروض الأفلام بنسبة 20% مقارنة بالعام الماضي، مشيرًا إلى أن الجمهور صار يبحث عن الأفلام نفسها لا عن الحفلات فقط. هذا التصريح مهم لأنه يشرح كيف يريد المهرجان أن يُقرأ داخل مصر: ليس كحدث اجتماعي للنخبة وحسب، بل كمناسبة مشاهدة فعلية ونقاش مهني.

هنا تحديدًا يمكن فهم لماذا بدا فوز «خروج آمن» لحظة محورية. الفيلم من إنتاج مشترك يضم مصر وليبيا وتونس وقطر وألمانيا، وأنتجته خلود سعد مع درة بوشوشة ودينا فاروق وإبراهيم البطوط ومي عودة. هذه تركيبة إنتاج تعكس واقع السينما المصرية الجادة الآن: أفلام لا تولد بسهولة داخل السوق التجاري وحده، لكنها تجد حياتها عبر الشراكات، والمنصات، والمهرجانات، والرهان على التوزيع اللاحق.

وبهذا المعنى، فإن ختام الجونة 2026 لم يكن فقط لحظة جوائز، بل لحظة إعلان ضمني عن أين تقف السينما المصرية المستقلة اليوم: في منطقة بين صعوبة التمويل، والحاجة إلى جمهور، والبحث عن اعتراف نقدي، ومحاولة بناء مسار توزيع أعدل داخل مصر.

لماذا بدا تكريم ذكرى هاني شنودة أكبر من فقرة وفاء؟

اللحظة الأكثر دلالة في الحفل ربما لم تكن إعلان جائزة، بل التحية الخاصة للموسيقار الراحل هاني شنودة. المهرجان قدّم فقرة استعادت محطات من مسيرته عبر فيلم قصير وفيديو تسجيلي، وسط تصفيق واضح من الحضور، كما شهدت الفقرة مشاركة من فرقة المصريين مع تقديم أغنية «ماشية السنيورة». هذه ليست مجرد لفتة وجدانية لاسم محبوب، بل استدعاء مباشر لطبقة كاملة من الذاكرة السمعية المصرية.

أهمية هاني شنودة في هذا السياق تتجاوز كونه ملحنًا بارزًا؛ فهو من الأسماء التي صنعت الجسر بين الموسيقى الحديثة، والأغنية الجماعية، والموسيقى التصويرية القادرة على منح الفيلم المصري نبرة خاصة. حين يختار مهرجان معاصر مثل الجونة أن يضع ذكراه في قلب الختام، فهو يرسل رسالة عن أن صورة السينما المصرية لا تُبنى بالصورة وحدها، بل بالصوت أيضًا: بالمقدمة الموسيقية، والإيقاع، والهوية السمعية التي تظل عالقة في الوجدان حتى بعد انتهاء العرض.

الذاكرة هنا ليست حنينًا فقط

تكريم شنودة يكتسب معنى إضافيًا في لحظة تشهد فيها السينما المصرية والعربية عمومًا تغيرًا كبيرًا في أشكال الإنتاج، ومعايير المنصات، وسرعة الاستهلاك. في مثل هذا المناخ، يصبح استدعاء اسم مثل هاني شنودة بمثابة تذكير بأن الحداثة المصرية لم تكن يومًا مجرد تقليد للغرب، بل كانت مشروعًا محليًا أصيلًا صنعته أسماء قادرة على التجريب والتحديث من داخل الثقافة نفسها.

هذا مهم جدًا الآن، لأن النقاش الدائر حول مستقبل الفيلم المصري لا يتعلق فقط بالنص والتمثيل والإخراج، بل أيضًا بما إذا كانت الصناعة ما زالت قادرة على إنتاج شخصيتها. وتحية هاني شنودة تقول بوضوح إن الشخصية لا تُستعاد بالشعارات، بل بالرجوع إلى من صنعوا ملامحها الفنية فعلًا.

ما الذي يعنيه ذلك لصورة السينما المصرية الآن؟

إذا وضعنا مشهد الختام كله في إطار واحد، سنجد معادلة لافتة: فيلم مصري يفوز بالجائزة الكبرى، منصة مهنية تعلن نموًا في الحضور، وتحية مؤثرة لاسم موسيقي مصري مؤسس. هذه العناصر الثلاثة ترسم صورة ترغب السينما المصرية في تصديرها عن نفسها الآن: أنها ليست مجرد سوق شباك تذاكر، وليست فقط ذاكرة ماضية، بل صناعة تحاول أن تواصل تحديث نفسها دون قطع الصلة بجذورها.

من هنا، يصبح تكريم هاني شنودة في ختام الجونة 2026 جزءًا من سردية أوسع: كيف يمكن للسينما المصرية أن تبدو حديثة ومنافسة، من دون أن تفقد حسها المحلي؟ وكيف يمكن لمهرجان داخل مصر أن يكرّس هذا المعنى عمليًا، لا كلامًا؟ الإجابة التي قدمها الختام كانت ذكية نسبيًا: عبر الجمع بين تتويج عمل مصري معاصر مثل «خروج آمن» وبين استحضار أحد كبار صُنّاع الوجدان الموسيقي المصري.

رسالة إلى الدورة العاشرة

سميح ساويرس قال في الختام إن الدورة المقبلة ستكون مهمة لأنها العاشرة. بعد ما جرى في الدورة التاسعة، تبدو الرسالة واضحة: الجونة يدخل عامه العاشر وهو أكثر ميلًا إلى تعريف نفسه كمهرجان صناعة ومشاهدة وذاكرة، لا كمناسبة صور فقط. وبالنسبة للمشهد المصري، فإن هذا التحول إن استمر سيعني شيئًا أساسيًا: وجود مساحة محلية قادرة على منح الفيلم المصري المستقل اعترافًا حقيقيًا، وفي الوقت نفسه إعادة ربطه برموزه الفنية الكبرى.

لهذا، فإن سؤال: كيف أغلق مهرجان الجونة 2026 دورته التاسعة؟ يمكن الإجابة عنه ببساطة مركبة: أغلقها بالجوائز، نعم، لكن أيضًا بفكرة. والفكرة هي أن السينما المصرية، لكي تتقدم، لا تحتاج إلى إنكار تاريخها، بل إلى إعادة توظيفه. وتكريم ذكرى هاني شنودة كان التعبير الأوضح عن هذه الفكرة في ليلة الختام.