Egypt Box Office

حكم «الست».. هل يغيّر معركة سيرة أم كلثوم في السينما؟

حكم اليوم لا ينهي الجدل.. بل ينقله إلى سؤال أكبر

أعاد الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري برفض دعوى وقف عرض فيلم «الست» الجدل إلى قلب النقاش الثقافي في مصر: هل تصبح السيرة السينمائية للشخصيات العامة، وفي مقدمتها أم كلثوم، حقًا حصريًا للورثة، أم مجالًا مشروعًا لاجتهاد الفنان ما دام العمل يعلن نفسه بوضوح كفيلم درامي لا وثائقي؟ القضية لم تكن مجرد نزاع على فيلم بطولة منى زكي، بل اختبارًا مباشرًا لعلاقة القانون بالإبداع، ولحساسية الاقتراب من واحدة من أكثر الشخصيات رسوخًا في الوجدان المصري والعربي.

بحسب ما نشرته الصحف المصرية، قضت المحكمة في 19 سبتمبر 2026 بقبول الدعوى شكلًا ورفضها موضوعًا، مع الإبقاء على عرض الفيلم، مؤكدة أن «الست» عمل درامي مستوحى من أحداث حقيقية وليس تسجيلًا وثائقيًا، وأن ورثة الشخصيات العامة لا يملكون احتكار تاريخها العام أو منع التناول الفني لها على هذا الأساس. كما ألزمت المحكمة المدعين بالمصروفات ومبلغ 100 جنيه مقابل أتعاب المحاماة. هذه الصياغة وحدها كافية لتفسير لماذا يتجاوز الحكم حدود الفيلم نفسه.

الدعوى كانت قد أقامها ورثة أم كلثوم ضد جهات رسمية، مطالبين بسحب ترخيص الفيلم رقم 199 الصادر في 30 نوفمبر 2025، ووقف عرضه في دور السينما والقنوات الفضائية وعلى الإنترنت، مع رفع ملصقاته الدعائية داخل مصر وخارجها. واستندت الدعوى إلى أن الفيلم يتضمن، بحسب الأسرة، إساءات وتشويهًا متعمدًا لصورة أم كلثوم وبعض أفراد عائلتها، وبينهم والدها الشيخ إبراهيم البلتاجي وشقيقها خالد البلتاجي.

كيف وصلت القضية إلى المحكمة؟

منذ طرح البرومو والمواد الدعائية، دخل فيلم «الست» في منطقة جدل مبكر. الاعتراض لم يقتصر على المقارنة التقليدية بين منى زكي (@monazakiofficial على إنستغرام) وصورة أم كلثوم الراسخة في المخيلة الشعبية، بل امتد إلى مضمون العمل نفسه، وطريقة تقديم العلاقات العائلية، وبعض السمات الشخصية المنسوبة إلى كوكب الشرق. ثم تصاعد الأمر قانونيًا بدعوى تطالب بوقف العرض كاملًا.

الفيلم نفسه قُدم بوصفه سيرة درامية لأم كلثوم، من بطولة منى زكي، وتأليف أحمد مراد، وإخراج مروان حامد، مع مشاركة مجموعة كبيرة من النجوم، بينهم أحمد حلمي، كريم عبد العزيز، عمرو سعد، محمد فراج، آسر ياسين، ونيللي كريم، وفق المواد التعريفية المنشورة مع طرح البوستر الرسمي وأخبار الترويج للفيلم قبل عرضه في 10 ديسمبر 2025.

الاعتراضات التي ظهرت في أوراق الدعوى، كما نقلتها التغطيات القضائية، تمحورت حول أن الفيلم قدّم بعض الوقائع والشخصيات العائلية بصورة مهينة أو غير دقيقة تاريخيًا، وأن ذلك لا يندرج، من وجهة نظر المدعين، تحت حرية الخيال الفني. لكن المحكمة ذهبت إلى تفسير مختلف: الشخصيات العامة جزء من الذاكرة الوطنية، والتناول الفني لسيرتها لا يُمنع تلقائيًا لمجرد اعتراض الورثة، ما دام العمل لا يقدّم نفسه كتوثيق حرفي ملزم.

لماذا يُعد الحكم مهمًا في ملف أم كلثوم تحديدًا؟

لأن أم كلثوم ليست مجرد مطربة كبيرة في تاريخ الغناء المصري، بل رمز وطني وثقافي شديد الحساسية. أي اقتراب درامي منها يتحول سريعًا إلى اختبار للذوق العام، ولفكرة «الصورة المقدسة» التي يصعب على الجمهور قبول خدشها أو إعادة تفسيرها. وهذا ما يجعل قضية فيلم «الست» أوسع من خلاف بين أسرة وصنّاع فيلم؛ إنها مواجهة بين ذاكرتين: ذاكرة الجمهور الذي يريد الأسطورة كما عرفها، وذاكرة السينما التي تبحث بطبيعتها عن الإنسان خلف الأسطورة.

من هنا، يمكن القول إن الحكم لا يفرض قبول الفيلم فنيًا، لكنه يرسخ مبدأ مهمًا: الرفض النقدي شيء، والمنع القضائي شيء آخر. الجمهور يظل حرًا في الهجوم أو التأييد، والنقاد أحرار في تفكيك المعالجة، لكن باب المنع لم يعد سهلًا لمجرد أن العمل تناول شخصية عامة من زاوية غير مريحة.

هل يعيد الحكم ترتيب الجدل فعلًا؟

نعم، ولكن ليس بمعنى إنهائه. ما يفعله الحكم هو إعادة ترتيب أولويات الجدل. قبل الحكم، كان السؤال الأساسي: هل يُمنع الفيلم أصلًا؟ بعد الحكم، أصبح السؤال الأهم: ما المعايير التي ينبغي أن تحكم كتابة السيرة السينمائية في مصر، خاصة حين تتعلق برمز بحجم أم كلثوم؟

هذا التحول مهم لصناعة السينما. فالمحكمة، عمليًا، منحت مساحة أوسع لفكرة أن السيرة الدرامية ليست نسخة جامدة من كتب التاريخ، بل قراءة فنية تحتمل الاختيار والحذف والتركيز. لكن ذلك لا يعفي الصنّاع من مسؤولية البحث والتدقيق والوعي بحساسية الشخصيات الوطنية. المعركة التالية إذن لن تكون قضائية فقط، بل نقدية وثقافية: كيف نكتب سيرة عامة من دون أن نسقط في التبجيل الفارغ أو الاستفزاز المجاني؟

ما الذي يقوله الحكم لصنّاع الأفلام؟

  • أولًا: الاقتراب من الشخصيات العامة ممكن قانونيًا إذا كان العمل واضحًا في طبيعته الدرامية.
  • ثانيًا: عبارة «مستوحى من أحداث حقيقية» ليست تفصيلًا تسويقيًا هامشيًا، بل عنصرًا مؤثرًا في التكييف القانوني.
  • ثالثًا: النزاع حول السيرة لن يختفي، لكنه قد ينتقل من ساحات المنع إلى ساحات النقد والمراجعة العامة.
  • رابعًا: الشخصيات الوطنية الكبرى في مصر تحتاج دائمًا إلى توازن صعب بين الحرية الفنية والدقة التاريخية.

وماذا عن الفيلم نفسه في شباك التذاكر والذاكرة العامة؟

اللافت أن «الست» لم يعش فقط على الجدل القضائي. تقارير صحفية مصرية تحدثت عن استمرار النقاش حول الفيلم بعد عرضه الرقمي على منصة شاهد في موسم عيد الأضحى 2026، وعن عودة شريحة من الجمهور لمشاهدته أو إعادة تقييمه بعيدًا عن الانطباعات الأولى. كما أشارت تغطية منشورة في المصري اليوم إلى أن الفيلم حقق نحو 26.9 مليون جنيه في مصر خلال عرضه السينمائي، مقابل نحو 5.38 مليون ريال سعودي في السوق السعودية، قبل رفعه من دور العرض المصرية بعد نحو ستة أسابيع.

هذه الأرقام لا تجعل الفيلم ظاهرة جماهيرية كاسحة بالمعنى التقليدي، لكنها تؤكد أنه ظل حاضرًا في النقاش العام بوصفه أحد أكثر أفلام السيرة الذاتية المصرية إثارة للانقسام في السنوات الأخيرة. والأهم أن حضوره تجاوز الإيراد إلى سؤال المكانة: هل نجح في تقديم أم كلثوم للجيل الجديد، أم تورط في استفزاز محبيها أكثر مما كسبهم؟

بين الحق في الذاكرة والحق في التخيل

في مصر، لا تزال أفلام السير الذاتية تُعامل بحذر مضاعف، خصوصًا حين تمس أسماء بحجم أم كلثوم. لكن الحكم الأخير في قضية فيلم «الست» يبعث برسالة واضحة: التراث العام ليس منطقة مغلقة بالكامل. هذا لا يعني أن أي معالجة فنية تصبح فوق النقد، بل يعني أن المحكمة فرّقت بين المساءلة الفنية وبين المصادرة القانونية.

لذلك، إذا كان السؤال هو: هل يعيد حكم اليوم في قضية فيلم «الست» ترتيب الجدل حول السيرة السينمائية لأم كلثوم داخل مصر؟ فالإجابة الأقرب هي نعم. ليس لأنه حسم النظرة إلى الفيلم، ولا لأنه أنهى الاعتراضات، بل لأنه نقل النقاش من منطق «هل نسمح؟» إلى منطق «كيف نروي؟». وبين السؤالين مسافة كبيرة قد تحدد شكل أفلام السيرة المصرية في السنوات المقبلة.

وفي حالة أم كلثوم تحديدًا، تبدو هذه المسافة شديدة الحساسية. فكل محاولة جديدة لاستعادة سيرتها ستظل مطالبة بإقناع جمهور يعرف الأسطورة جيدًا، وبالمرور أيضًا من اختبار أكثر تعقيدًا: كيف تُقدَّم الست على الشاشة من دون أن تفقد رهبتها، ومن دون أن تتحول في الوقت نفسه إلى تمثال لا حياة فيه؟