Egypt Box Office

«جيوش الشمس» يعيد ذاكرة أكتوبر إلى شاشة فرنكوفونية

عرض مصري في توقيت مصري: لماذا يبدو «جيوش الشمس» اختيارًا دقيقًا الآن؟

منذ انطلاق الدورة السادسة من مهرجان القاهرة للسينما الفرنكوفونية يوم 3 أكتوبر 2026 في مكتبة مصر الجديدة، بدا واضحًا أن برمجة المهرجان هذا العام لا تكتفي بالاحتفاء بالسينما الفرنكوفونية بوصفها مساحة ثقافية عابرة للحدود، بل تحاول أيضًا تثبيت موطئ قدم مصري واضح داخل البرنامج. وتستمر الفعاليات حتى 7 أكتوبر 2026 تحت شعار «العودة إلى المستقبل»، وهو شعار يربط بين ذاكرة السينما وأسئلتها القديمة عن الغد، بحسب ما أعلنته إدارة المهرجان برئاسة الناقد والكاتب الصحفي الدكتور ياسر محب. وفي هذا السياق، يأتي عرض الفيلم الوثائقي المصري «جيوش الشمس» بوصفه أكثر من مجرد استعادة عنوان قديم؛ إنه توظيف واعٍ لذاكرة وطنية حية داخل مناسبة سينمائية مصرية معاصرة.

أهمية الاختيار تتضاعف لأن الفيلم يُعرض بالتزامن مع ذكرى نصر أكتوبر، وفي قلب مهرجان محلي يقام في القاهرة، ويخاطب جمهورًا مصريًا أولًا حتى وهو يتحرك داخل إطار فرنكوفوني أوسع. هنا لا تتحول المناسبة الوطنية إلى خلفية احتفالية عابرة، بل إلى مادة برمجية نفسها: فيلم مصري، عن حرب مصرية، صُنع في لحظة تاريخية قريبة من الحدث، ويُستدعى الآن داخل برنامج يراجع علاقة الشاشة بالذاكرة.

ما الذي نعرفه عن الفيلم نفسه؟

«جيوش الشمس» هو فيلم وثائقي مصري قصير عُرض عام 1973، ومدته 39 دقيقة، من إخراج وكتابة شادي عبد السلام. وتوضح البيانات المتاحة عن الفيلم أنه يوثق مراحل من حرب أكتوبر، من العبور على الكباري والجسور العائمة إلى اقتحام خط بارليف ورفع العلم على سيناء، مع لقطات للخنادق والمدافع والدبابات المدمرة، إلى جانب توظيف عناوين الصحف العالمية وتعليقاتها على الحرب. كما شاركت فيه نادية لطفي بصفتها متطوعة في مستشفى المنيل الجامعي، وهو تفصيل يمنح الفيلم بعدًا إنسانيًا ومدنيًا يوازي بعده الحربي.

الأهم من ذلك أن الفيلم لا ينتمي إلى الأعمال التي أعادت تمثيل الحرب بعد سنوات، بل إلى أعمال التقطت الحدث وهو لا يزال ساخنًا في الوعي العام. وتذكر المعلومات المنشورة عن العمل أن التصوير بدأ من اليوم الثالث للمعركة عبر فريقين، أحدهما ضم إبراهيم غراب وسمير بهزان، والآخر بقيادة الدكتور سمير فرج ومعه شادي عبد السلام. هذه التفاصيل تفسر لماذا يحتفظ «جيوش الشمس» بطاقة توثيقية خاصة؛ فهو ليس فقط فيلمًا عن الحرب، بل أثر بصري خرج من قلب لحظتها.

كيف يخدم الفيلم شعار الدورة: «العودة إلى المستقبل»؟

قد يبدو للوهلة الأولى أن فيلمًا وثائقيًا عن حرب أكتوبر ينتمي إلى خانة الاستدعاء التذكاري فقط، لكن وضعه داخل دورة ترفع شعار «العودة إلى المستقبل» يمنحه وظيفة أوسع. فالفيلم هنا يعمل كدليل عملي على أن العودة إلى أرشيف السينما المصرية ليست حنينًا مجانيًا، بل وسيلة لقراءة كيف صاغت الشاشة الوعي العام في لحظة تأسيسية من التاريخ المصري الحديث.

حين يبرمج المهرجان فيلمًا مثل «جيوش الشمس» في أيام تمتد من 3 إلى 7 أكتوبر، فإنه يربط بين تاريخين: تاريخ الحرب نفسها، وتاريخ تمثيلها سينمائيًا. ومن هذه الزاوية، يصبح الفيلم جزءًا من نقاش أكبر عن وظيفة الصورة: هل تُحفظ كوثيقة؟ هل تُستعاد كرمز؟ أم تُعاد قراءتها بوصفها مادة تساعد الأجيال الجديدة على فهم معنى الانتصار، وكيف جرى بناؤه بصريًا في المخيلة المصرية؟

من الفرنكوفونية إلى المحلية: لماذا يظل هذا العرض «شباك التذاكر» بامتياز؟

رغم أن المهرجان يتحرك داخل فضاء الثقافة الفرنكوفونية، فإن زاوية هذا العرض مصرية خالصة، ولهذا ينسجم تمامًا مع تصنيف «شباك التذاكر» بوصفه تغطية محلية تتمحور حول موضوع مصري في أشخاصه وأعماله ومكانه وتاريخه. فالمهرجان نفسه يُقام في القاهرة، ويرأسه ياسر محب، وتستضيفه مكتبة مصر الجديدة، كما أن الدورة السادسة تشهد تكريمات لرموز مصرية بارزة، بينها نادية الجندي (@nadiaalgindi على إنستغرام)، إلى جانب حضور اسم سعاد حسني على أفيش الدورة في إشارة إلى مرور ربع قرن على رحيلها.

ضمن هذا الإطار، يصبح عرض «جيوش الشمس» بمثابة نقطة تركيز مصرية داخل البرنامج: ليس لأنه فيلم حربي معروف فحسب، بل لأنه ينقل الحدث الوطني من فضاء المناسبة إلى فضاء البرمجة الثقافية. وهذا فارق مهم؛ فالمهرجانات كثيرًا ما تكتفي بإشارات رمزية للمواسم الوطنية، لكن إدراج فيلم تسجيلي بعينه، له اسم صانع محدد ومكانة موثقة في الذاكرة السينمائية، يعني أن الاختيار محسوب بوصفه خطابًا سينمائيًا لا ديكورًا احتفاليًا.

شادي عبد السلام في الذاكرة المصرية: قيمة الاسم وراء العرض

لا يمكن فصل أثر العرض عن اسم شادي عبد السلام نفسه. فالمخرج يحتل مكانة خاصة في تاريخ السينما المصرية، لا بسبب ندرة أعماله فقط، بل بسبب حساسيته البصرية العالية وعلاقته الدقيقة بالتاريخ والهوية. وعندما يُستدعى «جيوش الشمس» اليوم، فإن المهرجان لا يستعيد فيلم حرب وحسب، بل يستعيد أيضًا توقيع مخرج مصري شديد الارتباط بفكرة الذاكرة الوطنية.

وهنا تظهر قوة البرمجة: لأن استدعاء شادي عبد السلام داخل مهرجان معاصر يفتح بابًا للتفكير في كيفية انتقال الأفلام من سياقها الأول إلى سياقات جديدة. «جيوش الشمس» كان في الأصل وثيقة لحظة، لكنه في 2026 يتحول إلى نص بصري قابل لإعادة القراءة، خصوصًا لدى جمهور لم يعش 1973، وربما يعرف الحرب من الكتب أو من سرديات عائلية أو من أعمال درامية لاحقة.

ما الذي يضيفه هذا العرض للجمهور المصري اليوم؟

بالنسبة إلى جمهور القاهرة، يمنح عرض «جيوش الشمس» في مهرجان قائم الآن فرصة نادرة لمشاهدة ذاكرة أكتوبر خارج القوالب التلفزيونية التقليدية. فبدل الاكتفاء ببث المناسبات أو الأغاني الوطنية المعادة، يضع المهرجان الجمهور أمام فيلم وثائقي قصير يحمل قيمة تاريخية وسينمائية معًا. وهذه نقطة فارقة، لأن الذاكرة الوطنية حين تدخل قاعة العرض أو منصة النقاش المهرجاني، فإنها تكتسب حياة جديدة: تُشاهد، وتُقارن، وتُناقش، بدل أن تبقى مادة محفوظة في الوجدان وحده.

كما أن وجود الفيلم داخل برنامج يتضمن عروضًا وورشًا وندوات ولقاءات حتى 7 أكتوبر يمنحه سياقًا أوسع من المشاهدة المنفردة. فهو يصبح جزءًا من حوار حول الصورة والهوية والسرد، لا مجرد تحية عابرة للمناسبة. ومن هنا يمكن فهم اختيار المهرجان على أنه محاولة لإعادة دمج أفلام الذاكرة الوطنية في الدورة الحية للثقافة السينمائية المصرية.

خلاصة: حين تتحول ذكرى أكتوبر إلى فعل برمجي

في دورته السادسة، يقدّم مهرجان القاهرة للسينما الفرنكوفونية مثالًا واضحًا على كيف يمكن لمهرجان مصري أن يوازن بين انفتاحه الثقافي وخصوصيته المحلية. وبينما تتواصل الفعاليات حتى 7 أكتوبر 2026، يبرز عرض «جيوش الشمس» باعتباره لحظة دالة داخل البرنامج: لحظة تعيد وصل الشاشة المصرية بواحدة من أكثر لحظات التاريخ الوطني رسوخًا في الوعي العام.

ليس هذا العرض مجرد استدعاء لأكتوبر في موعده السنوي، بل استخدام ذكي لفيلم وثائقي مصري صنعه شادي عبد السلام عام 1973، كي يظل النصر حاضرًا لا كذكرى ثابتة فقط، بل كصورة متجددة قابلة للمشاهدة والتأمل. وفي هذا المعنى تحديدًا، ينجح «جيوش الشمس» في أن يكون ذاكرة وطنية داخل برنامج سينمائي مصري، لا على هامشه.

أبرز الحقائق المرتبطة بالموضوع

  • موعد الدورة السادسة: من 3 إلى 7 أكتوبر 2026.
  • مكان الافتتاح والفعاليات: مكتبة مصر الجديدة.
  • شعار الدورة: «العودة إلى المستقبل».
  • رئيس المهرجان: الدكتور ياسر محب.
  • الفيلم محل الاهتمام: «جيوش الشمس».
  • سنة إنتاج الفيلم: 1973.
  • مدة الفيلم: 39 دقيقة.
  • مخرج الفيلم وكاتبه: شادي عبد السلام.