تكريم منى زكي في الجونة 2026: هل حسم مكانتها الأولى؟
تكريم الجونة أعاد السؤال إلى الواجهة
منذ صعود منى زكي إلى مسرح افتتاح الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي مساء 15 أكتوبر 2026 لتسلم جائزة الإنجاز الإبداعي، لم يتوقف الجدل في مصر حول دلالة هذه اللحظة: هل نحن أمام تكريم لمسيرة ناجحة فقط، أم أمام اعتراف صريح بأن منى زكي باتت اليوم الاسم النسائي الأكثر ثقلًا وتأثيرًا في السينما المصرية؟ المهرجان أقيم في مركز الجونة للمؤتمرات، وامتدت دورته من 15 إلى 23 أكتوبر 2026، بينما أعلن في الافتتاح عن تقديم 77 فيلمًا ضمن برامج ومسابقات الدورة، وهو ما منح لحظة تكريمها وزنًا رمزيًا داخل حدث سينمائي كبير لا داخل مناسبة احتفالية عابرة.
اللافت أن إدارة المهرجان لم تقدم منى زكي بوصفها نجمة شباك أو وجهًا جماهيريًا فقط، بل باعتبارها فنانة نقلت إلى الشاشة «حكايات عدد لا يُحصى من النساء المصريات» خلال مسيرة امتدت لثلاثة عقود. هذا التوصيف مهم؛ لأنه يفسر لماذا بدا التكريم كأنه إعادة تعريف لموقعها الحالي، لا مجرد استدعاء للحنين إلى بداياتها.
ماذا قال الجونة بالضبط عن منى زكي؟
بحسب تغطية افتتاح المهرجان، تسلمت منى زكي الجائزة من المخرج محمد شاكر خضير، بينما شدد الجونة على أن تكريمها يأتي تقديرًا لإسهاماتها في صناعة السينما المصرية والعربية على مدار أكثر من 30 عامًا. كما تحدث عمرو منسي، الشريك المؤسس والمدير التنفيذي للمهرجان، عن الاحتفاء بإسهامات الفنانين المصريين منى زكي وحسن السيد في نقل حكايات هذا البلد وهذه المنطقة إلى جمهور دولي، وهو تصريح يضعها في خانة التأثير الثقافي، لا فقط ضمن معادلة النجومية التقليدية.
وفي كلمتها على المسرح، وجهت منى زكي رسالة للشباب دعتهم فيها إلى ألا يتركوا الخوف يوقفهم، وهي الفكرة نفسها التي عادت إليها لاحقًا في تصريحات إعلامية بعد التكريم، عندما قالت إن لحظة الوقوف على المسرح أعادت إليها ذكريات البداية وهي في سن 13 عامًا. هذا الربط بين البدايات واللحظة الراهنة صنع سردية جذابة للجمهور: ممثلة بدأت صغيرة، اختبرت المخاطرة طويلًا، ثم عادت لتُكرَّم وهي في قمة نضجها المهني.
لماذا تصدر اسمها التريند في مصر؟
تصدُّر اسم منى زكي في مصر بعد حفل الافتتاح لم يكن نتيجة التكريم وحده، بل بسبب تداخل عدة عناصر في ليلة واحدة: حضورها المنفرد على السجادة الحمراء، تأثرها الواضح على المسرح، الرسائل الداعمة التي تلقتها من داخل الوسط الفني، ثم النقاش الأوسع الذي انفجر مجددًا حول اختياراتها الجريئة في السنوات الأخيرة. بهذا المعنى، التريند لم يكن عن «مشهد بكاء» فقط، بل عن إعادة تقييم جماعية لفكرة منى زكي نفسها: هل هي نجمة جماهيرية؟ ممثلة جوائز؟ أم حالة نادرة تجمع الاثنين؟
الفنانات والنجوم الذين احتفوا بها بعد التكريم أعطوا الانطباع نفسه. في تغطيات محلية، وُصفت بأنها تستحق هذا التقدير عن جدارة، بينما أشارت تصريحات من الوسط إلى تأثيرها على جيل أحدث من الممثلات. وحين يصبح التكريم مناسبة لإعلان هذا الإجماع المهني، يتحول الحدث من خبر فني إلى مؤشر على ترتيب القوة داخل الصناعة.
من «أصحاب... ولا أعز» إلى «رحلة 404»: كيف بنت موقعها الحالي؟
لفهم لماذا عاد سؤال «أقوى نجمة في السينما المصرية» بهذا الزخم، يجب النظر إلى ما فعلته منى زكي في السنوات الأخيرة، لا إلى رصيدها القديم فقط. في 2022 كانت من بطلات فيلم «أصحاب... ولا أعزّ» الذي عُرض عبر نتفليكس، وظهر اسمها ضمن طاقم العمل الرسمي إلى جانب إياد نصار ونادين لبكي. ورغم الجدل الذي أحاط بالفيلم، أثبت العمل أن منى زكي قادرة على البقاء في قلب النقاش العام عندما تختار مشروعًا شديد الحساسية جماهيريًا.
ثم جاء مسلسل «تحت الوصاية» في رمضان 2023 ليمنحها مساحة مختلفة تمامًا؛ عمل اجتماعي ثقيل، قائم على قضية، ويضع الأداء التمثيلي في الواجهة. قصة «حنان» التي تهرب بولديها من الإسكندرية إلى دمياط للعمل على مركب صيد لم تمر كنجاح درامي عابر، بل كرّست صورة منى زكي كفنانة قادرة على حمل موضوع اجتماعي معقد وإيصاله لجمهور واسع.
أما النقلة الأهم سينمائيًا، فجاءت مع فيلم «رحلة 404» من تأليف محمد رجاء وإخراج هاني خليفة. الفيلم ضم أسماء مثل محمد فراج ومحمد ممدوح وشيرين رضا وخالد الصاوي، ثم اختارته نقابة المهن السينمائية لتمثيل مصر في سباق الأوسكار عن فئة الفيلم الدولي في موسم 2024. لاحقًا، نالت منى زكي عن الدور نفسه جائزة أفضل ممثلة من الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما عن جوائز مسابقة السينما المصرية لعام 2024. هنا بالضبط يصبح النقاش أكثر جدية: نحن لا نتحدث عن نجمة تحافظ على حضورها، بل عن ممثلة لديها أعمال حديثة تُنتج قيمة فنية قابلة للقياس.
هل تكفي الجوائز وحدها لحسم لقب «الأقوى»؟
الإجابة الأقرب للدقة: لا. لكن في حالة منى زكي، المسألة لا تتعلق بالجوائز وحدها، بل بقدرتها على التحرك بين مسارات متوازية نادرًا ما تجتمع في اسم واحد. فهي تملك رصيدًا جماهيريًا طويلًا، وتشارك في أعمال تثير الجدل والنقاش، وتنجح في أدوار تعتمد على الأداء الخالص، وتحصل في الوقت نفسه على اعتراف مؤسسي من مهرجانات وجهات مهنية مصرية.
هناك أيضًا عامل مهم في لحظة 2026: منى زكي ليست فقط نجمة ذات تاريخ، بل اسم لا يزال حاضرًا في لغة الحاضر. حين تُكرَّم في الجونة الآن، لا تُستعاد كأيقونة من الماضي، بل كفنانة ما زالت أعمالها الأخيرة هي أساس الحجة لصالحها. هذه نقطة فارقة جدًا مقارنة بنجمات كبيرات يُحتفى بهن غالبًا بمنطق الإرث وحده.
ما الذي يميز منى زكي عن غيرها الآن؟
- الاستمرارية: حضورها ممتد من جيل التسعينيات حتى 2026 دون انقطاع رمزي حقيقي.
- المرونة: التنقل بين السينما التجارية، والمنصات، والدراما الاجتماعية الثقيلة.
- الاختيار: أعمال مثل «تحت الوصاية» و«رحلة 404» عززت صورتها كفنانة تراهن على النص والدور لا الظهور فقط.
- الاعتراف المهني: من ترشيح «رحلة 404» لتمثيل مصر في الأوسكار إلى تكريم الجونة وجائزة أفضل ممثلة.
- القدرة على خلق النقاش: اسمها يظل قادرًا على تصدّر المشهد كلما قدمت عملًا أو ظهرت في مناسبة فارقة.
النجمة الأقوى أم الأهم في اللحظة الحالية؟
ربما يكون السؤال الأدق، بعد تكريم منى زكي في الجونة، ليس ما إذا كانت «الأقوى» بمعنى شباك التذاكر وحده، بل ما إذا كانت الأهم في المعادلة النسائية الحالية داخل السينما المصرية. وهنا تبدو الإجابة أقرب إلى نعم. لأن القوة اليوم لم تعد تُقاس فقط بعدد الأفلام أو الإيرادات، بل بمدى القدرة على صنع أثر فني وثقافي متجدد. ومنى زكي، التي أعاد تكريمها في الجونة 2026 تسليط الضوء على مسيرتها، تبدو الآن صاحبة الحضور الأكثر اكتمالًا بين جيلها.
لهذا لم يكن التكريم مجرد لحظة احتفاء بنجمة كبيرة، بل لحظة اعتراف بأن منى زكي صارت معيارًا تُقاس به مكانة النجمة المصرية المعاصرة: حضور جماهيري، احترام نقدي، خيارات جريئة، وقابلية دائمة لأن تكون في قلب النقاش. وفي صناعة تبحث دائمًا عن «الاسم القادر على الجمع بين القيمة والتأثير»، يصعب تجاهل أن منى زكي اليوم هي المرشحة الأقوى لهذا الموقع.