Egypt Box Office

تكريم منى زكي في الجونة: قراءة جديدة لمسار نجمة مصرية

تكريم يأتي في توقيت حساس داخل خريطة السينما المصرية

إعلان مهرجان الجونة السينمائي تكريم منى زكي بجائزة الإنجاز الإبداعي في حفل افتتاح دورته التاسعة يوم 15 أكتوبر 2026 ليس مجرد احتفاء باسم نجومي كبير، بل لحظة دالة في توقيت تشهد فيه السينما المصرية إعادة ترتيب لأولوياتها بين النجومية التقليدية، والرهان على الموضوعات الأكثر تعقيدًا، وحضور المرأة كشخصية مركزية لا كعنصر مساعد. المهرجان أكد أن دورته التاسعة تمتد من 15 إلى 23 أكتوبر 2026، بينما جاء الإعلان عن التكريم باعتباره تقديرًا لمسيرة منى زكي الممتدة في السينما والتلفزيون والمسرح، ولأثرها داخل المشهد المصري والعربي.

بالنسبة للقارئ المصري، تبدو قيمة هذا التكريم أكبر من كونه جائزة شرفية؛ لأنه يأتي بعد سنوات استعادت فيها منى زكي موقعها كإحدى الممثلات القادرات على الجمع بين الشعبية، والاختيارات الصعبة، والحضور المؤثر في النقاش العام حول صورة المرأة على الشاشة. هنا تحديدًا يصبح السؤال مهمًا: ماذا يقول تكريم الجونة عن منى زكي الآن، لا فقط عن منى زكي في ذاكرة التسعينيات والألفينات؟

من موهبة مبكرة إلى اسم ثابت في الذاكرة الجماعية

بحسب ما نشره مهرجان الجونة السينمائي وAhram Online، بدأت منى زكي مسارها الفني مبكرًا عندما شاركت في مسرحية «بالعربي الفصيح» مع محمد صبحي عام 1989 وهي في الثالثة عشرة تقريبًا، قبل أن تواصل حضورها في التلفزيون خلال التسعينيات عبر أعمال مثل «العائلة» و«ليالي الحلمية» و«زيزينيا». ثم جاءت السينما سريعًا لتضعها في صف جيل جديد من النجمات، خاصة بعد «اضحك الصورة تطلع حلوة» و«صعيدي في الجامعة الأمريكية» عام 1998.

هذه البداية تشرح جزءًا من سر استمرارها: منى زكي لم تدخل السينما من باب الشكل وحده، ولا بقيت أسيرة نوع واحد من الأدوار. منذ البداية كان هناك توازن واضح بين أفلام جماهيرية صنعت قربها من الجمهور، وأدوار أكثر حساسية سمحت لها بتوسيع أدواتها كممثلة. وهذا ما أشار إليه المدير الفني للمهرجان أندرو محسن حين تحدث عن أنها لم تتوقف عند نوع واحد من الأدوار، ولم تحصر نفسها في نجومية التلفزيون فقط.

لماذا يبدو التكريم إعادة قراءة لا مجرد استعادة أرشيف؟

الأهمية الحقيقية للتكريم أنه يأتي بعد موجة جديدة من الأعمال أعادت تعريف صورة منى زكي لدى جمهور أوسع سنًا وخبرة. فحين تُكرَّم فنانة بعد أكثر من ثلاثة عقود من العمل، عادةً يُستدعى تاريخها القديم فقط. لكن حالة منى زكي مختلفة؛ لأن السنوات الأخيرة نفسها قدّمت مادة قوية تجعل الحديث عن مرحلة نضج فني راهنة أكثر إلحاحًا من مجرد استرجاع الماضي.

في بيانها الذي سبق التكريم، قالت منى زكي إن التمثيل لم يكن يومًا مجرد مهنة، بل وسيلة لدخول عوالم مختلفة وسرد قصص، خصوصًا قصص النساء. هذه العبارة مهمة لأنها تلخص ما صار يميز اختياراتها الأخيرة: الانحياز إلى شخصيات نسائية مكتوبة بتركيب إنساني واجتماعي واضح، بعيدًا عن القوالب السهلة.

«رحلة 404» كنقطة مفصلية في صورتها الحالية

إذا كان هناك عمل واحد يفسر لماذا يبدو تكريم 2026 متصلًا بالحاضر أكثر من الماضي، فهو بالتأكيد «رحلة 404». الفيلم عُرض في دور السينما المصرية يوم 24 يناير 2024، وهو من إخراج هاني خليفة وتأليف محمد رجاء، وشارك في بطولته محمد فراج ومحمد ممدوح وشيرين رضا وخالد الصاوي ومحمد علاء. وتدور حكايته حول غادة التي تواجه أزمة مالية طارئة قبل أيام من سفرها لأداء الحج، فتضطر إلى العودة لأشخاص من ماضٍ تحاول الفكاك منه.

الفيلم لم يكن مهمًا فقط لأنه أعاد منى زكي إلى البطولة السينمائية في عمل ثقيل دراميًا، بل لأنه وضعها داخل منطقة أداء معقدة أخلاقيًا ونفسيًا. الشخصية ليست بطلة مثالية، ولا ضحية تقليدية، بل امرأة ممزقة بين التوبة، والاحتياج، والذاكرة، والخوف. وهذه المساحة الرمادية هي بالضبط ما جعل «رحلة 404» علامة فارقة في مسارها الحديث.

الأهم أيضًا أن الفيلم تجاوز كونه نجاحًا نقديًا محليًا، إذ اختارته مصر ممثلًا لها في سباق الأوسكار 2025 عن فئة الفيلم الدولي، بحسب ما أُعلن وقتها من اللجنة المصرية المعنية بالاختيار. وحتى مع عدم وصوله إلى الترشيحات النهائية، فإن مجرد اختياره رسّخ حضوره بوصفه أحد أكثر الأفلام المصرية دلالة في تلك المرحلة.

من «أصحاب... ولا أعز» إلى «الست»: اتساع المساحة لا تكرارها

قبل «رحلة 404»، كانت منى زكي قد دخلت منطقة سجال عربي واسع عبر «أصحاب... ولا أعز» على Netflix عام 2022. سواء اتفق الجمهور مع الفيلم أو اختلف حوله، فقد أكد مرة أخرى أن اسمها يرتبط بمشروعات تفتح نقاشًا ولا تكتفي بالمرور الآمن. وهذا عنصر أساسي في أي قراءة حديثة لمسيرتها: أنها لم تعد فقط نجمة شباك أو وجهًا مألوفًا، بل صارت أيضًا جزءًا من معارك التلقي نفسها.

ثم جاء «الست»، الذي عُرض لاحقًا ويقدّم سيرة أم كلثوم على امتداد سبعة عقود، ليضيف بعدًا جديدًا للمسار. وجود منى زكي في بطولة فيلم عن كوكب الشرق ليس تفصيلة عابرة في مسيرتها، بل خطوة تحمل قدرًا عاليًا من المخاطرة الرمزية، لأن الاقتراب من شخصية بحجم أم كلثوم يضع أي ممثلة أمام اختبار ثقيل جماهيريًا ونقديًا. هنا يصبح تكريم الجونة كأنه اعتراف بممثلة لا تختار السهل، حتى في ذروة شهرتها.

ما الذي تقوله الجائزة عن موقعها داخل جيلها؟

في المؤتمر الصحفي الخاص بالدورة التاسعة، وصفت يسرا منى زكي بأنها ممثلة لها «خصوصية غير عادية» ومهمة لجيلها وللسينما المصرية، مشيرة إلى اجتهادها المستمر وحرصها على دراسة التمثيل وتطوير أدواتها. هذا الوصف يلتقط نقطة مركزية: منى زكي ليست فقط واحدة من أشهر ممثلات جيلها، بل من القلائل اللواتي حافظن على استمرارية المعنى إلى جانب استمرارية الحضور.

كثير من نجمات جيل التسعينيات امتلكن جماهيرية واسعة، لكن قلة منهن استطعن تجديد صورتهن مع تغير السوق والمنصات وطبيعة الكتابة. منى زكي فعلت ذلك عبر الانتقال من البطولات الرومانسية والاجتماعية الأخف، إلى أدوار أكثر كثافة مثل «احكي يا شهرزاد»، ثم إلى مرحلة نضج أوضح في «تحت الوصاية» و«رحلة 404» و«الست».

زاوية مصرية خالصة: لماذا يهم هذا التكريم الآن؟

للقارئ في مصر، يهم هذا التكريم لأنه يعيد تسليط الضوء على نموذج فني محلي تشكّل داخل الصناعة المصرية نفسها، لا على هامشها. منى زكي (@monazakiofficial على إنستغرام) ليست اسمًا عابرًا في موسم أو موجة، بل ممثلة نشأت داخل التلفزيون المصري، وصعدت عبر السينما المصرية، ولا تزال تُقرأ من خلال أسئلتها: كيف تتغير البطلة المصرية؟ وما نوع القصص التي تستحقها؟ وكيف يمكن للنجومية أن تظل جماهيرية من دون أن تفقد جرأتها؟

كما أن صدور التكريم عن مهرجان الجونة السينمائي (@elgounafilmfestival على إنستغرام) يمنحه وزنًا إضافيًا، لأن الجائزة تأتي في سياق مهرجان بات حريصًا على ربط الاحتفاء بالنجوم بسؤال الصناعة نفسها، من العروض إلى الملتقيات المهنية والبرامج الداعمة للإنتاج والتطوير.

الخلاصة: تكريم يثبت أن الحاضر هو أقوى فصول الحكاية

القراءة الأهم لتكريم منى زكي في الجونة ليست أنه مكافأة متأخرة على تاريخ معروف، بل أنه اعتراف بأن الفنانة المصرية تعيش اليوم واحدة من أكثر مراحلها نضجًا وتأثيرًا. من مسرحية البدايات أواخر الثمانينيات، إلى أفلام صنعت نجوميتها الجماهيرية، وصولًا إلى «رحلة 404» و«الست»، يبدو المسار كأنه يتحرك في خط تصاعدي لا في منحنى حنين.

لهذا، فإن جائزة الإنجاز الإبداعي قبل افتتاح الدورة التاسعة يوم 15 أكتوبر 2026 تبدو أقرب إلى إعادة تموضع داخل الوعي السينمائي المصري: منى زكي ليست فقط نجمة لها تاريخ، بل ممثلة يظل حاضرها قادرًا على إعادة تفسير ذلك التاريخ، وتأكيد أن السينما المصرية ما زالت تملك وجوهًا تستطيع الجمع بين القيمة، والجماهيرية، والرهان الفني الحقيقي.