تكريم داود عبد السيد في مكتبة الإسكندرية يعيد أفلامه للنقاش
تكريم يتجاوز المجاملة ويصنع مناسبة جديدة لمراجعة إرث سينمائي
اختيار المخرج والكاتب المصري داود عبد السيد شخصية الدورة الحادية والعشرين من معرض مكتبة الإسكندرية الدولي للكتاب منح الحدث الثقافي هذا العام بُعدًا يتجاوز فكرة التكريم التقليدي. فالدورة الحالية، التي انطلقت في 6 يوليو 2026 وتستمر حتى 20 يوليو 2026، تُقام بالتعاون مع الهيئة المصرية العامة للكتاب واتحادَي الناشرين المصريين والعرب، وشهدت مشاركة تقارب 86 دار نشر مع برنامج ثقافي يضم 410 فعاليات وأكثر من ألف متحدث، بحسب ما أعلنته مكتبة الإسكندرية وبوابة الأهرام. وفي قلب هذا الزخم، حضرت سينما داود عبد السيد بوصفها ملفًا ثقافيًا مفتوحًا للنقاش من جديد، لا مجرد اسم على لافتة شرفية.
المعنى هنا مهم للقارئ المصري: حين تختار مؤسسة بحجم مكتبة الإسكندرية صانع أفلام مثل داود عبد السيد شخصية للدورة، فإنها تعيد ربط السينما بالأسئلة الفكرية الكبرى التي طالما حملتها أعماله؛ أسئلة السلطة، والهوية، والهامش الاجتماعي، والخيبة، والحلم، والمدينة، والإنسان المصري في لحظات التحول.
لماذا بدا التكريم لافتًا في هذا التوقيت؟
البرنامج الثقافي للمعرض لم يكتفِ بالإعلان عن اسم المخرج الكبير، بل خصص له فعاليات مباشرة تتناول تجربته. من بينها ندوة «داود عبد السيد في الذاكرة» التي أُقيمت ضمن البرنامج الثقافي، وشارك فيها الدكتور أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية، وأنسي أبو سيف مهندس الديكور، والفنان أحمد كمال، والموسيقار راجح داود، مع عرض فيلم وثائقي من إنتاج ستوديو مكتبة الإسكندرية. كما تضم الفعاليات لقاءً آخر بعنوان «داود عبد السيد.. سيرة ومسيرة» يشارك فيه الكاتب والإعلامي وائل لطفي.
هذا الحضور البرنامجي مهم لأنه ينقل التكريم من خانة الاحتفاء الرمزي إلى خانة إعادة القراءة. الندوات لا تستدعي سيرة الرجل فقط، بل تستدعي أدواته: كيف كتب شخصياته؟ كيف تعامل مع الممثل؟ لماذا بدت أفلامه قليلة عددًا وكبيرة أثرًا؟ ولماذا ما زالت أعمال مثل «الكيت كات» و«البحث عن سيد مرزوق» و«أرض الخوف» قادرة على استفزاز الأسئلة حتى الآن؟
أفلام قليلة العدد.. واسعة الأثر
بحسب التصريحات التي نُشرت على هامش الندوة، فإن داود عبد السيد قدّم تسعة أفلام روائية طويلة فقط، لكن هذا الرقم المحدود تحول في الذاكرة السينمائية المصرية إلى رصيد نوعي كبير. من أبرز أعماله التي أعاد المعرض تسليط الضوء عليها: «الصعاليك»، «البحث عن سيد مرزوق»، «الكيت كات»، «أرض الأحلام»، «سارق الفرح»، «أرض الخوف»، «مواطن ومخبر وحرامي»، «رسائل البحر»، و«قدرات غير عادية».
هذه الأعمال لا تُستعاد فقط لأنها “كلاسيكيات” محبوبة، بل لأنها تمثل خريطة موازية لتحولات المجتمع المصري. «الصعاليك» مثلًا ظل حاضرًا كلما عاد النقاش إلى سنوات الانفتاح الاجتماعي والاقتصادي. أما «الكيت كات» فبقي نموذجًا نادرًا لفيلم شعبي في ملامحه، عميق في طبقاته، استطاع أن يمنح محمود عبد العزيز واحدة من أهم شخصياته عبر “الشيخ حسني”. وفي «أرض الخوف» تحولت الرحلة البوليسية إلى تأمل كثيف في السلطة واليقين والحدود الملتبسة بين التكليف والضياع.
كيف يعيد المعرض هذه الأفلام إلى الواجهة؟
1) بتحويل المخرج إلى محور ثقافي لا إلى اسم أرشيفي
حين يقول الدكتور أحمد زايد إن اختيار داود عبد السيد جاء تقديرًا لمسيرته الإبداعية الممتدة وإسهاماته في تقديم سينما جمعت بين العمق الفكري والتميز الفني، فهو يضع الرجل في موقع المرجع الثقافي لا مجرد المخرج المكرَّم. هذه النقلة تصنع فضولًا جديدًا لدى أجيال لم تشاهد كل أفلامه على الشاشة الكبيرة، لكنها تعرف عناوينها أو لقطاتها المتداولة.
2) بإعطاء شهادات حيّة من شركاء التجربة
قيمة ندوة «داود عبد السيد في الذاكرة» أنها لم تعتمد على قراءة أكاديمية باردة فقط، بل استندت إلى شهادات من عاشوا التجربة. أحمد كمال تحدث عن مشاركته في معظم أفلامه، واعتبر سيناريوهاته أعمالًا أدبية تستحق القراءة والنشر. أما أنسي أبو سيف فرأى أن أفلامه التسعة تشكل “رحلة واحدة” من وجهة نظر مبدع واحد، بينما شدد راجح داود على مركزية الموسيقى في صياغة الفكرة والصورة. هذه الشهادات تعيد توجيه النقاش من الحنين العام إلى تفكيك الصناعة نفسها.
3) بربط السينما بسياق معرض كتاب
قد يبدو الأمر مفارقًا، لكن تكريم مخرج في معرض كتاب يوسّع مساحة التلقي. هنا لا تدخل أفلام داود عبد السيد من باب الأخبار الفنية وحدها، بل من باب الثقافة المصرية الأوسع: السيناريو كأدب، والصورة كنص، والشخصية السينمائية كسؤال فلسفي. لهذا بدا من الطبيعي أن يُستعاد اسمه وسط ندوات السرد والتراث والهوية والمدينة.
لماذا ما زالت أعماله قابلة للنقاش في مصر الآن؟
السبب الأهم أن أفلام داود عبد السيد لم تُبنَ على “الموضة” العابرة. هي أفلام مشغولة على شخصيات مأزومة وأسئلة مستمرة. في «البحث عن سيد مرزوق» يوجد قلق من السلطة والمال والعبث. في «الكيت كات» توجد نظرة حنونة وقاسية في الوقت نفسه إلى الحارة المصرية وأحلامها المنكسرة. في «رسائل البحر» تعود الإسكندرية نفسها بوصفها مساحة للغربة والبوح والبحث عن الذات، وهو تفصيل يكتسب دلالة إضافية داخل حدث تقيمه مكتبة الإسكندرية وعلى كورنيش المدينة.
كذلك فإن كثيرًا من النقاشات الراهنة حول سينما المؤلف، وعلاقة الفن بالسوق، وأزمة كتابة الشخصيات، يمكن أن تجد في تجربة داود عبد السيد مادة عملية لا نظرية فقط. هو مخرج لم يكن غزير الإنتاج، لكن ندرة أفلامه نفسها أصبحت جزءًا من قيمتها؛ كل فيلم يبدو كأنه مشروع كامل لا حلقة في خط إنتاج.
تكريم يفتح الباب أمام إعادة المشاهدة لا مجرد التذكر
ما يحدث الآن حول اسم داود عبد السيد يذكّر بأن التكريم الناجح هو الذي يدفع الجمهور إلى العودة إلى الأعمال نفسها. ومع اتساع الحديث الإعلامي عن المعرض، ووجود فعاليات مخصصة له، يصبح من المرجح أن تتجدد دوائر المشاهدة والمراجعة النقدية حول أفلامه، سواء بين النقاد، أو طلاب معاهد السينما، أو جمهور المنصات والتلفزيون الذي يعرف بعض هذه العناوين ولا يعرف سياقها كاملًا.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية للحدث: مكتبة الإسكندرية لم تكتفِ بتخليد اسم داود عبد السيد، بل أعادت إدخاله إلى المجال العام الثقافي في مصر، باعتباره صانعًا لأفلام لا تزال تملك القدرة على طرح الأسئلة. وبين 6 و20 يوليو 2026، لا يبدو المعرض مجرد سوق للكتاب، بل مساحة تذكير بأن السينما المصرية، حين تُصنع بعمق، تظل قابلة للحياة والنقاش بعد سنوات طويلة من إنتاجها.
أبرز ما يجعل التكريم مؤثرًا في المشهد السينمائي
- اختيار واضح ومباشر: داود عبد السيد هو شخصية الدورة 21 رسميًا.
- فعاليات مخصصة له: ندوات مثل «داود عبد السيد في الذاكرة» و«داود عبد السيد.. سيرة ومسيرة».
- مشاركة أسماء من قلب التجربة: أشرف زكي، أنسي أبو سيف، أحمد كمال، راجح داود.
- توقيت ثقافي واسع التأثير: المعرض يضم 410 فعاليات وأكثر من ألف متحدث.
- صلة مباشرة بالقارئ المصري: أفلامه تناقش تحولات المجتمع المصري لا موضوعات معزولة عنه.
في النهاية، فإن تكريم داود عبد السيد في معرض مكتبة الإسكندرية الدولي للكتاب 2026 لا يعيد فقط الاعتبار لاسم مخرج كبير، بل يعيد أيضًا الاعتبار لفكرة أن الفيلم المصري يمكن أن يعيش طويلًا حين يكون ابنًا حقيقيًا لأسئلة مجتمعه. وهذا تحديدًا ما يجعل أفلام داود عبد السيد تعود اليوم إلى واجهة النقاش السينمائي في مصر بقوة واستحقاق.